في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا} (97)

73

أما عاقبته فيرسمها في مشهد من مشاهد القيامة مخيف :

( ومن يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ، مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا . ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ، وقالوا : أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ? أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ? وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ، فأبى الظالمون إلا كفورا ) . .

ولقد جعل الله للهدى وللضلال سننا ، وترك الناس لهذه السنن يسيرون وفقها ، ويتعرضون لعواقبها . ومن هذه السنن أن الإنسان مهيأ للهدى وللضلال ، وفق ما يحاوله لنفسه من السير في طريق الهدى أو طريق الضلال . فالذي يستحق هداية الله بمحاولته واتجاهه يهديه الله ؛ وهذا هو المهتدي حقا ، لأنه اتبع هدى الله . والذين يستحقون الضلال بالإعراض عن دلائل الهدى وآياته لا يعصمهم أحد من عذاب الله : ( فلن تجد لهم أولياء من دونه ) ويحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة مزعجة : على وجوههم يتكفأون ( عميا وبكما وصما ) مطموسين محرومين من جوارحهم التي تهديهم في هذا الزحام . جزاء ما عطلوا هذه الجوارح في الدنيا عن إدراك دلائل الهدى . و ( مأواهم جهنم ) في النهاية ، لا تبرد ولا تفتر ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا} (97)

يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال ، فمن يهده ، فييسره لليسرى ويجنبه العسرى ، فهو المهتدي على الحقيقة ، ومن يضلله ، فيخذله ، ويكله إلى نفسه ، فلا هادي له من دون الله ، وليس له ولي ينصره من عذاب الله ، حين يحشرهم الله على وجوههم خزيًا عميًا وبكمًا ، لا يبصرون ولا ينطقون .

{ مَأْوَاهُمْ } أي : مقرهم ودارهم { جَهَنَّمُ } التي جمعت كل هم وغم وعذاب .

{ كُلَّمَا خَبَتْ } أي : تهيأت للانطفاء { زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } أي : سعرناها بهم لا يفتر عنهم العذاب ، ولا يقضى عليهم فيموتوا ، ولا يخفف عنهم من عذابها ، ولم يظلمهم الله تعالى ، بل جازاهم بما كفروا بآياته وأنكروا البعث الذي أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وعجزوا ربهم وأنكروا تمام قدرته .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا} (97)

قوله تعالى : { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } ذلك كلام مبتدأ من الله وفيه تسلية لرسول الله ( ص ) . والمعنى : أن المهتدي من أوتي سلامة الفطرة وحُسْن الاستعداد ؛ فإنه يهتدي بتوفيق الله للحق . وأما الضال : فهو ذو استعداد قبيح وطبيعة سيئة متلبسة بالزيغ والعوج ، فما يختار هذا إلا الكفر والعصيان والإدبار عن منهج الله وطاعته .

وهؤلاء الضالون الزائغون عن الحق ليس لهم من أحد يهديهم وهو قوله سبحانه : ( فلن تجد لهم أولياء من دونه ) أي لن يكون لهؤلاء الجاحدين أنصارا أو أعوانا ينقذونهم من الضلالة والخسران إن كان الله قد علم أنهم لا يبتغون إلا الضلال ، فأضلهم .

قوله : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ) ( على وجوههم ) ، في موضع نصب على الحال من المفعول ؛ أي كائنين مسحوبين على وجوههم . و ( عميا ) ، حال ثانية{[2751]} ، والبكم ، من البكم بالتحريك بمعنى الخرس . والبكم جمع أبكم وهو الأخرس ، أو الذي يولد ولا ينطق ولا يسمع ولا يبصر{[2752]} . يتوعد الله هؤلاء المشركين الجاحدين ويتهددهم بأهوال يوم القيامة حيث الدواهي والشدائد بدءا بعذاب القبر . ومرورا بالذعر والإياس والزحام والاصطلاء الشديد تحت الشمس . وفي وصف ذلك يقول سبحانه : ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ) أي يساقون بعد قيامهم من قبورهم إلى المحشر ؛ إذ يزحفون على وجوههم زحفا ، وهم عمي لا يرون ، وخرس لا ينطقون ، وصم لا يسمعون . فياله من منظر فظيع ، وصورة مريعة بئيسة تستبين من خلالها حال المجرمين الخاسرين يوم القيامة .

وفي حال الكافرين الخاسرين يوم القيامة وما يحيط بهم حينئذ من عظائم الأمور أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف مشاة ، وصنف ركبان ، وصنف على وجوههم " قيل : يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم ؟ قال : " إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " .

وأخرج أحمد والنسائي والترمذي عن معاوية بن حيدة قال : قال رسول الله ( ص ) : " إنكم تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم " . وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن أبي ذر قال : حدثني الصادق المصدوق ( ص ) : " إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج ، فوج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم " .

قوله : ( مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ) خبت النار تخبو ، أي سكن لهيبها أو طفئ . {[2753]} والمعنى : أن هؤلاء الجاحدين الناكبين عن منهج الله مستقرهم جهنم ، بلهيبها المتأجج المستعر . وهي ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) أي كلما سكن لهيبها بأن فنيت جلودهم وأبدانهم من الحريق ولم يبق منها ما تحرقه النار ، أعادهم الله على ما كانوا عليه ؛ لتتوقد بهم النار وتستعر{[2754]} .


[2751]:- الدر المصون جـ8 ص 414.
[2752]:- القاموس المحيط ص 1397.
[2753]:- الدر المصون جـ7 ص 415.
[2754]:- روح المعاني جـ8 ص 176.