في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (154)

121

ولقد أعقب هول الهزيمة وذعرها ، وهرجها ومرجها ، سكون عجيب . سكون في نفوس المؤمنين الذين ثابوا إلى ربهم ، وثابوا إلى نبيهم . لقد شملهم نعاس لطيف يستسلمون إليه مطمئنين !

والتعبير عن هذه الظاهرة العجيبة يشف ويرق وينعم ، حتى ليصور بجرسه وظله ذلك الجو المطمئن الوديع :

( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) . .

وهي ظاهرة عجيبة تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين ؛ فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين ، ولو لحظة واحدة ، يفعل في كيانهم فعل السحر ، ويردهم خلقا جديدا ، ويسكب في قلوبهم الطمأنينة ، كما يسكب في كيانهم الراحة . بطريقة مجهولة الكنه والكيف ! أقول هذا وقد جربته في لحظة كرب وشدة . فأحسست فيه رحمة الله الندية العميقة بصورة تعجز عن وصفها العبارة البشرية القاصرة !

روى الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد ابن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال : " رفعت رأسي يوم أحد ، وجعلت أنظر ، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت جحفته من النعاس " .

وفي رواية أخرى عن أبي طلحة : " غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه " . .

أما الطائفة الأخرى ؛ فهم ذوو الإيمان المزعزع ، الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم ، والذين لم يتخلصوا من تصورات الجاهلية ، ولم يسلموا أنفسهم كلها لله خالصة ، ولم يستسلموا بكليتهم لقدره ، ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص ، وليس تخليا من الله عن أوليائه لأعدائه ، ولا قضاء منه - سبحانه - للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل :

( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية . يقولون : هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) . .

أن هذه العقيدة تعلم أصحابها - فيما تعلم - أن ليس لهم في أنفسهم شيء ، فهم كلهم لله ؛ وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له ، ويتحركون له ، ويقاتلون له ، بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد ، وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره ، فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم ، كائنا هذا القدر ما يكون .

فأما الذين تهمهم أنفسهم ، وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم ، ومحور اهتمامهم وانشغالهم . . فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان . ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا الموضع . طائفة الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم ، فهم في قلق وفي أرجحة ، يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم ، ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعا ولا إرادة لهم فيها ؛ وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير ، ويؤدون الثمن فادحا من القتل والقرح والألم . . وهم لا يعرفون الله على حقيقته ، فهم يظنون بالله غير الحق ، كما تظن الجاهلية . ومن الظن غير الحق بالله أن يتصوروا أنه - سبحانه - مضيعهم في هذه المعركة ، التي ليس لهم من أمرها شيء ، وإنما دفعوا إليها دفعا ليموتوا ويجرحوا ، والله لا ينصرهم ولا ينقذهم ؛ إنما يدعهم فريسة لأعدائهم ، ويتساءلون :

( هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) .

وتتضمن قولتهم هذه الاعتراض على خطة القيادة والمعركة . . ولعلهم ممن كان رأيهم عدم الخروج من المدينة ؛ ممن لم يرجعوا مع عبد الله بن أبي . . ولكن قلوبهم لم تكن قد استقرت واطمأنت . .

وقبل أن يكمل السياق عرض وساوسهم وظنونهم ، يبادر بتصحيح الأمر وتقرير الحقيقة فيما يتساءلون فيه ، ويرد على قولتهم : ( هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) .

( قل : إن الأمر كله لله ) . .

فلا أمر لأحد . لا لهم ولا لغيرهم . ومن قبل قال الله لنبيه [ ص ] ( ليس لك من الأمر شيء ) . فأمر هذا الدين ، والجهاد لإقامته وتقرير نظامه في الأرض ، وهداية القلوب له . . كلها من أمر الله ، وليس للبشر فيها من شيء ، إلا أن يؤدوا واجبهم ، ويفوا ببيعتهم ، ثم يكون ما يشاؤه الله كيف يكون !

ويكشف كذلك خبيئة نفوسهم قبل أن يكمل عرض وساوسهم وظنونهم :

( يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ) . .

فنفوسهم ملأى بالوساوس والهواجس ، حافلة بالاعتراضات والاحتجاجات ؛ وسؤالهم : ( هل لنا من الأمر من شيء ) . . يخفي وراءه شعورهم بأنهم دفعوا إلى مصير لم يختاروه ! وأنهم ضحية سوء القيادة ، وأنهم لو كانوا هم الذين يديرون المعركة ما لاقوا هذا المصير .

( يقولون : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ) . .

وهو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة ، حينما تصطدم في موقعة بالهزيمة ، وحينما تعاني آلام الهزيمة ! حين ترى الثمن أفدح مما كانت تظن ؛ وأن الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع ؛ وحين تفتش في ضمائرها فلا ترى الأمر واضحا ولا مستقرا ؛ وحين تتخيل أن تصرف القيادة هو الذي القى بها في هذه المهلكة ، وكانت في نجوة من الأمر لو كان أمرها في يدها ! وهي لا يمكن - بهذا الغبش في التصور - أن ترى يد الله وراء الأحداث ، ولا حكمته في الابتلاء . إنما المسألة كلها - في اعتبارها - خسارة في خسارة ! وضياع في ضياع !

هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله . لأمر الحياة والموت . ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء :

( قل : لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . وليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ، والله عليم بذات الصدور )

قل لو كنتم في بيوتكم ؛ ولم تخرجوا للمعركة تلبية لنداء القيادة ، وكان أمركم كله لتقديركم . . لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . . إن هنالك أجلا مكتوبا لا يستقدم ولا يستأخر . وإن هنالك مضجعا مقسوما لا بد أن يجيء إليه صاحبه فيضجع فيه ! فإذا حم الأجل ، سعى صاحبه بقدميه إليه ، وجاء إلى مضجعه برجليه ، لا يسوقه أحد إلى أجله المرسوم ، ولا يدفعه أحد إلى مضجعه المقسوم !

ويا للتعبير العجيب . . " إلى مضاجعهم " . . فهو مضجع إذن ذلك الرمس الذي تستريح فيه الجنوب ، وتسكن فيه الخطى ، وينتهي إليه الضاربون في الأرض . . مضجع يأتون إليه بدافع خفي لا يدركونه ولا يملكونه ، إنما هو يدركهم ويملكهم ؛ ويتصرف في أمرهم كما يشاء . والاستسلام له أروح للقلب ، وأهدأ للنفس ، وأريح للضمير !

إنه قدر الله . ووراءه حكمته :

( وليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ) . .

فليس كالمحنة محك يكشف ما في الصدور ، ويصهر ما في القلوب ، فينفي عنها الزيف والرياء ، ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء . . فهو الابتلاء والاختبار لما في الصدور ، ليظهر على حقيقته ، وهو التطهير والتصفية للقلوب ، فلا يبقى فيها دخل ولا زيف . وهو التصحيح والتجلية للتصور ؛ فلا يبقى فيه غبش ولا خلل :

( والله عليم بذات الصدور ) .

وذات الصدور هي الأسرار الخفية الملازمة للصدور ، المختبئة فيها ، المصاحبة لها ، التي لا تبارحها ولا تتكشف في النور ! والله عليم بذات الصدور هذه . ولكنه - سبحانه - يريد أن يكشفها للناس ، ويكشفها لأصحابها أنفسهم ، فقد لا يعلمونها من أنفسهم ، حتى تنفضها الأحداث وتكشفها لهم !

/خ179

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (154)

154- { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم . . } الآية .

المفردات :

أمنة : أمنا وسلاما .

يغشى : يغطي .

أهمتهم أنفسهم : شغلهم الاهتمام بها .

لبرز : لخرج ولظهر .

مضاجعهم : المراد بها مصارعهم في أرض الموقعة .

ولبتلي : ليختبر وهو العليم .

وليمحص ما في قلوبكم : وليطهرها من الشبهات وينقيها .

الأمنة بفتحتين مصدر كالأمن يقال أمن أمنا وأمانا وأمنة والنعاس هو الفتور في أول النوم .

المعنى الإجمالي :

ثم أسبغ الله عليكم بعد الغم نعمة الأمن وكان مظهرها نعاسا يغشى فريق الصادقين في إيمانهم وتفويضهم لله أما الطائفة الأخرى فقد كان همهم أنفسهم لا يعنون إلا بها ، ولذلك ظنوا بالله الظنون الباطلة كظن الجاهلية ويقولون مستنكرين : هل كان لنا من أمر النصر الذي وعدنا به شيء ؟ قل أيها النبي الأمر كله في النصر والهزيمة لله يصرف الأمر في عباده إن اتخذوا أسباب النصر أو وقعوا في أسباب الهزيمة وهم إذ يقولون ذلك يخفون في أنفسهم أمرا لا يبدونه إذ يقولون في أنفسهم لو كان لنا اختيار لم نخرج فلم نغلب قل لهم : لو كنتم في منازلكم وفيكم من كتب عليهم القتل لخرجوا إلى مصارعهم فقتلوا وقد فعل الله ما فعل في أحد لمصالح جمة وليختبر ما في سرائركم من الإخلاص وليطهر قلوبكم والله يعلم ما في قلوبكم من الخفايا علما بليغا .

النوم في المعركة :

عندما اشتد خوف المسلمين في غزوة بدر أرسل الله عليهم النوم فهدأت أعصابهم واطمأنت نفوسهم واشتد يقينهم برعاية الله لهم ثم أنزل الله المطر في غزوة بدر فكان نعمة على المؤمنين حيث ثبتت الأرض من تحتهم وتطهروا وكان المطر وبالا على المشركين قال تعالى :

{ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ( الأنفال 11 ) .

وكان النوم في غزوة بدر في ليلة المعركة قبل أن تبدأ .

اما في غزوة أحد فالراجح أنه كان في أعقاب المعركة بعد ان انتهت وأصاب المؤمنين فيها جراح وآلام فأرسل الله عليهم النوم فهدأ روعهم واستعدوا لملاحقة المشركين في غزوة حمراء الأسد ولما علم المشركون بذلك اسرعوا بالعودة إلى مكة .

قال الإمام محمد عبده :

اختلف المفسرون في وقت هذا النعاس ، فقال بعضهم : إن ذلك كان في أثناء المعركة وإن الرجل كان ينام تحت ترسه كأنه آمن من كل خوف وفزع إلا المنافقين فإنهم أهمتهم أنفسهم فاشتد جزعهم وحمل بعضهم هذه الآية على آية الأنفال إذ يغشيكم النعاس أمنة منه . وإنما هذه في غزوة بدر وقد مضت السنة في الخلق بأن من يتوقع في صبيحة ليلتة هولا كبيرا ومصابا عظيما فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه ويبيت بليلة الملسوع فيصبح خاملا ضعيفا ، وقد كان المؤمنون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك إذ بلغهم أن جيشا يزيد على ثلاثة أضعاف جيشهم سيحاربهم غدا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد يضربون أخماسا في أسداس ويفكرون بما سيلاقون في غدهم من الشدة والبأس ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها .

وأما النعاس يوم أحد فقد قيل : إنه كان في أثناء الحرب وقيل إنه كان بعدها وقد اتفق المفسرون وأهل السير على أن المؤمنين قد أصابهم يوم أحد شيء من الضعف والوهن لما أصابهم يوم أحد من الفشل والعصيان وقتل طائفة من كبارهم وشجعانهم فكانوا بعد انتهاء المعركة قسمين :

أقوياء الإيمان : الذين حزنوا وتألموا من التقصير في أسباب النصر ، فأرسل الله عليهم النعاس ، راحة لأجسامهم وبلسما لجراحهم ، وما من أمة إلا وفيها الأقوياء والضعفاء .

و ضعفاء الإيمان : اشتد هلعهم ويئسوا من النصر وسلب الله عنهم عنايته فلم يرسل عليهم النوم بل شغلهم بأنفسهم فذلك قوله تعالى : { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية فهذه الطائفة من المؤمنين الضعفاء ولا حاجة إلى جعلها من المنافقين كما قيل 120 .

وقيل السيد رشيد رضا :

هذا وإن جمهور المفسرين قد جروا على خلاف ما اختاره الأستاذ الإمام في هذه الطائفة فقالوا : إن المراد بها المنافقون منهم الذين كانت تهمهم أنفسهم إذ كان هم المؤمنين محصورا فيما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم وما وقع لبعضهم من التقصير وكان في غشيان النعاس ونزول الأمنة على المؤمنين من دونهم معجزة ظاهرة 121 .

وتحرير الكلام في هذه المسألة أن الله تعالى بين لنا في كتابه ثلاث حقائق :

( الحقيقة الأولى ) أنه تعالى هو خالق كل شيء والذي بيده ملكوت كل شيء وبمشيئته يجري كل شيء فلا قاهر له على شيء وهو القاهر فوق كل شيء .

( الحقيقة الثانية ) أن خلقه وتدبيره غنما يجري بحسب مشيئته .

وحكمته على سنن مطردة ومقادير معلومة قال تعالى : قد خلت من قبلكم سنن .

( الحقيقة الثالثة ) أن من جملة سننه في خلقه وقدره في تدبير عباده ان الإنسان خلق ذا علم ومشيئة وإرادة وقدرة ، فيعمل بقدرته وإرادته ما يرى بحسب ما وصل إليه علمه وشعوره أنه خير له ، والآيات الناطقة بأن الإنسان يعمل وبعلمه تناط سعادته وشقاوته في الدنيا والآخرة كثيرة جدا .

و إننا نرى الكتاب العزيز يذكر بعض هذه الحقائق الثلاث في بعض الآيات ويسكت عن الأخرى لأن المقام يقتضي ذلك ولكل مقام مقال ولكنه ينكر على من يجحد شيئا منها ويبين للناس خطأه .

وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها تشير إلى بعض هذه الحقائق في قوله تعالى : قل إن الأمر كله لله 122 .

أي بيده مقاليد الأشياء يقدر ويدبر كيف يشاء وقد قضى بأن يخرج المسلمون في أحد وأن ينهزموا لحكم يعلمها سبحانه وليستفيدوا من دروس الهزيمة فلا يفعلوا ما يؤدي إلى مثلها .

لقد كانت غزوة أحد ابتلاء وامتحانا تميز به طوائف الناس أمام هذا النوع من البلاء .

فمنهم أقوياء الإيمان وضعفاء الإيمان والمنافقين .

قال الله تعالى : { وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور } .

أي نزل بكم ما نزل من الشدائد في أحد لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن وليعاملكم سبحانه معاملة المختبر لنفوسكم فيظهر ما تنطوي عليه من خير أو شر حتى يتبين الخبيث من الطيب وليخلص ما في قلوبكم من المحن والأدران فإن القلوب يعتريها بحكم العادة أدران وأمراض من الغفلة وحب الشهوة فاقتضت حكمة الله تعالى أن ينزل بها من المحن والبلاء ما يكون بالنسبة لها كالدواء لمن عرض له داء .

والله عليم بذات الصدور . أي عليم بأسرارها وضمائرها الخفية التي لا تفارقها قال تعالى : { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ( آل عمران 5 ) . وقال سبحانه { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ( طه 7 ) .

ومع معرفته سبحانه بكل شيء وإحاطة علمه بالظاهر والباطن فقد اقتضت حكمته أن يمتحن عباده وأن يختبرهم ليظهر الخبيث من الطيب ويتبين المؤمن من المنافق وتظهر الخفايا المستكنة واضحة ظاهرة في سلوك الناس وتصرفاتهم ثم يكون الجزاء من جنس العمل { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } ( آل عمران 142 ) .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (154)

{ أمنة نعاسا } قال ابن مسعود : نعسنا يوم أحد ، والنعاس في الحرب أمان من الله .

{ يغشى طائفة منكم } هم المؤمنون المخلصون ، غشيهم النعاس تأمينا لهم .

{ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } هم المنافقون كانوا خائفين من أن يرجع إليهم أبو سفيان ، والمشركون .

{ غير الحق } معناه يظنون أن الإسلام ليس بحق ، وأن الله لا ينصرهم ، وظن الجاهلية بدل وهو على حذف الموصوف تقديره ظن المودة الجاهلية ، أو الفرقة الجاهلية .

{ هل لنا من الأمر من شيء } قالها : عبد الله بن أبي ابن سلول ، والمعنى ليس لنا رأي ، ولا يسمع قولنا أو لسنا على شيء من الأمر الحق ، فيكون قولهم على هذا كفرا .

{ يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك } يحتمل أن يريد الأقوال التي قالوها أو الكفر .

{ لو كان لنا من الأمر شيء } قاله : معشب بن قشير ويحتمل من المعنى ما احتمل قول عبد الله بن أبي .

{ قل لو كنتم في بيوتكم } الآية : رد عليهم وإعلام بأن أجل كل إنسان إنما هو واحد ، وأن من لم يقتل يموت لأجله ، ولا يؤخر ، وأن من كتب عليه القتل لا ينجيه منه شيء { وليبتلي } يتعلق بفعل تقديره فعل بكم ذلك ليبتلي .