( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق : إذ قربا قربانا ، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال : لأقتلنك . قال : إنما يتقبل الله من المتقين . لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ، إني أخاف الله رب العالمين : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ، وذلك جزاء الظالمين . فطوعت له نفسه قتل أخيه ، فقتله ، فأصبح من الخاسرين . فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ، ليريه كيف يواري سوأة أخيه . قال : يا ويلتى ! أعجزت أن أكون مثل هذا >الغراب ، فأواري سوأة أخي ؟ فأصبح من النادمين ) . . .
هذه القصة تقدم نموذجا لطبيعة الشر والعدوان ؛ ونموذجا كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له . كما تقدم نموذجا لطبيعة الخير والسماحة ؛ ونموذجا كذلك من الطيبة والوداعة . وتقفهما وجها لوجه ، كل منهما يتصرف وفق طبيعته . . وترسم الجريمة المنكرة التي يرتكبها الشر ، والعدوان الصارخ الذي يثير الضمير ؛ ويثير الشعور بالحاجة إلى شريعة نافذة بالقصاص العادل ، تكف النموذج الشرير المعتدي عن الاعتداء ، وتخوفه وتردعه بالتخويف عن الإقدام على الجريمة ؛ فإذا ارتكبها - على الرغم من ذلك - وجد الجزاء العادل ، المكافى ء للفعلة المنكرة . كما تصون النموذج الطيب الخير وتحفظ حرمة دمه . فمثل هذه النفوس يجب أن تعيش . وأن تصان ، وأن تأمن ؛ في ظل شريعة عادلة رادعة .
ولا يحدد السياق القرآني لا زمان ولا مكان ولا أسماء القصة . . وعلى الرغم من ورود بعض الآثار والروايات عن : " قابيل وهابيل " وأنهما هما ابنا آدم في هذه القصة ؛ وورود تفصيلات عن القضية بينهما ، والنزاع على أختين لهما . . فإننا نؤثر أن نستبقي القصة - كما وردت - مجملة بدون تحديد . لأن هذه الروايات كلها موضع شك في أنها مأخوذة عن أهل الكتاب - والقصة واردة في العهد القديم محددة فيها الأسماء والزمان والمكان على النحو الذي تذكره هذه الروايات - والحديث الوحيد الصحيح الوارد عن هذا النبأ لم يرد فيه تفصيل . وهو من رواية ابن مسعود قال : قال رسول الله [ ص ] : " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه كان أول من سن القتل " . . [ رواه الإمام أحمد في مسنده ] : حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا : حدثنا الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن مسعود . . وأخرجه الجماعة - سوى أبى داود - من طرق عن الأعمش . . وكل ما نستطيع أن نقوله هو أن الحادث وقع في فترة طفولة الإنسان ، وأنه كان أول حادث قتل عدواني متعمد ، وأن الفاعل لم يكن يعرف طريقة دفن الجثث . .
وبقاء القصة مجملة - كما وردت في سياقها القرآني - يؤدي الغرض من عرضها ؛ ويؤدي الإيحاءات كاملة ؛ ولا تضيف التفصيلات شيئا إلى هذه الأهداف الأساسية . . لذلك نقف نحن عند النص العام لا نخصصه ولا نفصله . .
( واتل عليهم نبأ ابني آدم - بالحق - إذ قربا قربانا ، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر . قال : لأقتلنك . قال : إنما يتقبل الله من المتقين ) . .
واتل عليهم نبأ هذين النموذجين من نماذج البشرية - بعدما تلوت من قصة بني إسرائيل مع موسى - اتله عليهم بالحق . فهو حق وصدق في روايته ، وهو ينبى ء عن حق في الفطرة البشرية ؛ وهو يحمل الحق في ضرورة الشريعة العادلة الرادعة .
إن ابني آدم هذين في موقف لا يثور فيه خاطر الاعتداء في نفس طيبة . فهما في موقف طاعة بين يدي الله . موقف تقديم قربان ، يتقربان به إلى الله :
( فتقبل من أحدهما ، ولم يتقبل من الآخر ) . .
والفعل مبني للمجهول ؛ ليشير بناؤه هكذا إلى أن أمر القبول أو عدمه موكول إلى قوة غيبية ؛ وإلى كيفية غيبية . . وهذه الصياغة تفيدنا أمرين : الأول ألا نبحث نحن عن كيفية هذا التقبل ولا نخوض فيه كما خاضت كتب التفسير في روايات نرجح إنها مأخوذة عن أساطير " العهد القديم " . . والثاني الإيحاء بأن الذي قبل قربانه لا جريره له توجب الحفيظة عليه وتبييت قتله ، فالأمر لم يكن له يد فيه ؛ وإنما تولته قوة غيبية بكيفية غيبية ؛ تعلو على إدراك كليهما وعلى مشيئته . . فما كان هناك مبرر ليحنق الأخ على أخيه ، وليجيش خاطر القتل في نفسه ! فخاطر القتل هو أبعد ما يرد على النفس المستقيمة في هذا المجال . . مجال العبادة والتقرب ، ومجال القدرة الغيبية الخفية التي لا دخل لإرادة أخيه في مجالها . .
وهكذا يبدو هذا القول - بهذا التأكيد المنبى ء عن الإصرار - نابيا مثيرا للاستنكار لأنه ينبعث من غير موجب ؛ اللهم إلا ذلك الشعور الخبيث المنكر . شعور الحسد الأعمى ؛ الذي لا يعمر نفسا طيبة . .
وهكذا نجدنا منذ اللحظة الأولى ضد الاعتداء : بإيحاء الآية التي لم تكمل من السياق . .
ولكن السياق يمضي يزيد هذا الاعتداء نكارة وبشاعة ؛ بتصوير استجابة النموذج الآخر ؛ ووداعته وطيبة قلبه :
( قال : إنما يتقبل الله من المتقين ) .
هكذا في براءة ترد الأمر إلى وضعه وأصله ؛ وفي إيمان يدرك أسباب القبول ؛ وفي توجيه رفيق للمعتدي أن يتقي الله ؛ وهداية له إلى الطريق الذي يؤدي إلى القبول ؛ وتعريض لطيف به لا يصرح بما يخدشه أو يستثيره . .
التلاوة : القراءة وغلبت على قراءة القرآن .
القربان : ما يُتقرّب به من الذبائح والصدقات .
في هذه الآية والتي تليها بيان بعض الأحكام التشريعية الأساسية في الحياة البشرية ، وهي التي تتعلق بحماية النفس والحياة ، والنظام العام ، والسلطة التي تقوم عليه ، في ظل شريعة الله . وقد بدأها سبحانه بقصة ابني آدم ، وهي قصةٌ تكشف عن طبيعة الجريمة وبواعثها في النفس البشرية .
اتلُ يا محمد ، على الناس ذلك النبأ العظيم ، وهو خبر ابنَي آدم : هابيل وقابيل . لقد قدّم كل واحد منهما قرباناً إلى الله . كان هابيل صاحبَ غنَم فقدّم أكرم غنمِه وأسمنها ( وهذا يمثّل طور البداوة والرعي ) . وكان قابيل صاحَب زرعٍ فقدم شرَّ ما عنده ( وهذا يمثل طور الزراعة والاستقرار ) . فتقبّل الله قربان هابيل ( الراعي ) ولم يتقبَّل قربان قابيل ( المزارع ) ، ( وكانت علامة القبول أن تأتَي نار وتحرقَ القربان المقبول ) . فحسد قابيلُ أخاه وتوعّده بالقتل حقداً عليه ، فرد عليه الأخير أن الله لا يتقبّل العمل إلا من الأتقياء المخلصين .
الأولى : وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود ، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه . المعنى : إن هم هؤلاء اليهود بالفتك بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء ، وقتل قابيل هابيل ، والشر قديم . أي ذكرهم هذه القصة فهي قصة صدق ، لا كالأحاديث الموضوعة ، وفي ذلك تبكيت لمن خالف الإسلام ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . واختلف في ابني آدم ، فقال الحسن البصري : ليسا لصلبه ، كانا رجلين من بني إسرائيل - ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة ، فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل . قال ابن عطية : وهذا وهم ، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب ؟ والصحيح أنهما ابناه لصلبه ، هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر وغيرهما ، وهما قابيل وهابيل ، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل - لأنه صاحب زرع - واختارها من أردأ زرعه ، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها . وكان قربان هابيل كبشا - لأنه كان صاحب غنم - أخذه من أجود غنمه . " فتقبل " فرفع إلى الجنة ، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح عليه السلام ، قاله سعيد بن جبير وغيره . فلما تقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمنا - قال له قابيل حسدا لأنه كان كافرا - أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني ! " لأقتلنك " وقيل : سبب هذا القربان أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى - إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل على ما يأتي ، واسمه هبة الله ؛ لأن جبريل عليه السلام قال لحواء لما ولدته : هذا هبة الله لك بدل هابيل . وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين{[5456]} ومئة سنة - وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر ، ولا تحل له أخته توأمته ، فولدت مع قابيل أختا جميلة واسمها إقليمياء ، ومع هابيل أختا ليست كذلك واسمها ليوذا ، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل : أنا أحق بأختي ، فأمره آدم فلم يأتمر ، وزجره فلم ينزجر ، فاتفقوا على التقريب ، قال جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود . وروي أن آدم حضر ذلك . والله أعلم . وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق : إن آدم لم يكن يزوج ابنته من ابنه ، ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا كان دين آدم إلا يكن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا فسماها عناقا فبغت ، وهي أول من بغى على وجه الأرض ، فسلط الله عليها من قتلها ، ثم ولدت لآدم قابيل ، ثم ولدت له هابيل ، فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجن ، يقال لها : جمالة في صورة إنسية ؛ وأوحى الله إلى آدم أن زوجها من قابيل فزوجها منه . فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورية{[5457]} في صفة إنسية وخلق لها رحما ، وكان اسمها بزلة ، فلما نظر إليها هابيل أحبها ، فأوحى الله إلى آدم أن زوج بزلة من هابيل ففعل . فقال قابيل : يا أبت ألست أكبر من أخي ؟ قال : نعم . قال : فكنت أحق بما فعلت به منه ، فقال له آدم : يا بني إن الله قد أمرني بذلك ، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، فقال : لا والله ، ولكنك آثرته علي . فقال آدم : " فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل " .
قلت : هذه القضية عن جعفر ما أظنها تصح ، وإن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن . والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " {[5458]} [ النساء : 1 ] . وهذا كالنص ثم نسخ ذلك ، حسبما تقدم بيانه في سورة " البقرة " {[5459]} . وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا ، أولهم قابيل وتوأمته إقليمياء ، وآخرهم عبد المغيث . ثم بارك الله في نسل آدم . قال ابن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا . وما روي عن جعفر - من قوله : فولدت بنتا وأنها بغت - فيقال : مع من بغت ؟ أمع جني تسول{[5460]} لها ! ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر ، وذلك معدوم . والله أعلم .
الثانية : وفي قول هابيل " قال إنما يتقبل الله من المتقين " كلام قبله محذوف ؛ لأنه لما قال له قابيل : " لأقتلنك " قال له : ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ؟ ، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني ، أما إني اتقيته وكنت على لاحب{[5461]} الحق وإنما يتقبل الله من المتقين . قال ابن عطية : المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة ، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة ، وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا{[5462]} من القبول والختم بالرحمة ، علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا . وقال عدي{[5463]} بن ثابت وغيره : قربان متقي هذه الأمة الصلاة .
قلت : وهذا خاص في نوع من العبادات . وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تبارك وتعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ) .