يخبر تعالى عن حالة قارون وما [ فعل ] وفُعِلَ به ونُصِحَ ووُعِظَ ، فقال : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى } أي : من بني إسرائيل ، الذين فُضِّلوا على العالمين ، وفاقوهم في زمانهم ، وامتن اللّه عليهم بما امتن به ، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة ، ولكن قارون هذا ، بغى على قومه وطغى ، بما أوتيه من الأموال العظيمة المطغية { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ } أي : كنوز الأموال شيئا كثيرا ، { مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ [ أُولِي الْقُوَّةِ } والعصبة ] ، من العشرة إلى التسعة إلى السبعة ، ونحو ذلك . أي : حتى أن مفاتح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها ، هذه المفاتيح ، فما ظنك بالخزائن ؟ { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } ناصحين له محذرين له عن الطغيان : { لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } أي : لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة ، وتفتخر بها ، وتلهيك عن الآخرة ، فإن اللّه لا يحب الفرحين بها ، المنكبين على محبتها .
قوله تعالى :{ إن قارون كان من قوم موسى } كان ابن عمه ، لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب عليه السلام ، وموسى بن عمران بن قاهث ، وقال ابن إسحاق : كان قارون عم موسى ، كان أخا عمران ، وهما ابنا يصهر ، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون ، ولكنه نافق كما نافق السامري ، { فبغى عليهم } قيل : كان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل ، فكان يبغي عليهم ويظلمهم ، وقال قتادة : بغى عليهم بكثرة المال . وقال الضحاك : بغى عليهم بالشرك . وقال شهر بن حوشب : زاد طول ثيابه شبراً ، وروينا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " وقيل : بغى عليهم بالكبر والعلو . { وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه } هي جمع مفتح وهو الذي يفتح به الباب ، هذا قول قتادة ومجاهد وجماعة ، وقيل : مفاتحه ، خزائنه ، كما قال : { وعنده مفاتح الغيب } أي : خزائنه ، { لتنوء بالعصبة أولي القوة } لتثقلهم أي : وتميل بهم إذا حملوها لثقلها ، قال أبو عبيدة : هذا من المقلوب ، تقديره : ما إن العصبة لتنوء بها ، يقال : ناء فلان بكذا إذا نهض به مثقلاً . واختلفوا في عدد العصبة ، قال مجاهد : ما بين العشرة إلى خمسة عشر ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهم : ما بين الثلاثة إلى العشرة . وقال قتادة : ما بين العشرة إلى الأربعين . وقيل : أربعون رجلاً . وقيل : سبعون . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان يحمل مفاتحه أربعون رجلاً أقوى ما يكون من الرجال . وقال جرير عن منصور عن خيثمة ، قال : وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلاً ما يزيد منها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز . ويقال : كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه ، وكانت من حديد ، فلما ثقلت عليه جعلها من خشب ، فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع ، وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلاً . { إذ قال له قومه } قال لقارون قومه من بني إسرائيل : { لا تفرح } لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح ، { إن الله لا يحب الفرحين } الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم .
قوله تعالى : " إن قارون كان من قوم موسى " لما قال تعالى : " وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها " [ القصص : 60 ] بين أن قارون أوتيها واغتر بها ولم تعصمه من عذاب الله كما لم تعصم فرعون ، ولستم أيها المشركون بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون ، فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه . قال النخعي وقتادة وغيرهما : كان ابن عم موسى لحا . وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ، وموسى بن عمران بن قاهث وقال ابن إسحاق : كان عم موسى لأب وأم وقيل : كان ابن خالته ولم ينصرف للعجمة والتعريف ، وما كان على وزن فاعول أعجميا لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف في المعرفة وانصرف في النكرة ، فإن حسنت فيه الألف واللام انصرف إن كان اسما لمذكر نحو طاوس وراقود . قال الزجاج : ولو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف .
قوله تعالى : " فبغى عليهم " بغيه أنه زاد في طول ثوبه شبرا . قاله شهر بن حوشب . وفي الحديث ( لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا ) وقيل : بغيه كفره بالله عز وجل . قاله الضحاك . وقيل : بغيه استخفافه بهم بكثرة مال وولده . قاله قتادة . وقيل : بغيه نسبته ما آتاه الله من الكنوز إلى نفسه بعلمه وحيلته . قاله ابن بحر . وقيل : بغيه قوله إذا كانت النبوة لموسى والمذبح والقربان في هارون فمالي ! فروى أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة لموسى والحبورة لهارون . يقرب القربان ويكون رأسا فيهم ، وكان القربان لموسى فجعله موسى إلى أخيه ، وجد قارون في نفسه وحسدهما فقال لموسى : الأمر لكما وليس لي شيء إلى متى أصبر ؟ قال موسى : هذا صنع الله . قال : والله لا أصدقنك حتى تأتي بآية ، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد منهم بعصاه ، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها ، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر - وكانت من شجر اللوز - فقال قارون : ما هو بأعجب مما تصنع من السحر
" فبغى عليهم " من البغي وهو الظلم . وقال يحيى بن سلام وابن المسيب : كان قارون غنيا عاملا لفرعون على بني إسرائيل ، فتعدى عليهم وظلمهم وكان منهم وقول سابع : روي عن ابن عباس قال : لما أمر الله تعالى برجم الزاني عمد قارون إلى امرأة بغي وأعطاها مالا ، وحملها على أن ادعت على موسى أنه زنى بها وأنه أحبلها . فعظم على موسى ذلك وأحلفها بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل ، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت فتداركها الله . فقالت : أشهد أنك بريء ، وأن قارون أعطاني مالا ، وحملني على أن قلت ما قلت ، وأنت الصادق وقارون الكاذب ، فجعل الله أمر قارون إلى موسى وأمر الأرض أن تطيعه فجاءه وهو يقول للأرض : يا أرض خذيه ، يا أرض خذيه وهي تأخذه شيئا فشيئا وهو يستغيث : يا موسى إلى أن ساخ في الأرض هو وداره وجلساؤه الذين كانوا على مذهبه ، وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى : استغاث بك عبادي فلم ترحمهم ، أما أنهم لو دعوني لو جدوني قريبا مجيبا ابن جريج : بلغنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة ، فلا يبلغون إلى أسفل الأرض إلى يوم القيامة . وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج : حدثني إبراهيم بن راشد قال حدثني داود بن مهران عن الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال : لقي قارون يونس في ظلمات البحر ، فنادى قارون يونس ، فقال : يا يونس تب إلى الله فإنك تجده عند أول قدم ترجع بها إليه فقال يونس : ما منعك من التوبة ؟ فقال : إن توبتي جعلت إلى ابن عمي فأبى أن يقبل مني . وفي الخبر : إذا وصل قارون إلى قرار الأرض السابعة نفخ إسرافيل في الصور والله أعلم . قال السدي : وكان اسم البغي سبرتا ، وبذل لها قارون ألفي درهم . قتادة : وكان قطع البحر مع موسى وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة ، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري .
قوله تعالى : " وآتيناه من الكنوز " قال عطاء : أصاب كثيرا من كنوز يوسف عليه السلام . وقال الوليد بن مروان : إنه كان يعمل الكيمياء " ما إن مفاتحه " " إن " واسمها وخبرها في صلة " ما " و " ما " مفعولة " آتيناه " قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلات ، إنه لا يجوز أن تكون صلة الذي وأخواته " إن " وما عملت فيه ، وفي القرآن " ما إن مفاتحه " وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به ، ومن قال مفتاح قال مفاتيح . ومن قال هي الخزائن فواحدها مفتح بالفتح .
" لتنوء بالعصبة " أحسن ما قيل فيه أن المعنى لتنيء العصبة أي تميلهم بثقلها ، فلما انفتحت التاء دخلت الباء كما قالوا هو يذهب بالبؤس ومذهب البؤس فصار " لتنوء بالعصبة " فجعل العصبة تنوء أي تنهض متثاقلة . كقولك قم بنا أي أجعلنا نقوم يقال : ناء ينوء نوءا إذا نهض بثقل قال الشاعر{[12383]} :
تنوء بأُخْرَاهَا فَلَأْيًا قيامُها *** وتمشي الهُوَيْنَى عن قريبٍ فَتَبْهَرُ
أخذت فلم أملك ونُؤْتُ فلم أقُمْ *** كأنِّي من طُولِ الزمانِ مقيَّدُ وأناءني إذا أثقلني . عن أبي زيد وقال أبو عبيدة : قوله : " لتنوء بالعصبة " مقلوب ، والمعنى لتنوء بها العصبة أي تنهض بها أبو زيد : نؤت بالحمل إذا نهضت قال الشاعر :
إنا وجدنا خَلَفًا بئسَ الخَلَفْ *** عبداً إذا ما ناءَ بالحِمْلِ وَقَفْ
والأول معنى قول ابن عباس وأبي صالح والسدي . وهو قول الفراء واختاره النحاس كما يقال : ذهبت به وأذهبته وجئت به وأجأته ونؤت به وأنأته . فأما قولهم : له عندي ما ساءه وناءه . فهو إتباع كان يجب أن يقال : وأناءه ومثله هنأني الطعام ومرأني ، وأخذه ما قدم وما حدث وقيل : هو مأخوذ من النأي وهو البعد ومنه قول الشاعر :
ينأونَ عَنَّا وما تَنْأَى مَوَدَّتُهُمْ *** فالقَلْبُ فيهم رَهِينٌ حيثُمَا كانُوا
وقرأ بديل بن ميسرة : " لينوء " بالياء ، أي لينوء الواحد منها أو المذكور فحمل على المعنى وقال أبو عبيدة : قلت لرؤبة بن العجاج في قوله :
فيها خُطُوطٌ من سَوَادٍ وبُلْقٍ *** كأنه في الجلد تَوْلِيعُ البَهَقْ
إن كنت أردت الخطوط فقل كأنها ، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل كأنهما فقال : أردت كل ذلك .
واختلف في العصبة وهي الجماعة التي يتعصب بعضهم لبعض على أحد عشر قولا : الأول : ثلاثة رجال . قاله ابن عباس . وعنه أيضا من الثلاثة إلى العشرة . وقال مجاهد : العصبة هنا ما بين العشرين إلى خمسة عشر وعنه أيضا : ما بين العشرة إلى الخمسة عشر وعنه أيضا : من عشرة إلى خمسة ذكر الأول الثعلبي ، والثاني القشيري والماوردي ، والثالث المهدوي . وقال أبو صالح والحكم بن عتيبة وقتادة والضحاك : أربعون رجلا . السدي ما بين العشرة إلى الأربعين وقاله قتادة أيضا . وقال عكرمة : منهم من يقول أربعون ، ومنهم من يقول سبعون وهو قول أبي صالح إن العصبة سبعون رجلا . ذكره الماوردي . والأول ذكره عنه الثعلبي وقيل : ستون رجلا وقال سعيد بن جبير : ست أو سبع . وقال عبد الرحمن بن زيد : ما بين الثلاثة والتسعة وهو النفر وقال الكلبي : عشرة لقول إخوة يوسف " ونحن عصبة " [ يوسف : 8 ] وقاله مقاتل . وقال خيثمة : وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا غراء محجلة ، وأنها لتنوء بها ثقلها ، وما يزيد مفتح منها على إصبع ، لكل مفتح منها كنز مال ، لو قسم ذلك الكنز على أهل البصرة لكفاهم . قال مجاهد : كانت المفاتيح من جلود الإبل . وقيل : من جلود البقر لتخف عليه ، وكانت تحمل معه إذا ركب على سبعين بغلا فيما ذكره القشيري وقيل : على أربعين بغلا وهو قول الضحاك . وعنه أيضا : إن مفاتحه أوعيته . وكذا قال أبو صالح : إن المراد بالمفاتح الخزائن . فالله أعلم .
قوله تعالى : " إذ قال له قومه " أي المؤمنون من بني إسرائيل ، قاله السدي . وقال يحيى بن سلام : القوم هنا موسى . وقال الفراء وهو جمع أريد به واحد كقوله : " الذين قال لهم الناس " [ آل عمران : 173 ] وإنما هو نعيم ابن مسعود على ما تقدم . " لا تفرح " أي لا تأشر ولا تبطر قال الشاعر :
ولستُ بِمِفْرَاحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي *** ولا ضارعٌ في صَرْفِهِ{[12384]} المتقلب
وقال الزجاج : المعنى لا تفرح بالمال . فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه وقال مبشر{[12385]} بن عبد الله : لا تفرح لا تفسد . قال الشاعر{[12386]} :
إذا أنت لم تَبْرَحْ تؤدي أمانةً *** وتحمل أخرى أفرحتك الودائعُ
أي أفسدتك . وقال أبو عمرو : أفرحه الدين أثقله وأنشده :
وأفرحه سره فهو مشترك قال الزجاج : والفرحين والفارحين سواء . وفرق بينهما الفراء فقال : معنى الفرحين الذين هم في حال فرح ، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل . وزعم أن مثله طمع وطامع وميت ومائت . ويدل على خلاف ما قال قول الله عز وجل : " إنك ميت وإنهم ميتون " [ الزمر : 30 ] ولم يقل مائت . وقال مجاهد أيضا : معنى " لا تفرح " لا تبغ . " إن الله لا يحب الفرحين " أي البطرين . قاله مجاهد والسدي .
" إن الله لا يحب الفرحين " أي الباغين وقال ابن بحر : لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين