في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (110)

93

بعدئذ يصف الأمة المسلمة لنفسها ! ليعرفها مكانها وقيمتها وحقيقتها ؛ ثم يصف لها أهل الكتاب - ولا يبخسهم قدرهم ، إنما يبين حقيقتهم ويطمعهم في ثواب الإيمان وخيره - ويطمئن المسلمين من جانب عدوهم . فهم لن يضروهم في كيدهم لهم وقتالهم ، ولن ينصروا عليهم . وللذين كفروا منهم عذاب النار في الآخرة ، لا ينفعهم فيه ما أنفقوا في الحياة الدنيا بلا إيمان ولا تقوى :

( كنتم خير أمة أخرجت للناس . تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم . منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون . لن يضروكم إلا أذى ، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا - إلا بحبل من الله وحبل من الناس - وباؤوا بغضب من الله ، وضربت عليهم المسكنة . ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ، ويقتلون الأنبياء بغير حق . ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . ليسوا سواء . من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات ، وأولئك من الصالحين . وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ، والله عليم بالمتقين . إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ، أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته . وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون . . )

إن شطر الآية الأولى في هذه المجموعة يضع على كاهل الجماعة المسلمة في الأرض واجبا ثقيلا ، بقدر ما يكرم هذه الجماعة ويرفع مقامها ، ويفردها بمكان خاص لا تبلغ إليه جماعة أخرى :

( كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله . )

إن التعبير بكلمة " أخرجت " المبني لغير الفاعل ، تعبير يلفت النظر . وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة ، تخرج هذه الأمة إخراجا ؛ وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله . . إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى ، لطيفة الدبيب . حركة تخرج على مسرح الوجود أمة . أمة ذات دور خاص . لها مقام خاص ، ولها حساب خاص :

( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) . .

وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ؛ لتعرف حقيقتها وقيمتها ، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ، ولتكون لها القيادة ، بما أنها هي خير أمة . والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض . ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية . إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها . وأن يكون لديها دائما ما تعطيه . ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح ، والتصور الصحيح ، والنظام الصحيح ، والخلق الصحيح ، والمعرفة الصحيحة ، والعلم الصحيح . . هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها ، وتحتمه عليها غاية وجودها . واجبها أن تكون في الطليعة دائما ، وفي مركز القيادة دائما . ولهذا المركز تبعاته ، فهو لا يؤخذ ادعاء ، ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له . . وهي بتصورها الاعتقادي ، وبنظامها الاجتماعي أهل له . فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي ، وبعمارتها للأرض - قياما بحق الخلافة - أهلا له كذلك . . ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير ؛ ويدفعها إلى السبق في كل مجال . . لو أنها تتبعه وتلتزم به ، وتدرك مقتضياته وتكاليفه .

وفي أول مقتضيات هذا المكان ، أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد . . وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فهي خير أمة أخرجت للناس . لا عن مجاملة أو محاباة ، ولا عن مصادفة أو جزاف - تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا - وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) . . كلا ! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر ، وإقامتها على المعروف ، مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر :

( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) . .

فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة ، بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب ، وبكل ما في طريقها من أشواك . . إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد . . وكل هذا متعب شاق ، ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ؛ ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة . .

ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر . فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي . فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل . ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر . يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال .

وهذا ما يحققه الإيمان ، بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه . وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون . . ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية . ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد . ومن سلطان الله في الضمائر ، وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك .

ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير ، الآمرون بالمعروف ، الناهون عن المنكر ، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ، ويحتملوا تكاليفه . وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها ، ويواجهون هبوط الأرواح ، وكلل العزائم ، وثقلة المطامع . . وزادهم هو الإيمان ، وعدتهم هي الإيمان . وسندهم هو الله . . وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد . وكل عدة سوى عدة الإيمان تفل ، وكل سند غير سند الله ينهار !

وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما هنا فقد وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها . ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية ، التي تعرف بها في المجتمع الإنساني . فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع الإيمان بالله - فهي موجودة وهي مسلمة . وأما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة ، وغير متحققة فيها صفة الإسلام .

وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة ، ندعها لمواضعها . وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول [ ص ] وتوجيهاته نقتطف بعضها :

عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم ، فلم ينتهوا ، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم ، فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم . . " ثم جلس - وكان متكئا - فقال : " لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا " أي تعطفوهم وتردوهم .

وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم " .

وعن عرس ابن عميرة الكندي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] : " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها " .

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] : " إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " . .

وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] : " سيد الشهداء حمزة . ورجل قام إلى سلطان جائر ، فأمره ونهاه ، فقتله " . .

وغيرها كثير . . وكلها تقرر أصالة هذه السمة في المجتمع المسلم ، وضروراتها لهذا المجتمع أيضا . وهي تحتوي مادة توجيه وتربية منهجية ضخمة . وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته .

ثم نعود إلى الشطر الآخر من الآية الأولى في هذه المجموعة . .

( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم . منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) . .

وهو ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان . فهو خير لهم . خير لهم في هذه الدنيا ، يستعصمون به من الفرقة والهلهلة التي كانوا عليها في تصوراتهم الاعتقادية ، والتي ما تزال تحرمهم تجمع الشخصية . إذ تعجز هذه التصورات عن أن تكون قاعدة للنظام الاجتماعي لحياتهم ، فتقوم أنظمتهم الاجتماعية - من ثم - على غير أساس ، عرجاء أو معلقة في الهواء ككل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس اعتقادي شامل ، وعلى تفسير كامل للوجود ، ولغاية الوجود الإنساني ، ومقام الإنسان في هذا الكون . . وخير لهم في الآخرة يقيهم ما ينتظر غير المؤمنين من مصير .

ثم هو بيان كذلك لحالهم ، لا يبخس الصالحين منهم حقهم :

( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) . .

وقد آمن من أهل الكتاب جماعة وحسن إسلامهم . منهم عبد الله بن سلام ، وأسد بن عبيد ، وثعلبة بن شعبة ، وكعب بن مالك . . وإلى هؤلاء تشير الآية هنا بالإجمال - وفي آية تالية بالتفصيل - أما الأكثرون فقد فسقوا عن دين الله ، حين لم يفوا بميثاق الله مع النبيين : أن يؤمن كل منهم بأخيه الذي يجيء بعده ، وأن ينصره . وفسقوا عن دين الله وهم يأبون الاستسلام لإرادته في إرسال آخر الرسل من غير بني إسرائيل ، واتباع هذا الرسول وطاعته ولاحتكام إلى آخر شريعة من عند الله ، أرادها للناس أجمعين .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (110)

{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }

يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس ، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به ، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم ، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس ، لما كانت الآية السابقة وهي قوله : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } أمرا منه تعالى لهذه الأمة ، والأمر قد يمتثله المأمور ويقوم به ، وقد لا يقوم به ، أخبر في هذه الآية أن الأمة قد قامت بما أمرها الله بالقيام به ، وامتثلت أمر ربها واستحقت الفضل على سائر الأمم { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } وفي هذا من دعوته بلطف الخطاب ما يدعوهم إلى الإيمان ، ولكن لم يؤمن منهم إلا قليل ، وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله المعادون لأولياء الله بأنواع العداوة ،

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (110)

ولما كان من رجوع{[18573]} الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمعنوا{[18574]} في رضاه{[18575]} حمداً وشكراً و{[18576]}مؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم{[18577]} ليزدادوا حيرة{[18578]} وسكراً{[18579]} : { كنتم خير أمة } أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً . ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال : { أخرجت للناس } ثم بين وجه الخيرية{[18580]} بما لم يحصل مجموعه لغيرهم على ما هم{[18581]} عليه من المكنة بقوله : { تأمرون } أي على سبيل التجدد والاستمرار { بالمعروف } أي كل ما عرفه الشرع وأجازه { وتنهون عن المنكر } وهو ما خالف ذلك ، ولو وصل الأمر إلى القتال ، مبشراً لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون{[18582]} ما أمرهم به من {[18583]}الأمر بالمعروف{[18584]} والنهي عن المنكر في قوله : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } إراحة لهم من كلفة النظر في {[18585]}أنهم هل يمتثلون{[18586]} فيفلحوا ، وإزاحة{[18587]} لحملهم{[18588]} أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا{[18589]} ويربحوا ، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب ، وللترمذي - وقال : حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي{[18590]} صلى الله عليه يقول في هذه الآية : " أنتم تتمون{[18591]} سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى " وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " أنتم خير الناس للناس{[18592]} ، تأتون{[18593]} بهم في{[18594]} السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا{[18595]} في الإسلام{[18596]} " .

ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً ، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير فقال{[18597]} { وتؤمنون } أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون{[18598]} { بالله } أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته ، وارتدت {[18599]}نوافذ أبصار{[18600]} البصائر خاسئة{[18601]} عن حصر صفاته ، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً ، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه ؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً ، لأن الكون المذكور{[18602]} لا يحصل إلا بجميع{[18603]} ما ذكر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم ، وقد صدق{[18604]} الله ومن أصدق من الله حديثاً !

قاال الإمام أبو عمر يوسف بن{[18605]} عبد البر النمري{[18606]} في خطبة كتاب الاستيعاب : روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول : لما دخل{[18607]} أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال : ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير{[18608]} وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً{[18609]} من هؤلاء - انتهى .

ولما كان من المعلوم أن التقدير : وذلك خير لكم ، عطف عليه قوله : { ولو آمن أهل الكتاب } أي أوقعوا{[18610]} الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره ، ولم يفرقوا{[18611]} بين شيء من ذلك { لكان } أي الإيمان { خيراً لهم } إشارة إلى تسفيه{[18612]} أحلامهم{[18613]} في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض{[18614]} القليل الفاني والرئاسة التافهة ، وتركهم{[18615]} الغنى الدائم والعز الباهر الثابت .

ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً : { منهم المؤمنون } أي الثابتون في الإيمان ، ولكنهم قليل { وأكثرهم الفاسقون * } أي{[18616]} الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم .


[18573]:في ظ: مجموع.
[18574]:من ظ ومد، وفي الأًصل: ليتمنوا.
[18575]:في ظ: رضاها.
[18576]:سقطت الواو من ظ.
[18577]:زيد بعده في الأصل "من يشاء قال مادحا لهذه الأمة" ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18578]:في ظ: حيلة.
[18579]:في ظ: شكرا.
[18580]:من ظ ومد، وفي الأًصل: الخيرية.
[18581]:في ظ ومد: هو.
[18582]:من ظ ومد، وفي الأًصل: سيعلبون ـ كذا.
[18583]:في ظ: المعروف.
[18584]:في ظ: المعروف.
[18585]:في ظ "و" .
[18586]:من ظ ومد، وفي الأًصل: ممتثلون.
[18587]:من مد، وفي الأصل وظ: إراحة.
[18588]:من ظ ومد، وفي الأًصل: كلهم.
[18589]:في ظ: ليفوا ـ كذا.
[18590]:في ظ: رسول الله.
[18591]:في ظ: فسمون ـ كذا.
[18592]:سقط من ظ.
[18593]:في ظ: يانون.
[18594]:في ظ "و".
[18595]:في ظ: يدخلون.
[18596]:ولفظ البخاري في صحيحه 2/654 " قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
[18597]:زيد من ظ ومد.
[18598]:سقط من ظ.
[18599]:في ظ: نوافر الأبصار.
[18600]:في ظ: نوافر الأبصار.
[18601]:في ظ: خلسه.
[18602]:في ظ: بالمذكور.
[18603]:من ظ ومد، وفي الأًصل: بمجموع و.
[18604]:من ظ ومد، وفي الأًصل: أصدق.
[18605]:زيد من ظ ومد.
[18606]:من ظ ومد، وفي الأًصل: التموي ـ راجع المشتبه ص 117.
[18607]:زيد بعده في الأصل: على، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18608]:في الأصل: بالمباشير، وفي ظ: المناشير، وفي مد: بالمياشير.
[18609]:في ظ: اجتهاد.
[18610]:في ظ: أوفقو.
[18611]:في ظ: لم يتغرقوا.
[18612]:من ظ ومد، وفي الأًصل: شقية.
[18613]:في ظ: أخلاقهم.
[18614]:في ظ: العوض.
[18615]:في ظ: وتركتم.
[18616]:سقط من ظ.