ثم يأخذ في التفصيل . فإذا هو أشد رهبة من التهويل . . إذا هو مشهد حافل بكل مرضعة ذاهلة عما أرضعت تنظر ولا ترى ، وتتحرك ولا تعي . وبكل حامل تسقط حملها للهول المروع ينتابها . . وبالناس سكارى وما هم بسكارى ، يتبدى السكر في نظراتهم الذاهلة ، وفي خطواتهم المترنحة . . مشهد مزدحم بذلك الحشد المتماوج ، تكاد العين تبصره لحظة التلاوة ، بينما الخيال يتملاه . والهول الشاخص يذهله ، فلا يكاد يبلغ أقصاه . . وهو هول حي لا يقاس بالحجم والضخامة ، ولكن يقاس بوقعه في النفوس الآدمية : في المرضعات الذاهلات عما أرضعن - وما تذهل المرضعة عن طفلها وفي فمه ثديها إلا للهول الذي لا يدع بقية من وعي - والحوامل الملقيات حملهن ، وبالناس سكارى وما هم بسكارى : ( ولكن عذاب الله شديد ) . .
{ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت } تصوير لهولها والضمير لل{ زلزلة } ، و { يوم } منصوب ب { تذهل } ، وقرئ { تذهل } و { تذهل } مجهولا ومعروفا أي تذهلها الزلزلة ، والذهول الذهاب عن الأمر بدهشة ، والمقصود الدلالة على أن هولها بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه وذهلت عنه ، و { ما } موصولة أو مصدرية { وتضع كل ذات حمل حملها } جنينها . { وترى الناس سكارى } كأنهم سكارى . { وما هم بسكارى } على الحقيقة . { ولكن عذاب الله شديد } فأرهقهم هوله بحيث طير عقولهم وأذهب تمييزهم ، وقرئ { ترى } من أريتك قائما أو رؤيت قائما بنصب الناس ورفعه على أنه نائب مناب الفاعل ، وتأنيثه على تأويل الجماعة وإفراده بعد جمعه لأن الزلزلة يراها الجميع ، وأثر السكر إنما يراه كل أحد على غيره وقرأ حمزة والكسائي " سكرى " كعطشى إجراء للسكر مجرى العلل .
تذهَل : تسلو وتترك الشيء من الدهشة والخوف .
ففي ذلك اليوم يبلغ الأمر من الهول والدهشة أن تذهَل المرضعةُ عن ولدها فتتركه وتحاول أن تنجوَ بنفسها ، وتُسقط الحوامل ما في بطونها من الأجنة من الفزع . وترى الناسَ كأنهم سكارى مع أنهم ليسوا كذلك ، لكن شدة الموقف وعظمة الساعة وما فيها من أهوالٍ جعلتهم بهذا الحال ، { يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً } [ المزمل : 17 ] . إن الهول الذي يشاهدونه والخوفَ من عذاب الله الشديد هو الذي أفقدَهم توازنهم ، وجعلهم في حيرة مذهلة .
{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } مع أنها مجبولة على شدة محبتها لولدها ، خصوصا في هذه الحال ، التي لا يعيش إلا بها .
{ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } من شدة الفزع والهول ، { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } أي : تحسبهم -أيها الرائي لهم- سكارى من الخمر ، وليسوا سكارى .
{ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } فلذلك أذهب عقولهم ، وفرغ قلوبهم ، وملأها من الفزع ، وبلغت القلوب الحناجر ، وشخصت الأبصار ، وفي ذلك اليوم ، لا يجزي والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا .
ويومئذ { يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }
وهناك { يعض الظالم على يديه ، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } وتسود حينئذ وجوه وتبيض وجوه ، وتنصب الموازين ، التي يوزن بها مثاقيل الذر ، من الخير والشر ، وتنشر صحائف الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيات ، من صغير وكبير ، وينصب الصراط على متن جهنم ، وتزلف الجنة للمتقين ، وبرزت الجحيم للغاوين . { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا* وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا } ويقال لهم : { لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا } وإذا نادوا ربهم ليخرجهم منها ، قال : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } قد غضب عليهم الرب الرحيم ، وحضرهم العذاب الأليم ، وأيسوا من كل خير ، ووجدوا أعمالهم كلها ، لم يفقدوا منها نقيرا ولا قطميرا .
هذا ، والمتقون في روضات الجنات يحبرون ، وفي أنواع اللذات يتفكهون ، وفيما اشتهت أنفسهم خالدون ، فحقيق بالعاقل الذي يعرف أن كل هذا أمامه ، أن يعد له عدته ، وأن لا يلهيه الأمل ، فيترك العمل ، وأن تكون تقوى الله شعاره ، وخوفه دثاره ، ومحبة الله ، وذكره ، روح أعماله .
{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ( 2 ) }
يوم ترون قيام الساعة تنسى الوالدةُ رضيعَها الذي ألقمته ثديها ؛ لِمَا نزل بها من الكرب ، وتُسْقط الحامل حملها من الرعب ، وتغيب عقول للناس ، فهم كالسكارى من شدة الهول والفزع ، وليسوا بسكارى من الخمر ، ولكن شدة العذاب أفقدتهم عقولهم وإدراكهم .
قوله : ( يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ) ( يوم ) ، ظرف منصوب . بما بعده ( تذهل ) أي تذهل في ذلك اليوم ، و ( تذهل ) من الذهول وهو النسيان والغفلة{[3068]} ، أو هو الذهاب عن الأمر في دهشة . والمعنى : أن كل والدة ذات رضيع تنسى وتترك ولدها التي ألقمته ثديها . وقيل : ما ، مصدرية ؛ أي تذهل عن الإرضاع لفظاعة الزلزلة وشدة اندكاك الأرض من هولها . وكذلك تضع المرأة الحامل جنينها ليندلق ساقطا على الأرض من فداحة الخطب المريع وجلل الزلزلة التي تغشى القلوب والعقول والأبدان .
قوله : ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) أي ترى الناس يا محمد من عظيم ما نزل بهم من الكرب سكارى . وذلك من فرط ما غشيهم من الذعر والفزع . وهم ليسوا سكارى من شرب الخمر ( ولكن عذاب الله شديد ) وهذا تعليل لما سبق ذكره من ظواهر رهيبة تقع بين يدي الساعة ، ومنها ذهول النساء المرضعات عن أولادهن الرضع فيغفلن عنهم لانشداه عقولهن وقلوبهن . وكذلك الحوامل يضعن ما في بطونهن من فرط الخوف وشدة الصدمة ، والناس ؛ إذ ذاك مذعورون واجمون حائرون سكارى . وهم في الحقيقة ليسوا سكارى من الشراب بل من فظاعة ما يجدونه من الشدائد وهول ما ينزل بالبشرية من القوارع والبلايا . {[3069]}