في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ} (273)

261

ثم يخص بالذكر مصرفا من مصارف الصدقة ؛ ويعرض صورة شفة عفة كريمة نبيلة ، لطائفة من المؤمنين . صورة تستجيش المشاعر ، وتحرك القلوب لإدراك نفوس أبية بالمدد فلا تهون ، وبالإسعاف فلا تضام ، وهي تأنف السؤال وتأبى الكلام :

( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ، لا يستطيعون ضربا في الأرض ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا . وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) . .

لقد كان هذا الوصف الموحي ينطبق على جماعة من المهاجرين ، تركوا وراءهم أموالهم وأهليهم ؛ وأقاموا في المدينة ووقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله ، وحراسة رسول الله [ ص ] كأهل الصفة الذين كانوا بالمسجد حرسا لبيوت الرسول [ ص ] لا يخلص إليها من دونهم عدو . وأحصروا في الجهاد لا يستطيعون ضربا في الأرض للتجارة والكسب . وهم مع هذا لا يسألون الناس شيئا . متجملون يحسبهم من يجهل حالهم أغنياء لتعففهم عن إظهار الحاجة ؛ ولا يفطن إلى حقيقة حالهم إلا ذوو الفراسة . .

ولكن النص عام ، ينطبق على سواهم في جميع الأزمان . ينطبق على الكرام المعوزين ، الذين تكتنفهم ظروف تمنعهم من الكسب قهرا ، وتمسك بهم كرامتهم أن يسألوا العون . إنهم يتجملون كي لا تظهر حاجتهم ؛ يحسبهم الجاهل بما وراء الظواهر أغنياء في تعففهم ، ولكن ذا الحس المرهف والبصيرة المفتوحة يدرك ما وراء التجمل . فالمشاعر النفسية تبدو على سيماهم وهم يدارونها في حياء . .

إنها صورة عميقة الإيحاء تلك التي يرسمها النص القصير لذلك النموذج الكريم . وهي صورة كاملة ترتسم على استحياء ! وكل جملة تكاد تكون لمسة ريشة ، ترسم الملامح والسمات ، وتشخص المشاعر والانفعالات . وما يكاد الإنسان يتم قراءتها حتى تبدو له تلك الوجوه وتلك الشخصيات كأنما يراها . وتلك طريقة القرآن في رسم النماذج الإنسانية ، حتى لتكاد تخطر نابضة حية !

هؤلاء الفقراء الكرام الذين يكتمون الحاجة كأنما يغطون العورة . . لن يكون إعطاؤهم إلا سرا وفي تلطف لا يخدش آباءهم ولا يجرح كرامتهم . . ومن ثم كان التعقيب موحيا بإخفاء الصدقة وإسرارها ، مطمئنا لأصحابها على علم الله بها وجزائه عليها :

( وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) . .

الله وحده الذي يعلم السر ولا يضيع عنده الخير . .

/خ274

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ} (273)

ولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ما مضى شاملاً للمؤمن وغيره بيّن أن محط القصد في الحثّ عليها المؤمن قال سبحانه وتعالى : { للفقراء } أي هذه الأحكام لهم { الذين أحصروا } أي منعوا عن التكسب ، وأشار بقوله : { في سبيل الله } أي الذي له الجلال والإكرام إلى أن المقعد لهم عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره { لا يستطيعون ضرباً في الأرض } بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم عن الله سبحانه وتعالى بعدم شكايتهم فقال : { يحسبهم الجاهل } أي الذي ليس عنده فطنة الخلص { أغنياء من } أجل { التعفف } عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى مولاهم ورضي عنه وشرف نفس ، والتعفف تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه - قاله الحرالي .

ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال : { تعرفهم } أي يا أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك { بسيماهم } قال الحرالي : وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى للمستبصر - انتهى . وتلك العلامة والله سبحانه وتعالى أعلم هي السكينة والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر والبطر والخيلاء ونحو ذلك { لا يسئلون } لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى الخالق { الناس } من ملك ولا غيره { إلحافاً } سؤال إلزام ، أخذاً من اللحاف الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه ، ومنه لاحفه أي لازمه . وقال الحرالي : هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى . وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض والتلويح الخفي ، كما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها ، والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلاً جداً أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما .

ولما ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك الموضع فقال : { وما تنفقوا من خير } أي في أي وقت أنفقتموه { فإن الله } أي المستجمع لصفات الكمال { به عليم * } وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك ، وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك .