( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ؛ وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة . إذ قال له قومه : لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ، ولا تبغ الفساد في الأرض ، إن الله لا يحب المفسدين . قال : إنما أوتيته على علم عندي ) . .
هكذا تبدأ القصة فتعين اسم بطلها " قارون " وتحدد قومه " قوم موسى " وتقرر مسلكه مع قومه ، وهو مسلك البغي ( فبغى عليهم )وتشير إلى سبب هذا البغي وهو الثراء :
( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ) . .
ثم تمضي بعد ذلك في استعراض الأحداث والأقوال والانفعالات التي صاحبتها في النفوس . لقد كان قارون من قوم موسى ، فأتاه الله مالا كثيرا ، يصور كثرته بأنه كنوز - والكنز هو المخبوء المدخر من المال الفائض عن الاستعمال والتداول - وبأن مفاتح هذه الكنوز تعيي المجموعة من أقوياء الرجال . . من أجل هذا بغى قارون على قومه . ولا يذكر فيم كان البغي ، ليدعه مجهلا يشمل شتى الصور . فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم - كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان - وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال . حق الفقراء في أموال الأغنياء ، كي لا يكون دولة بين الأغنياء وحدهم ومن حولهم محاويج إلى شيء منه ، فتفسد القلوب ، وتفسد الحياة . وربما بغى عليهم بهذه وبغيرها من الأسباب .
وعلى أية حال فقد وجد من قومه من يحاول رده عن هذا البغي ، ورجعه إلى النهج القويم ، الذي يرضاه الله في التصرف بهذا الثراء ؛ وهو نهج لا يحرم الأثرياء ثراءهم ؛ ولا يحرمهم المتاع المعتدل بما وهبهم الله من مال ؛ ولكنه يفرض عليهم القصد والاعتدال ؛ وقبل ذلك يفرض عليهم مراقبة الله الذي أنعم عليهم ، ومراعاة الآخرة وما فيها من حساب :
إذ قال له قومه : لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ، ولا تبغ الفساد في الأرض . إن الله لايحب المفسدين .
وفي هذا القول جماع ما في المنهج الإلهي القويم من قيم وخصائص تفرده بين سائر مناهج الحياة .
( لا تفرح ) . . فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال ، والاحتفال بالثراء ، والتعلق بالكنوز ، والابتهاج بالملك والاستحواذ . . لا تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال ؛ وينسي نعمته ، وما يجب لها من الحمد والشكران . لا تفرح فرح الذي يستخفه المال ، فيشغل به قلبه ، ويطير له لبه ، ويتطاول به على العباد . .
( إن الله لا يحب الفرحين ) . . فهم يردونه بذلك إلى الله ، الذي لا يحب الفرحين المأخوذين بالمال ، المتباهين ، المتطاولين بسلطانه على الناس .
{ إن قارون كان من قومي موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين( 76 ) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين( 77 ) قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون( 78 ) } .
فبغى عليهم : ظلمهم أو تكبر عليهم .
الكنوز : الأموال المدخرة المحبوسة ، من كنزه بمعنى : ادخره ، وحبسه عن الناس ، ومنه قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } [ التوبة : 34 ] .
مفاتحه : جمع مفتح " بكسر الميم " وهو المفتاح الذي تفتح به الأغلاق .
لتنوء بالعصبة : العصبة ، الجماعة يتعصب بعضها لبعض ويشد أزره ، ومعنى { لتنوء بالعصبة } : تثقلها ، يقال : ناء به الحمل ، أي : ثقل عليه .
لا تفرح : لا تفرح بدنياك فرحا يذهلك عن أخراك .
الفرحين : الفرحين والفارحين سواء ، والفرح صيغة مبالغة تفيد زيادة الفرح .
76-{ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة . . }
أفادت كتب التفسير أن قارون كان قريبا لموسى ، فذكرت روايات أنه كان ابن عمه ، وقيل : كان عمه ، وقيل : ابن خالته .
وذكر المفسرون أن قارون كان جميل الصورة ، واسع الثراء ، وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة ، حسن الصوت ، فدخله النفاق كما دخل على السامري .
وقيل : إنه حسد موسى وهارون ، حيث قال : موسى يبلغ الرسالة ، وهارون يشرح التوراة ، وقارون ليس له في الرسالة أدنى نصيب .
والقرآن ليس في حاجة إلى هذه الروايات التي تفتقر إلى قوة السند وصحته ، وحسبنا كتاب الله الذي يفيد أن قارون كان من قوم موسى ، فهو من بني إسرائيل ، ولم يذكر زمن الحادثة ، ولم يبين هل كانت أيام إقامة موسى في مصر قبل خروجه مع بني إسرائيل ، أم كانت أثناء التيه ، أم كانت بعد موسى عليه السلام .
وتفيد روايات أن قارون ساهم في إيذاء موسى ، حيث وعد موسى بإخراج الزكاة ، وذهب ليخرجها فوجدها مقدارا عظيما جدا ، فاحتال على منع الزكاة ، واتفق مع امرأة بغى ، أن تقول : إن موسى زنى بيّ ، وهذا الولد منه ، فأنطق الله الوليد ، وقال : أنا ابن الراعي .
ونحن نقول : حسبنا كتاب الله في تقديم العظة والعبرة ، والقرآن غني عما سواه ، ونحن نريد أن نعرف ماذا قال القرآن الكريم ، فلنتأمل في معنى الآية الكريمة .
إن قارون كان من بني إسرائيل قوم موسى ، فبغى عليهم حيث ظلمهم وتكبر عليهم ، أو منع إخراج الزكاة والمعونة للمستحقين ، وقد أعطيناه من الأموال التي كنزها وحبسها عن المساهمة في إسعاد الناس والتيسير عليهم ، مع كثرة هذه الأموال ، حتى إن مفاتيح هذه الخزائن أو الخزائن نفسها ، يعجز عن حملها عصبة قوية من الرجال الأشداء ، ما بين العشرة والأربعين ، وقد أظهر قارون الفرح والتفاخر بكنوزه ، إذ قال له أتقياء قومه : لا تفرح البطر والكفران ، إن الله لا يحب الفرحين البطرين ، الذين يكفرون ولا يشكرون ، ويتباهون بالمال ويسخرونه لأهوائهم ، ويمنعون نصيب الله منه .
وبعد هذا البيان المتنوع عن دعاوى المشركين والرد عليها ، وعن أحوالهم يوم القيامة ، وعن أحوالهم المؤمنين الصادقين . . . بعد كل ذلك ، ختم - سبحانه - قصة موسى - عليه السلام - التى جاء الحديث عنها فى كثير من آيات هذه السورة - ختمها بقصة قارون الذى كان من قوم موسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : { إِنَّ قَارُونَ . . . } .
قال القرطبى : قوله - تعالى - { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى } لما قال - تعالى - : { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا } بين أن قارون أوتيها واغتر بها . ولم تعصمه من عذاب الله ، كما لم تعصم فرعون ولستم - أيها المشركون - بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون ، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله ، ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه .
قال النخعى وقتادة وغيرهما : كان قارون ابن عم موسى . . . وقيل كان ابن خالته . .
وقوله { فبغى عَلَيْهِمْ } من البغى وهو مجاوزة الحد فى كل شىء . يقال : بغى فلان على غيره بغيا ، إذا ظلمه واعتدى عليه . وأصله من بغى الجرح ، إذا ترامى إليه الفساد .
والمعنى : إن قارون كان من قوم موسى ، أى : من بنى إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى كما أرسل إلى فرعون وقومه .
{ فبغى عَلَيْهِمْ } أى : فتطاول عليهم ، وتجاوز الحدود فى ظلمهم وفى الاعتداء عليهم .
ولم يحدد القرآن كيفية بغيه أو الأشياء التى بغى عليهم فيها ، للإشارة إلى أن بغيه قد شمل كل ما من شأنه أن يسمى بغيا من أقوال أو أفعال .
وقوله - تعالى - : { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة } بيان لما أعطى الله - تعالى - لقارون من نعم .
والكنوز : جمع كنزل وهو المال الكثير المدخر ، و { مَآ } موصولة . وهى المفعول الثانى لآتينا .
وصلتها { إِنَّ } وما فى حيزها . وقوله : { مَفَاتِحَهُ } جمع مفتح - بكسر الميم وفتح التاء - وهو الآلة التى يفتح بها - أو جمع مفتح - بفتح الميم والتاء - بمعنى الخزائن التى تجمع فيها الأموال .
وهو - أى لفظ مفاتحه - اسم إن ، والخبر : { لَتَنُوءُ بالعصبة أُوْلِي القوة } .
وقوله { لَتَنُوءُ } . أى لتعجز أو لتثقل . يقال : ناء فلان بحمل هذا الشىء ، إذا أثقله حمله وأتعبه : والباء فى قوله { بالعصبة } للتعدية والعصبة : الجماعة من الناس من غير تعيين بعدد معين ، سموا بذلك لأنهم يتعصب بعضهم لبعض ومنهم من خصها فى العرف ، بالعشرة إلى الأربعين .
والمعنى : وآتينا قارون - بقدرتنا وفضلنا - من الأموال الكثيرة ، ما يثقل حمل مفاتح خزائنها ، العصبة من الرجال الأقوياء ، بحيث تجعلهم شبه عاجزين عن حملها .
قال صاحب الكشاف : وقد بولغ فى ذكر ذلك - أى فى كثرة أمواله - بلفظ الكنوز ، والمفاتح ، والنوء ، والعصبة ، وأولى القوة .
والمراد بالفرح فى قوله - سبحانه - : { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ } : البطر والأشر والتفاخر على الناس ، والاستخفاف بهم واستعمال نعم الله - تعالى - فى السيئات والمعاصى .
وجملة : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين } تعليل للنهى عن الفرح المذموم .
أى : لقد أعطى الله - تعالى - قارون نعما عظيمة ، فلم يشكر الله عليها ، بل طغى وبغى ، فقال له العقلاء من قومه : لا تفرح بهذا المال الذى بين يديك فرح البطر الفخور ، المستعمل لنعم الله فى الفسوق والمعاصى ، فإن الله - تعالى - لا يحب من كان كذلك .