هذا شأن المرأة . . ثم يلتفت السياق إلى الرجال الراغبين فيها في فترة العدة ؛ فيوجههم توجيها قائما على أدب النفس ، وأدب الاجتماع ، ورعاية المشاعر والعواطف ، مع رعاية الحاجات والمصالح :
( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ) . .
إن المرأة في عدتها ما تزال معلقة بذكرى لم تمت ، وبمشاعر أسرة الميت ، ومرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها من حمل لم يتبين ، أو حمل تبين والعدة معلقة بوضعه . . وكل هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجية جديدة . لأن هذا الحديث لم يحن موعده ، ولأنه يجرح مشاعر ، ويخدش ذكريات .
ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض - لا التصريح - بخطبة النساء . أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدتها .
وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن التعريض مثل أن يقول : إني أريد التزويج . وإن النساء لمن حاجتي . ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة " . .
كذلك أبيحت الرغبة المكنونة التي لا يصرح بها لا تصريحا ولا تلميحا . لأن الله يعلم أن هذه الرغبة لا سلطان لإرادة البشر عليها :
( علم الله أنكم ستذكرونهن ) . .
وقد أباحها الله لأنها تتعلق بميل فطري ، حلال في أصله ، مباح في ذاته ، والملابسات وحدها هي التي تدعو إلى تأجيل اتخاذ الخطوة العملية فيه . والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية إنما يهذبها ، ولا يكبت النوازع البشرية إنما يضبطها . ومن ثم ينهى فقط عما يخالف نظافة الشعور ، وطهارة الضمير :
لا جناح في أن تعرضوا بالخطبة ، أو أن تكنوا في أنفسكم الرغبة ، ولكن المحظور هو المواعدة سرا على الزواج قبل انقضاء العدة . ففي هذا مجانبة لأدب النفس ، ومخالسة لذكرى الزوج ، وقلة استحياء من الله الذي جعل العدة فاصلا بين عهدين من الحياة .
( إلا أن تقولوا قولا معروفا ) . .
لا نكر فيه ولا فحش ، ولا مخالفة لحدود الله التي بينها في هذا الموقف الدقيق :
( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) . .
ولم يقل : ولا تعقدوا النكاح . . إنما قال : ( ولا تعزموا عقدة النكاح ) . . زيادة في التحرج . . فالعزيمة التي تنشىء العقدة هي المنهي عنها . . وذلك من نحو قوله تعالى : ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) . . توحي بمعنى في غاية اللطف والدقة .
( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) . .
وهنا يربط بين التشريع وخشية الله المطلع على السرائر . فللهواجس المستكنة وللمشاعر المكنونة هنا قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة . تلك العلاقات الشديدة الحساسية ، العالقة بالقلوب ، الغائرة في الضمائر . وخشية الله ، والحذر مما يحيك في الصدور أن يطلع عليه الله هي الضمانة الأخيرة ، مع التشريع ، لتنفيذ التشريع .
فإذا هز الضمير البشري هزة الخوف والحذر ، فصحا وارتعش رعشة التقوى والتحرج ، عاد فسكب فيه الطمأنينة لله ، والثقة بعفو الله ، وحلمه وغفرانه :
( واعلموا أن الله غفور حليم ) . .
غفور يغفر خطيئة القلب الشاعر بالله ، الحذر من مكنونات القلوب . حليم لا يعجل بالعقوبة فلعل عبده الخاطىء أن يتوب .
قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } . أي النساء المعتدات وأصل التعريض هو التلويح بالشيء ، والتعريض في الكلام ما يفهم به السامع ، مراده من غير تصريح ، والتعريض بالخطبة مباح في العدة وهو أن يقول : رب راغب فيك ، من يجد مثلك ، إنك لجميلة ، وإنك لصالحة ، وإنك علي لكريمة ، وإني فيك لراغب ، وإن من غرضي أن أتزوج بك ، وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ، ولئن تزوجتك لأحسن إليك ، ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني ، والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه ، وقال إبراهيم : لا بأس أن يهدي لها ، ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت غير شابة . روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد ابن علي الباقر في عدتها وقال : يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام ، فقالت سكينية : أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ عنك ؟ فقال : إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده .
والتعريض بالخطبة جائز في عدة الوفاة ، أما المعتدة عن فرقة الحياة ، ينظر : إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثاً والمبانة باللعان والرضاع : يجوز خطبتها تعريضاً ، وإن كانت ممن يحل للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها ، يجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً . وهل يجوز للغير تعريضا ؟ فيه قولان : أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثاً ، والثاني لا يجوز لأن المعاودة ثابتة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة . وقوله تعالى : ( من خطبة النساء ) الخطبة التماس النكاح ، وهي مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة ، وقال الأخفش : الخطبة الذكر ، والخطبة التشهد فيكون معناه : فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن .
قوله تعالى : { أو أكننتم } . أضمرتم .
قوله تعالى : { في أنفسكم } . من نكاحهن يقال : أكننت الشيء وكننته لغتان ، وقال ثعلب : أكننت الشيء أي أخفيته في نفسي وكننته سترته ، وقال السدي : هو أن يدخل فيسلم ، ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) بقلوبكم .
قوله تعالى : { ولكن لا تواعدوهن سراً } . اختلفوا في السر المنهي عنه ، فقال قوم : هو الزنا كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزنية وهو يتعرض بالنكاح ويقول لها : دعيني فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك ، هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وعطاء ورواية عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال زيد بن أسلم : أي لا ينكحها سراً فيمسكها فإذا حلت أظهر ذلك . وقال مجاهد : هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك ، وقال الشعبي والسدي : لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره ، وقال عكرمة : لا ينكحها ولا يخطبها في العدة . قال الشافعي : السر هو الجماع ، وقال الكلبي : أي لاتصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ، فيقول آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك ، ويذكر السر ويراد به الجماع قال امرئ القيس :
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني *** كبرت وألا يحسن السر أمثالي
إنما قيل للزنا والجماع سر ، لأنه يكون في خفاء بين الرجل والمرأة .
قوله تعالى : { إلا أن تقولوا قولاً معروفاً } . هو ما ذكرنا من التعريض بالخطبة .
قوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } . أي لا تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة ( حتى يبلغ الكتاب أجله ) أي : حتى تنقضي العدة ، وسماها الله كتاباً لأنها فرض من الله كقوله تعالى ( كتب عليكم ) أي فرض عليكم .
قوله تعالى : { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } . أي فخافوا الله .
قوله تعالى : { واعلموا أن الله غفور حليم } . لا يعجل بالعقوبة .
قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلوا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم )
يخاطب الله في هذه الآية الرجال الذين يبتغون الزواج من النساء في حال عدّتهن من وفاة أزواجهن ، فإذا رغب الرجل في نكاح المتوفى عنها زوجها أثناء عدّتها فإنه لا إثم عليه في ذلك إذا ما كان خطابه لها تعريضا لا تصريحا ، والتعريض ضد التصريح ، وهو أن يحتمل الخطاب أكثر من معنى ، وذلك كالنكاح وغيره . وهو من العرض ، وعرض الشيء جانبه لا وسطه ، والمعرّض حين الخطاب إنما يحوم حول المقصود حوما من غير أن يخوض في صميمه . وبعبارة أخرى فإن التعريض يراد به التلميح لا التصريح{[322]} ذلك إذا ما أراد الرجل أن يخطب المتوفى عنها زوجها أو المطلقة المبتوتة أثناء العدة لكل منهما . والتعريض بخطبة النساء أن يقول الرجل للمرأة على سبيل المثال : إني أبتغي الزواج من امرأة صالحة ، أو : إنك امرأة صالحة ، وددت أن يكتب الله لي واحدة مثلك ، أو : إن لي حاجة في الزواج من الصالحات ، أو : لا تسبقيني بنفسك ، وغير ذلك من عبارات تحتمل أكثر من معنى ، لكنها جميعا تأتي على سبيل التلميح بخطبة المرأة المتوفى عنها زوجها أو المبتوتة حال عدّتها ، أما المطلقة طلاقا رجعيا فلا يجوز بحال أن يعرّض لها بخطبة ؛ لأنها لم تبرح كنف الزوجية مادامت في عدّتها ، وليس لأحد من الرجال أصلا أن يخاطبها بتلك العبارات باستثناء زوجها الذي يستطيع مراجعتها في كل آن .
قوله : ( أو أكننتم في أنفسكم ) ( أكننتم ) بمعنى أخفيتم ، من الإكنان وهو الستر والإخفاء ، والجملة معطوفة على نفي الحرج في التعريض بخطبة النساء . والمعنى أنه لا إثم عليكم ولا حرج فيما تخفونه في أنفسكم من الرغبة في خطبة المتوفى عنهن أزواجهن أو نكاحهن بعد انقضاء عدتهن .
وقوله : ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) الله يعلم أنكم ستذكرون أولئك النساء وذلك بألسنتكم أو في نفوسكم ، سواء كان الذكر لهن في السر أو العلن . ومن أجل ذلك قد أباح الله لكم مراودتهن في الخطبة تعريضا لا تصريحا .
ثم حذر الله من مواعدة النساء المعتدّات من وفاة أزواجهن سرا . ومواعدتهن بالسر تشمل كل كلام محرّم أثناء الاعتداد ، وذلك كالمواعدة على الزنا ، أو إلزامها بميثاق على ألا تتزوج غيره ، أو أن يقول لها : لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك .
ومثل هذه المواعدات حرام ، إلا أن يكون القول معروفا وهو ما أبيح من التعريض وفي ذلك كله يقول سبحانه : ( ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ) والاستثناء هنا منقطع . أي ليس لكم أن تخاطبوهن سرا لتنتزعوا منهن مواعدات محرّمة إلا أن تكون المخاطبة مباحة وهي الحديث إليهن تعريضا كما بينا .
قوله : ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) عقدة النكاح هي العقد بين الراغبين في التناكح والمؤلّف من ركنيه الإيجاب والقبول . ويراد بالكتاب العدّة . والمعنى أنه ليس لكم أن تعقدوا عقد النكاح على النساء المتوفى عنهن أزواجهن ولم تنقض عدّتهن بعد .
وقد وقع الإجماع على أنه لا يصح العقد على المرأة حال عدّتها ، بل إن ذلك حرام قد نهى عنه الشرع . وإذا تزوج الرجل المرأة في عدتها ولم يدخل بها وجب فسخ العقد ، ثم يكون الرجل بعد ذلك خاطبا من الخطّاب إن شاء وقيل إن التحريم يقع مؤبدا مادام العقد قد وقع أثناء العدّة وإن لم يتم الدخول ، أما إذا وقع الدخول بعد العقد وفي العدّة وجب الفسخ أولا ، ثم تحرم المرأة على التأبيد وهو ما ذهب إليه الإمام مالك مستندا في ذلك إلى ما قاله عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- : أيما امرأة نكحت في عدّتها ، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فُرّق بينهما ثم اعتدت بقية عدّتها من زوجها الأول وكان خاطبا من الخطّاب ، وإن كان دخل بها فُرّق بينهما ثم اعتدّت بقية عدّتها من زوجها الأول ، ثم اعتدّت من الآخر ، ثم لم ينكحها أبدا .
لكن جمهور العلماء ذهبوا إلى أنها لا تحرم على التأبيد ، بل لمن دخل بها في عدّتها أن يخطبها بعد انقضاء عدّتها{[323]} .
قوله : ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) يحذّر الله عباده مما يكنونه في ضمائرهم من نوايا ، فإن عليهم أن يخافوه ، ويحذروا عذابه وبطشه ، وأن يتجنبوا ما نهاهم عنه ، وأن يمتثلوا لما بيّن للناس من حدود .
ثم إن الله لا يريد للعباد أن يعيشوا مع اليأس أو يقطعوا مع الله حبل الرجاء ، بل عليهم أن يعلموا أن الله جلت قدرته ( غفور حليم ) فهو غفّار للذنوب يتجاوز عن المعاصي والخطايا ، وهو كذلك حليم ، يتجاوز عن السيّئات ، ويشمل العباد بأفياء رحمته التي وسعت كل شيء{[324]} .