ثم يمضي السياق في مجال التحريم والتحليل ، يتحدث عن الصيد في حالة الإحرام ، وكفارة قتله ، وعن حكمة الله في تحريم البيت والأشهر الحرم والهدى والقلائد ، التي نهى عن المساس بها في مطالع السورة . . ثم يختم هذه الفقرة بوضع ميزان القيم للنفس المسلمة وللمجتمع المسلم . . الميزان الذي يرجح فيه الطيب وإن قل ، على الكثير والخبيث :
يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ؛ ليعلم الله من يخافه بالغيب ؛ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم . يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ؛ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ، يحكم به ذوا عدل منكم ؛ هديا بالغ الكعبة ، أو كفارة طعام مساكين ، أو عدل ذلك صياما ، ليذوق وبال أمره ، عفا الله عما سلف ، ومن عاد فينتقم الله منه ؛ والله عزيز ذو انتقام . أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ، واتقوا الله الذي إليه تحشرون . جعل الله الكعبة البيت الحرام ، قياما للناس ، والشهر الحرام والهدي والقلائد . ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وأن الله بكل شيء عليم . اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم . ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون . قل : لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ، فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون :
لقد قال تعالى للذين آمنوا في أول هذه السوره :
( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ، أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ، غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد . يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا . وإذا حللتم فاصطادوا . . ) .
وكان هذا النهي عن إحلال الصيد وهم حرم ؛ وعن إحلال شعائر الله ، أو الشهر الحرام أو الهدي والقلائد ، أو قاصدى البيت الحرام ، لا يرتب عقوبة في الدنيا على المخالف ، إنما يلحقه الإثم . . فالآن يبين العقوبة وهي الكفارة ( ليذوق وبال أمره ) ويعلن العفو عما سلف من إحلال هذه المحارم ؛ ويهدد بانتقام الله ممن يعود بعد هذا البيان .
وتبدأ هذه الفقرة كما تبدأ كل فقرات هذا القطاع بالنداء المألوف ( يا أيها الذين آمنوا . . ثم يخبرهم أنهم مقدمون على امتحان من الله وابتلاء ؛ في أمر الصيد الذي نهوا عنه وهم محرمون : ( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ، ليعلم الله من يخافه بالغيب ، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) . .
إنه صيد سهل ، يسوقه الله إليهم . صيد تناله أيديهم من قريب ، وتناله رماحهم بلا مشقة . ولقد حكي أن الله ساق لهم هذا الصيد حتى لكان يطوف بخيامهم ومنازلهم من قريب ! . . إنه الإغراء الذي يكون فيه الابتلاء . . إنه ذات الإغراء الذي عجزت بنو إسرائيل من قبل عن الصمود له ، حين ألحوا على نبيهم موسى - عليه السلام - أن يجعل الله لهم يوما للراحة والصلاة لا يشتغلون فيه بشيء من شئون المعاش . فجعل لهم السبت . ثم ساق إليهم صيد البحر يجيئهم قاصدا الشاطى ء متعرضا لأنظارهم في يوم السبت . فإذا لم يكن السبت اختفى ، شأن السمك في الماء . فلم يطيقوا الوفاء بعهودهم مع الله ؛ وراحوا - في جبلة اليهود المعروفة - يحتالون على الله فيحوطون على السمك يوم السبت ولا يصيدونه ؛ حتى إذا كان الصباح التالي عادوا فأمسكوه من التحويطة ! وذلك الذي وجه الله - سبحانه - رسوله [ ص ] لأن يواجههم ويفضحهم به في قوله تعالى : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ، إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم . كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون )
هذا الابتلاء بعينه ابتلى به الله الأمة المسلمة ، فنجحت حيث أخفقت يهود . . وكان هذا مصداق قول الله سبحانه في هذه الأمة : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم . منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) . .
ولقد نجحت هذه الأمة في مواطن كثيرة حيث أخفق بنو إسرائيل . ومن ثم نزع الله الخلافة في الأرض من بني إسرائيل وائتمن عليها هذه الأمة . ومكن لها في الأرض ما لم يمكن لأمة قبلها . إذ أن منهج الله لم يتمثل تمثلا كاملا في نظام واقعي يحكم الحياة كلها كما تمثل في خلافة الأمة المسلمة . . ذلك يوم أن كانت مسلمة . يوم أن كانت تعلم أن الإسلام هو أن يتمثل دين الله وشريعته في حياة البشر . وتعلم أنها هي المؤتمنة على هذه الأمانة الضخمة ؛ وأنها هي الوصية على البشرية لتقيم فيها منهج الله ، وتقوم عليه بأمانة الله .
ولقد كان هذا الاختبار بالصيد السهل في أثناء فترة الإحرام أحد الاختبارات التي اجتازتها هذه الأمة بنجاح . وكانت عناية الله - سبحانه - بتربية هذه الأمة بمثل هذه الاختبارات من مظاهر رعايته واصطفائه .
ولقد كشف الله للذين آمنوا في هذا الحادث عن حكمة الابتلاء :
( ليعلم الله من يخافه بالغيب ) . .
إن مخافة الله بالغيب هي قاعدة هذه العقيدة في ضمير المسلم . القاعدة الصلبة التي يقوم عليها بناء العقيدة ، وبناء السلوك ، وتناط بها أمانة الخلافة في الأرض بمنهج الله القويم . .
إن الناس لا يرون الله ؛ ولكنهم يجدونه في نفوسهم حين يؤمنون . . إنه تعالى بالنسبة لهم غيب ، ولكن قلوبهم تعرفه بالغيب وتخافة . إن استقرار هذه الحقيقة الهائلة - حقيقة الإيمان بالله بالغيب ومخافته - والاستغناء عن رؤية الحس والمشاهدة ؛ والشعور بهذا الغيب شعورا يوازي - بل يرجح - الشهادة ؛ حتى ليؤدي المؤمن شهادة : بأن لا إله إلا الله وهو لم ير الله . . إن استقرار هذه الحقيقة على هذا النحو يعبر عن نقلة ضخمة في ارتقاء الكائن البشري ، وانطلاق طاقاته الفطرية ، واستخدام أجهزته المركوزة في تكوينه الفطري على الوجه الأكمل ؛ وابتعاده - بمقدار هذا الارتقاء - عن عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب - بالمستوى الذي تهيأ له الإنسان - بينما يعبر انغلاق روحه عن رؤية ما وراء الحس ، وانكماش إحساسه في دائرة المحسوس ، عن تعطل أجهزة الالتقاط والاتصال الراقية فيه ، وانتكاسه إلى المستوى الحيواني في الحس " المادي " !
ومن ثم يجعلها الله سبحانه حكمة لهذا الابتلاء ؛ ويكشف للذين آمنوا عن هذه الحكمة كي تحتشد نفوسهم لتحقيقها . .
والله سبحانه يعلم علما لدنيا من يخافه بالغيب . ولكنه - سبحانه - لا يحاسب الناس على ما يعلمه عنهم علما لدنيا . إنما يحاسبهم على ما يقع منهم فيعلمه الله - سبحانه - علم وقوع . .
( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) . .
فقد أخبر بالابتلاء ، وعرف حكمة تعرضه له ، وحذر من الوقوع فيه ؛ وبذلت له كل أسباب النجاح فيه . . فإذا هو اعتدى - بعد ذلك - كان العذاب الأليم جزاء حقا وعدلا ؛ وقد اختار بنفسه هذا الجزاء واستحقه فعلا ،
ليبلونكم : الابتلاء ؛ الاختبار .
بشيء من الصيد : الصيد : ما صيد من حيوان البحر ، ومن حيوان البر الوحشية ، ومن الطيور . تناله أيديكم ورماحكم : يراد به كثرته وسهولة اصطياده .
روى عن ابن عباس : أنه ما تناله الأيدي : الصغار والفراخ من الصيد . وما يؤخذ وينال بالرماح الكبار .
ليعلم الله من يخافه بالغيب : أي ليعاملكم معاملة المختبر ، الذي يريد أن يعلم الشيء علم وقوع – وإن كان سبحانه وتعالى يعلمه علم غيب – فهو علام الغيوب .
94- يا أيها الذين آمنوا ليبلوكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم .
خلق الله الإنسان للاختبار والبتلاء فمن أطاع فله الجنة ، ومن أساء فله النار .
قال تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا . ( الملك : 2 ) .
وقد كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم ، كما ابتلى بني إسرائيل ألا يعتدوا في السبت .
عن مقاتل قال : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون .
يا أيها الذين آمنوا ليبلوكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم .
والمعنى : أي ليختبرنكم الله – وأنتم محرمون – ببعض من الصيد يسهل عليكم تناوله ، بحيث تناله أيديكم بدون حاجة إلى سهام أو جوارح ، أو بطيور صغار تستطيعون أخذها بأيديكم وبطيور كبار تستطيعون صيدها برماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب . ليتميز عند الله من يخافه منكم خفية عن الناس ، كما يخافه بمرأى من الناس ومسمع منهم ، فالخوف بالغيب برهان الإيمان .
جاء في حاشية الجمل : وقوله ( بالغيب ) حال من فاعل يخافه أي يخاف الله حال كونه غائبا عن الله ، ومعنى كون العبد غائبا من الله ، أنه لم ير الله تعالى .
أو حال من المفعول : أي يخاف الله حال كونه – تعالى – ملتبسا بالغيب عن العبد أي غير مرئي له . ( فمن اعتدى ) فاصطاد .
( فله عذاب أليم ) أي شديد الإيلام عظيم الإهانة لأن التعدي بعد الإنذار ، دليل على عدم المبالاة بأوامر الله ، ومن لم يبال بأوامر الله ساءت عاقبته وقبح مصيره .
هذا ولقد نجحت الأمة الإسلامية ، وخصوصا سلفها الصالح في هذا الاختبار ، فقد تجنب أبنائها وهم محرمون صيد البر مهما أغراهم قربه منهم ، وحبهم لصيده والانتفاع به .
بينما أخفق بنو إسرائيل فيما يشبه هذا الاختبار فقد نهاهم الله عن الصيد في يوم السبت ، فكانت الأسماك تظهر لهم في هذا اليوم امتحانا من الله لهم ، فما كان منهم إلا أن تحايلوا على صيدها بأن حبسوها في يوم السبت ، ليصيدوها في غيره . . فاستحق اليهود اللعنة والمسخ واستحقت الأمة الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت للناس .
{ ليبلوكم الله بشيء من الصيد } أي : يختبر طاعتكم من معصيتكم بما يظهر لكم من الصيد مع الإحرام وفي الحرم وكان الصيد من معاش العرب ومستعملا عندهم ، فاختبروا بتركه كما اختبر بنو إسرائيل بالحوت في السبت وإنما قلله في قوله : بشير من الصيد إشعارا بأنه ليس من الفتن العظيمة ، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها { تناله أيديكم ورماحكم } قال مجاهد : الذي تناله الأيدي الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر والذي تناله الرماح كبار الصيد ، والظاهر عموم هذا التخصيص .
{ ليعلم الله } أي : يعلمه علما تقوم به الحجة ، وذلك إذا ظهر في الوجود .
{ فمن اعتدى } أي : بقتل الصيد وهو محرم ، والعذاب الأليم هنا في الآخرة .