في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (150)

142

ثم توكيد للمرة الثالثة بمناسبة غرض آخر جديد ، وهو إبطال حجة أهل الكتاب ، وحجة غيرهم من كانوا يرون المسلمين يتوجهون إلى قبلة اليهود ، فيميلون إلى الاقتناع بما يذيعه اليهود من فضل دينهم على دين محمد ، وأصالة قبلتهم ومن ثم منهجهم . أو من مشركي العرب الذين كانوا يجدون في هذا التوجيه وسيلة لصد العرب الذي يقدسون مسجدهم وتنفيرهم من الإسلام الذي يتجه أهله شطر قبلة بني إسرائيل !

( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ، لئلا يكون للناس عليكم حجة ، إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ، ولأتم نعمتي عليكم ، ولعلكم تهتدون ) . .

وهو أمر للرسول [ ص ] أن يولي وجهه شطر المسجد من حيث خرج ، وإلى المسلمين أن يولوا وجوههم شطره حيثما كانوا . وبيان لعلة هذا التوجيه :

( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) . .

وتهوين لما بعد ذلك من أقاويل الظالمين الذين لا يقفون عند الحجة والنطق ، إنما ينساقون مع العناد واللجاج . فهؤلاء لا سبيل إلى إسكاتهم ، فسيظلون إذن في لجاجهم . فلا على المسلمين منهم :

( فلا تخشوهم . . واخشوني ) . .

فلا سلطان لهم عليكم ، ولا يملكون شيئا من أمركم ، ولا ينبغي أن تحفلوهم فتميلوا عما جاءكم من عندي ، فأنا الذي استحق الخشية بما أملك من أمركم في الدنيا والآخرة . . ومع التهوين من شأن الذين ظلموا ، والتحذير من بأس الله ، يجيء التذكير بنعمة الله ، والإطماع في اتمامها على الأمة المسلمة حين تستجيب وتستقيم :

( ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون ) . . .

وهو تذكير موح ، وإطماع دافع ، وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم . .

ولقد كانت النعمة التي يذكرهم بها حاضرة بين أيديهم ، يدركونها في أنفسهم ، ويدركونها في حياتهم ، ويدركونها في مجتمعهم وموقفهم في الأرض ومكانهم في الوجود . .

كانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية بظلامها ورجسها وجهالتها ، ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى نور الإيمان وطهارته ومعرفته . فهم يجدون في أنفسهم أثر النعمة جديدا واضحا عميقا .

وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية قبائل متناحرة ، ذات أهداف صغيرة واهتمامات محدودة . ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى الوحدة تحت راية العقيدة ، وإلى القوة والمنعة ، وإلى الغايات الرفيعة والاهتمامات الكبيرة التي تتعلق بشأن البشرية كلها لا بشأن ثأر في قبيلة ! فهم يجدون أثر النعمة من حولهم كما وجدوه في أنفسهم .

وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية في مجتمع هابط دنس مشوش التصورات مضطرب القيم . . ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى مجتمع الإسلام النظيف الرفيع ، الواضح التصور والاعتقاد ، المستقيم القيم والموازين . . فهم يجدون أثر النعمة في حياتهم العامة كما وجدوه في قلوبهم وفي مكانهم من الأمم حولهم .

فإذا قال الله لهم : ( ولأتم نعمتي عليكم ) . . كان في هذا القول تذكير موح ، وإطماع دافع وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم . .

ونجد في تكرار الأمر بشأن القبلة الجديدة معنى جديدا في كل مرة . . في المرة الأولى كان الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام استجابة لرغبة الرسول [ ص ] بعد تقلب وجهه في السماء وضراعته الصامتة إلى ربه . . وفي الثانية كان لإثبات أنه الحق من ربه يوافق الرغبة والضراعة . . وفي الثالثة كان لقطع حجة الناس ، والتهوين من شأن من لا يقف عند الحق والحجة . .

ولكننا - مع هذا - نلمح وراء التكرار أنه كانت هناك حالة واقعة في الصف الإسلامي تستدعي هذا التكرار ، وهذا التوكيد ، وهذا البيان ، وهذا التعليل ، مما يشي بضخامة حملة الأضاليل والأباطيل ، وأثرها في بعض القلوب والنفوس . هذا الأثر الذي كان يعالجه القرآن الكريم ؛ ثم تبقى النصوص بعد ذلك على مدى الزمان تعالج مثل هذه الحالة في شتى صورها ؛ في المعركة الدائبة التي لا تهدأ ولا تفتر ولا تلين !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (150)

149

{ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره . . . }

المفردات :

ومن حيث خرجت : حيث ظرف مكان أي ومن أية جهة خرجت .

فول وجهك شطر المسجد الحرام : أي فوجه وجهك جهة المسجد الحرام .

التفسير :

وهو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام من حيث خرج ، وإلى المسلمين أن يولوا وجوههم شطره حيثما كانوا ، وبيان لعلة هذا التوجيه :

لئلا يكون للناس عليكم حجة :

والمراد من الناس اليهود ومن لف لفهم من المناوئين للدعوة الإسلامية .

والمعنى : عليك أيها النبي ومن معك من المؤمنين أن تتجهوا في صلاتكم إلى الكعبة المشرفة ، لكي تقطعوا دابر فتنة اليهود وحجتهم ، فقد قالوا لكم وقت اتجاهكم إلى بيت المقدس ، إذا كان لكم أيها المسلمون دين يخالف ديننا فلماذا تتجهون إلى قبلتنا ، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة ، فاتجاهكم إلى المسجد الحرام من شأنه أن يزيل هذه الحجة التي قد تبدو مقبولة في نظر ضعاف العقول .

إلا الذين ظلموا منهم :

وهذه الجملة استثناء من الناس ، والمعنى لئلا يكون لأحد من اليهود حجة عليكم ، إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا حبّا لدين قومه واشتياقا لمكة . وهؤلاء الظالمون لا يقفون عند الحجة والمنطق ، وإنما ينساقون من العناد واللجاج ، فهؤلاء لا سبيل إلى إسكاتهم فسيظلون إذن في لجاجهم فلا على المسلمين منهم .

فلا تخشوهم واخشوني :

فلا تحفلوا بهم فتميلوا عما جاءكم من عندي ، فأنا الذي أستحق الخشية بما أملك من أمركم في الدنيا والآخرة .

ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون :

أي وأمرتكم بذلك لأتم نعمتي عليكم ، ولعلكم تهتدون بامتثال ما أمرتكم به إلى سعادة الدارين .

ومن تمام نعمة الله على المسلمين : جمع الكلمة ، وتوحيد الصف ، وتوحيد القبلة ، وتوحيد الهدف ، وتغيير معالم الجاهلية وما فيه من شقاق ونزاع وخلاف إلى معالم الإسلام وما فيه من إيمان ، ورحمة ووحدة وعزة .

وقد كان المسلمون يجدون أثر النعمة في حياتهم العامة كما وجدوه في قلوبهم وفي مكانهم من الأمم حولهم .

ونجد في تكرار الأمر بشأن القبلة الجديدة معنى جديدا في كل مرة ، في المرة الأولى كان الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام استجابة فلرغبة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تقلب وجهه في السماء وضراعته الصامتة إلى ربه في قوله سبحانه :

قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام . ( البقرة : 144 ) .

وفي المرة الثانية كان لإثبات أنه الحق من ربه في قوله تعالى :

ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك ( البقرة : 149 ) .

وفي المرة الثالثة كان لقطع حجة الناس والتهوين من شأن من لا يقف عند الحق والحجة . . في قوله تعالى :

ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا فلا تخشوهم واخشوني( البقرة : 150 ) .

وقال القرطبي نقلا عن غيره في تعليل التكرار :

إن موقع التحويل كان معنتا في نفوسهم جدا فأكد الأمر ، ليرى الناس الاهتمام به ، فيخفف عليهم ، وتسكن نفوسهم إليه . ويمكن حمل التكرار على أن الآية الأولى :

فول وجهك شطر المسجد الحرام . لتشريع تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة .

وقوله بعد ذلك :

ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام . لتشريع الاتجاه إليها في الأسفار .

وقوله : وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره . لتشريع الاتجاه إليها من المقيمين في بقاع الأرض المختلفة .