في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (111)

وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد . في الجب وفي بيت العزيز وفي السجن . وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس . . ثم كانت العاقبة خيرا للذين اتقوا - كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب - وقصة يوسف نموذج من قصص المرسلين . فيها عبرة لمن يعقل ، وفيها تصديق ما جاءت به الكتب المنزلة من قبل ، على غير صلة بين محمد وهذه الكتب . فما كان يمكن أن يكون ما جاء به حديثا مفترى . فالأكاذيب لا يصدق بعضها بعضا ولا تحقق هداية ، ولا يستروح فيها القلب المؤمن الروح والرحمة :

( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثا يفترى ، ولكن تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شيء ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) . .

ختام السورة:

وهكذا يتوافق المطلع والختام في السورة ، كما توافق المطلع والختام في القصة . وتجيء التعقيبات في أول القصة وآخرها ، وبين ثناياها ، متناسقة مع موضوع القصة ، وطريقة أدائها ، وعباراتها كذلك . فتحقق الهدف الديني كاملا ، وتحقق السمات الفنية كاملة ، مع صدق الرواية ، ومطابقة الواقع في الموضوع .

وقد بدأت القصة وانتهت في سورة واحدة ، لأن طبيعتها تستلزم هذا اللون من الأداء . فهي رؤيا تتحقق رويدا رويدا ، ويوما بعد يوم ، ومرحلة بعد مرحلة . فلا تتم العبرة بها - كما لا يتم التنسيق الفني فيها - إلا بأن يتابع السياق خطوات القصة ومراحلها حتى نهايتها . وإفراد حلقة واحدة منها في موضع لا يحقق شيئا من هذا كله كما يحققه إفراد بعض الحلقات في قصص الرسل الآخرين . كحلقة قصة سليمان مع بلقيس . أو حلقة قصة مولد مريم . أو حلقة قصة مولد عيسى . أو حلقة قصة نوح والطوفان . . . الخ فهذه الحلقات تفي بالغرض منها كاملا في مواضعها . أما قصة يوسف فتقتضي أن تتلى كلها متوالية حلقاتها ومشاهدها ، من بدئها إلى نهايتها وصدق الله العظيم :

( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن . وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (111)

عِبْرةٌ منها للملوك في بَسْطِ العدل كما بسط يوسفُ عليه السلام ، وتأمينهم أحوال الرعية كما فعل يوسف حين أَحسن إليهم ، وأعتقهم حين مَلَكَهم .

وعبرة في قصصهم لأرباب التقوى ؛ فإن يوسفَ لمَّا ترك هواه رقَّاه الله إلى ما رقَّاه .

وعبرةٌ لأهل الهوى فيما في اتباع الهي من شدة البلاء ، كامرأة العزيز لمَّا تبعت هواها لقيت الضرَّ والفقر .

وعبرةُ للمماليك في حضرة السادة ، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا مَلَكَ مُلْكَ العزيز ، وصارت زليخا امرأته حلالاً .

وعبرةٌ في العفو عند المقدرة ، كيوسف عليه السلام حين تجاوز عن إخوته .

وعبرةٌ في ثمرة الصبر ، فيعقوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوماً بلقاء يوسف عليه السلام .

1 تحرز منه : توقاه .

2 بياض في الأصل .

3 الحوب : الإثم والهلاك .

4 أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال 37257 ) ، وابن حجر في ( لسان الميزان 2/183 ) .

5 بياض في الأصل .

6 الحدق : ( ج ) الحدقة : السواد المستدير وسط العين . و ( في الطب ) : فتحة مستديرة ضيقة وسط قرينة العين .

7 انقد الثوب : انشق .

8 شجه : جرح وجهه أو رأسه .

9 بياض في الأًصل .

10 انظر الرسالة القشيرية ص 78-80 عند حديث القشيري عن التلوين والتمكين مركزا على رأي الدقاق .

11 السماك : السماكان : نجمان نيران . يقال لأحدهما السماك الرامح وللآخر السماك الأعزل . يقال : بلغ فلان السماك ؛ أي : بلغ رتبة عالية . ( اللسان 10/443 ) .

12 أضغاث أحلام : الرؤيا التي لا يصح تأويلها لاختلاطها . ( اللسان 2//163 ) .

13 انظر الرسالة القشيرية ص 254 -259 حدبث القشيري عن الغيرة .

14 سخنت العين سخنا : لم تقز ، فهي سخينة .

15 القرح : الجرح ( ج ) قروح . القدح : الطعن والذم .

16 تنصل فلان من ذنبه : تبزأ .

17 قال القشيري في رسالته موضحا هذا المعنى : واعلم أن الصبر على ضربين : صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظا ، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا ، وفي هذا المعنى أنشدوا :

تبين يوم البين أن اعتزامه *** على الصبر من إحدى الظنون الكواذب

وفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى يقول : أصبح يعقوب عليه السلام وقد وعد الصبر في نفسه ، فقال : ( فصبر جميل ) أي فشأني صبر جميل ، ثم لم يمس حتى قال : ( يا أسفا على يوسف ) . ( الرسالة القشيرية ص 188- 189 ) .

18 هنا القشيري يطبق فكرة القبض والبسط ( انظر الرسالة القشيرية ص 58- 60 ) .

19 البداهة : ما يفجأ من الأمر .

20 الأباطح : ( ج ) الأبطح : مسيل واسع فيه دقاق الحصى والتراب .

21 انظر الرسالة القشيرية ص 231 .