ولقد أعقب هول الهزيمة وذعرها ، وهرجها ومرجها ، سكون عجيب . سكون في نفوس المؤمنين الذين ثابوا إلى ربهم ، وثابوا إلى نبيهم . لقد شملهم نعاس لطيف يستسلمون إليه مطمئنين !
والتعبير عن هذه الظاهرة العجيبة يشف ويرق وينعم ، حتى ليصور بجرسه وظله ذلك الجو المطمئن الوديع :
( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) . .
وهي ظاهرة عجيبة تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين ؛ فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين ، ولو لحظة واحدة ، يفعل في كيانهم فعل السحر ، ويردهم خلقا جديدا ، ويسكب في قلوبهم الطمأنينة ، كما يسكب في كيانهم الراحة . بطريقة مجهولة الكنه والكيف ! أقول هذا وقد جربته في لحظة كرب وشدة . فأحسست فيه رحمة الله الندية العميقة بصورة تعجز عن وصفها العبارة البشرية القاصرة !
روى الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد ابن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال : " رفعت رأسي يوم أحد ، وجعلت أنظر ، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت جحفته من النعاس " .
وفي رواية أخرى عن أبي طلحة : " غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه " . .
أما الطائفة الأخرى ؛ فهم ذوو الإيمان المزعزع ، الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم ، والذين لم يتخلصوا من تصورات الجاهلية ، ولم يسلموا أنفسهم كلها لله خالصة ، ولم يستسلموا بكليتهم لقدره ، ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص ، وليس تخليا من الله عن أوليائه لأعدائه ، ولا قضاء منه - سبحانه - للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل :
( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية . يقولون : هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) . .
أن هذه العقيدة تعلم أصحابها - فيما تعلم - أن ليس لهم في أنفسهم شيء ، فهم كلهم لله ؛ وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له ، ويتحركون له ، ويقاتلون له ، بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد ، وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره ، فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم ، كائنا هذا القدر ما يكون .
فأما الذين تهمهم أنفسهم ، وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم ، ومحور اهتمامهم وانشغالهم . . فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان . ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا الموضع . طائفة الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم ، فهم في قلق وفي أرجحة ، يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم ، ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعا ولا إرادة لهم فيها ؛ وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير ، ويؤدون الثمن فادحا من القتل والقرح والألم . . وهم لا يعرفون الله على حقيقته ، فهم يظنون بالله غير الحق ، كما تظن الجاهلية . ومن الظن غير الحق بالله أن يتصوروا أنه - سبحانه - مضيعهم في هذه المعركة ، التي ليس لهم من أمرها شيء ، وإنما دفعوا إليها دفعا ليموتوا ويجرحوا ، والله لا ينصرهم ولا ينقذهم ؛ إنما يدعهم فريسة لأعدائهم ، ويتساءلون :
( هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) .
وتتضمن قولتهم هذه الاعتراض على خطة القيادة والمعركة . . ولعلهم ممن كان رأيهم عدم الخروج من المدينة ؛ ممن لم يرجعوا مع عبد الله بن أبي . . ولكن قلوبهم لم تكن قد استقرت واطمأنت . .
وقبل أن يكمل السياق عرض وساوسهم وظنونهم ، يبادر بتصحيح الأمر وتقرير الحقيقة فيما يتساءلون فيه ، ويرد على قولتهم : ( هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) .
فلا أمر لأحد . لا لهم ولا لغيرهم . ومن قبل قال الله لنبيه [ ص ] ( ليس لك من الأمر شيء ) . فأمر هذا الدين ، والجهاد لإقامته وتقرير نظامه في الأرض ، وهداية القلوب له . . كلها من أمر الله ، وليس للبشر فيها من شيء ، إلا أن يؤدوا واجبهم ، ويفوا ببيعتهم ، ثم يكون ما يشاؤه الله كيف يكون !
ويكشف كذلك خبيئة نفوسهم قبل أن يكمل عرض وساوسهم وظنونهم :
( يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) . .
فنفوسهم ملأى بالوساوس والهواجس ، حافلة بالاعتراضات والاحتجاجات ؛ وسؤالهم : ( هل لنا من الأمر من شيء ) . . يخفي وراءه شعورهم بأنهم دفعوا إلى مصير لم يختاروه ! وأنهم ضحية سوء القيادة ، وأنهم لو كانوا هم الذين يديرون المعركة ما لاقوا هذا المصير .
( يقولون : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) . .
وهو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة ، حينما تصطدم في موقعة بالهزيمة ، وحينما تعاني آلام الهزيمة ! حين ترى الثمن أفدح مما كانت تظن ؛ وأن الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع ؛ وحين تفتش في ضمائرها فلا ترى الأمر واضحا ولا مستقرا ؛ وحين تتخيل أن تصرف القيادة هو الذي القى بها في هذه المهلكة ، وكانت في نجوة من الأمر لو كان أمرها في يدها ! وهي لا يمكن - بهذا الغبش في التصور - أن ترى يد الله وراء الأحداث ، ولا حكمته في الابتلاء . إنما المسألة كلها - في اعتبارها - خسارة في خسارة ! وضياع في ضياع !
هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله . لأمر الحياة والموت . ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء :
( قل : لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . وليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ، والله عليم بذات الصدور )
قل لو كنتم في بيوتكم ؛ ولم تخرجوا للمعركة تلبية لنداء القيادة ، وكان أمركم كله لتقديركم . . لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . . إن هنالك أجلا مكتوبا لا يستقدم ولا يستأخر . وإن هنالك مضجعا مقسوما لا بد أن يجيء إليه صاحبه فيضجع فيه ! فإذا حم الأجل ، سعى صاحبه بقدميه إليه ، وجاء إلى مضجعه برجليه ، لا يسوقه أحد إلى أجله المرسوم ، ولا يدفعه أحد إلى مضجعه المقسوم !
ويا للتعبير العجيب . . " إلى مضاجعهم " . . فهو مضجع إذن ذلك الرمس الذي تستريح فيه الجنوب ، وتسكن فيه الخطى ، وينتهي إليه الضاربون في الأرض . . مضجع يأتون إليه بدافع خفي لا يدركونه ولا يملكونه ، إنما هو يدركهم ويملكهم ؛ ويتصرف في أمرهم كما يشاء . والاستسلام له أروح للقلب ، وأهدأ للنفس ، وأريح للضمير !
( وليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ) . .
فليس كالمحنة محك يكشف ما في الصدور ، ويصهر ما في القلوب ، فينفي عنها الزيف والرياء ، ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء . . فهو الابتلاء والاختبار لما في الصدور ، ليظهر على حقيقته ، وهو التطهير والتصفية للقلوب ، فلا يبقى فيها دخل ولا زيف . وهو التصحيح والتجلية للتصور ؛ فلا يبقى فيه غبش ولا خلل :
وذات الصدور هي الأسرار الخفية الملازمة للصدور ، المختبئة فيها ، المصاحبة لها ، التي لا تبارحها ولا تتكشف في النور ! والله عليم بذات الصدور هذه . ولكنه - سبحانه - يريد أن يكشفها للناس ، ويكشفها لأصحابها أنفسهم ، فقد لا يعلمونها من أنفسهم ، حتى تنفضها الأحداث وتكشفها لهم !
قوله تعالى : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إنا الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم للقتل إلى مضاجعهم وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) .
ذلك إخبار من الله عن امتنانه على عباده فيما أنزله عليهم من الأمن والنعاس بعد ما غشيهم من الغم ما غشيهم . وفي مثل هذه الحال من الكرب والهم تهفو نفس المغتم إلى شيء من الراحة والسكينة . وإنما يتجلى ذلك تماما في نعيم الأمن يستظل به الإنسان المكروب مع غمرة ظليلة من النعاس الرخي يغشاه فيستشعره بذلك نداوة الطمأنينة وسكينة الأعصاب . فقال سبحانه : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) الأمنة بمعنى الأمن والسكينة . ونعاسا بدل من أمنةً . وقيل مفعول لأجله . وفيما امتن الله به على المؤمنين من الأمن والنعاس بعد ما غشيهم الخوف والقلق والحزن- في ذلك روى البخاري عن أبي طلحة قال : كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه{[617]} . والمراد بالطائفة هذه المؤمنون الذين خرجوا للقتال مع النبي صلى الله عليه و سلم قاصدين أن تعلو راية الإسلام مبتغين بذلك مرضاة الله ، أولئك هم أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل على الله .
قوله : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) وهذه الطائفة الثانية هم المنافقون . وهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما . فكان هؤلاء قد خرجوا طمعا في الغنيمة وخشية من المؤمنين ، فهؤلاء قد اشتد جزعهم وخوفهم فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ويقولون الأقاويل وينشرون الأراجيف ، وأهمتهم أنفسهم ، يعني حملتهم على الهمّ . فكان همهم خلاص أنفسهم . أهمني الأمر أي اقلقني . وهمني الشيء أي كان من همي وقصدي . والمقصود أن هؤلاء المرجفين المضطرين لم يعبأوا بغير أنفسهم . وهم لفرط فزعهم وهلعهم تملكهم الذعر فذهلوا عن كل شيء سوى أنفسهم .
قوله : ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) الجملة في محل نصب حال . والمقصود أن هؤلاء المنافقين أهل جبن وخور وإرجاف . فقد اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا في أحد لن تقوم للإسلام بعد ذلك قائمة ، وإن المسلمين صائرون إلى الإبادة . إلى غير ذلك من الظنون والأراجيف الباطلة .
وقوله : ( ظن الجاهلية ) بدل من غير الحق . وهو الظن الذي دأب عليه أهل الجاهلية ، وهو ظنهم أن أمر النبي صلى الله عليه و سلم باطل وأن دينه لن يكتب له النصر .
قوله : ( يقولون هل لنا من الأمر شيء ) ذلك إخبار عما حكاه المنافقون بعد الذي أصاب المسلمين في أحد . والاستفهام هنا للإنكار والجحد . ومعناه : ما لنا شيء من أمر الخروج ، وإنما خرجنا كرها فرد الله عليهم ذلك بقوله : ( قل إن الأمر كله لله ) أي أن القدر كله خيره وشره بيد الله فينصر من يشاء ويخذل من يشاء . وقوله : ( يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) أي يضمرون التكذيب والجحد ولا يظهرونه لك . وفسر ذلك بقوله : ( يقولولن لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) أي لو كان لنا اختيار أو رأي عند محمد لما برح المدينة كما كان رأي عبد الله بن أبي وغيره . ولما غلبنا فقتل منا من قتل . وفي هذا الصدد ذكر عن عبد الله بن الزبير أن أباه الزبير قال : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره . قال : فوالله إني لأسمع قول معتب بن فشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول : ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههانا ) .
وقوله : ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) أي لو كنتم جالسين في بيوتكم ولم تشهدوا القتال مع المؤمنين فلسوف يخرج الذين كتب عليهم القتل للموضع الذي كتب عليهم فيه مصرعهم ؛ ذلك أن الحذر لا يغني من القدر وأن التدبير لا يدفع التقدير فالذين قدر الله عليهم القتل لا مناص لهم من قدر الله المحتوم .
قوله : ( وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) الابتلاء معناه الاختبار والإمتحان . وجملة التعليل ( وليبتلى الله ) على لفعل محذوف . أي فعل ذلك مما حصل لكم في أحد ليمتحن ما في صدوركم فيظهر سرائر المنافقين ، ويكشف عن مكنون قلوبهم من الغش والمرض والنفاق فيطلع عليها المؤمنين . وكذلك ( ليمحص ما في قلوبكم ) أي لتطهركم من الذنوب والمعاصي . أو لتطهر قلوبكم من الوساوس والشبهات .
قوله : ( والله عليم بذات الصدور ) أي أن الله يعلم بما يستكن في ضمائر العباد من خير وشر أو من إيمان وكفر . فإنه جل جلاله لا يخفى عليه شيء من أمور الخليقة ويستوي في ذلك عنده ما كان خافيا أو معلنا .