في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} (36)

22

والعقيدة الإسلامية عقيدة الوضوح والاستقامة والنصاعة . فلا يقوم شيء فيها على الظن أو الوهم أو الشبهة :

( ولا تقف ما ليس لك به علم . إن السمع والبصر والفؤاد . . كل أولئك كان عنه مسؤولا ) . . .

وهذه الكلمات القليلة تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل ، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا جدا ، ويضيف إليه استقامة القلب ومراقبة الله ، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة !

فالتثبيت من كل خبر ومن كل ظاهرة ومن كل حركة قبل الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم ، ومنهج الإسلام الدقيق . ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة . ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل . ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم .

والأمانة العلمية التي يشيد بها الناس في العصر الحديث ليست سوى طرف من الأمانة العقلية القلبية التي يعلن القرآن تبعتها الكبرى ، ويجعل الإنسان مسؤولا عن سمعه وبصره وفؤاده ، أمام واهب السمع والبصر والفؤاد .

إنها أمانة الجوارح والحواس والعقل والقلب . أمانة يسأل عنها صاحبها ، وتسأل عنها الجوارح والحواس والعقل والقلب جميعا . أمانة يرتعش الوجدان لدقتها وجسامتها كلما نطق اللسان بكلمة ، وكلما روى الإنسان رواية ، وكلما أصدر حكما على شخص أو أمر أو حادثة .

( ولا تقف ما ليس لك به علم ) . . ولا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين ، وما لم تتثبت من صحته : من قول يقال ورواية تروى . من ظاهرة تفسر أو واقعة تعلل . ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية .

وفي الحديث " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " . وفي سنن أبي داود : " بئس مطية الرجل : زعموا " وفي الحديث الآخر : " إن أفرى الفري أن يري الرجل عينيه ما لم تريا " . .

وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على تقرير ذلك المنهج الكامل المتكامل الذي لا يأخذ العقل وحده بالتحرج في أحكامه ، والتثبت في استقرائه ؛ إنما يصل ذلك التحرج بالقلب في خواطره وتصوراته ، وفي مشاعره وأحكامه ، فلا يقول اللسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية ، ولا يحكم العقل حكما ولا يبرم الإنسان أمرا إلا وقد تثبت من كل جزئية ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة ، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة في صحتها . )إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )حقا وصدقا .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} (36)

ولما كان ذلك مما تشهد القلوب بحسنه ، وأضداده مما تتحقق النفوس قبحه ، لأن الله تعالى جبل الإنسان على ذلك كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " البر ما سكن إليه القلب واطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون وأفتوك " وقال : " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت " وكان قد جمع الضمائر سبحانه ، تلاه سبحانه بما يعمه وغيره فقال تعالى مفرداً الضمير ليصوب النهي إلى كل من الجمع والإفراد في حالتي الاجتماع والانفراد على حد سواء : { ولا } أي افعلوا ما أمرتم به من ذلك ، وانتهوا عما نهيتم عنه منه ، لما تقرر في الجبلات من العلم الضروري بخيريته وحسنه ، ولا { تقف } أي تتبع أيها الإنسان مجتهداً بتتبع الآثار { ما ليس لك به علم } من ذلك وغيره ، كل شيء بحسبه ، لا سيما البهت والقذف ، فما كان المطلوب فيه القطع لم يقنع فيه بدونه ، وما اكتفى فيه بالظن وقف عنده ؛ ثم علل ذلك مخوفاً بقوله : { إن السمع والبصر } وهما طريقا الإدراك { والفؤاد } الذي هو آلة الإدراك ؛ ثم هوّل الأمر بقوله تعالى : { كل أولئك } أي هذه الأشياء العظيمة ، العالية المنافع ، البديعة التكوين ، وأولاء وجميع أسماء الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقوله :

ذم المنازل بعد منزلة اللوى *** والعيش بعد أولئك الأيام

{ كان } أي بوعد لا خلف فيه { عنه } أي وحده { مسؤولاً * } بسؤال يخصه ، هل استعمله صاحبه في طلب العلم مجتهداً في ذلك ، ليعمل عند الوقوف على الحقائق بما يرضي الله ، ويجتنب ما يسخطه أو لا ؟ وأول حديث النفس السابح ثم الخاطر ثم الإرادة والعزيمة ، فيؤاخذ بالإرادة والعزيمة لدخولهما تحت الاختيار فيتعلق بهما التكليف ، ولعدم دخول الأولين خفف عنا بعدم المؤاخذة بهما ، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم " .