وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا بأن نوفقه للعمل بها ، فيرتفع في الدنيا والآخرة ، فيتحصن من أعدائه . وَلَكِنَّهُ فعل ما يقتضي الخذلان ، فَأَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ ، أي : إلى الشهوات السفلية ، والمقاصد الدنيوية . وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وترك طاعة مولاه ، فَمَثَلُهُ في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ أي : لا يزال لاهثا في كل حال ، وهذا لا يزال حريصا ، حرصا قاطعا قلبه ، لا يسد فاقته شيء من الدنيا .
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا بعد أن ساقها اللّه إليهم ، فلم ينقادوا لها ، بل كذبوا بها وردوها ، لهوانهم على اللّه ، واتباعهم لأهوائهم ، بغير هدى من اللّه .
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ضرب الأمثال ، وفي العبر والآيات ، فإذا تفكروا علموا ، وإذا علموا عملوا .
قوله تعالى : " ولو شئنا لرفعناه بها " يريد بلعام . أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة . " بها " أي بالعمل بها . " ولكنه أخلد إلى الأرض " أي ركن إليها ؛ عن ابن جبير والسدي . مجاهد : سكن إليها ؛ أي سكن إلى لذاتها . وأصل الإخلاد اللزوم . يقال : أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه . قال زهير :
لمن الديار غشيتَهَا بالغَرْقَدِ *** كالوَحْيِ في حجر المسيل المخلدِ{[7480]}
يعني المقيم ، فكأن المعنى لزم لذات الأرض فعبر عنها بالأرض ؛ لأن متاع الدنيا على وجه الأرض . " واتبع هواه " أي ما زين له الشيطان . وقيل : كان هواه مع الكفار . وقيل : اتبع رضا زوجته ، وكانت رغبت في أموال حتى حملته على الدعاء على موسى . " فمثله كمثل الكلب " ابتداء وخبر . " إن تحمل عليه يلهث " شرط وجوابه . وهو في موضع الحال ، أي فمثله كمثل الكلب لاهثا . والمعنى : أنه على شيء واحد لا يرعوي عن المعصية ، كمثل الكلب الذي هذه حالته . فالمعنى : أنه لاهث على كل حال ، طردته أو لم تطرده . قال ابن جريج : الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له ، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ، كذلك الذي يترك الهدى لا فؤاد له ، وإنما فؤاده منقطع . قال القتيبي : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش . فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل وإن تركته ضل ، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث ، كقوله تعالى : " وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون{[7481]} " [ الأعراف : 193 ] . قال الجوهري : لهث الكلب " بالفتح " يلهث لهثا ولهاثا " بالضم " إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش ، وكذلك الرجل إذا أعيا .
وقوله تعالى " إن تحمل عليه يلهث " لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا ، وإذا تركته شد عليك ونبح ، فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان . قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول{[7482]} : إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد ، وإنما لهاثه لموت فؤاده . وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن . وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمت به العدو ، فذهب إلى السباع فأشلاهم{[7483]} على آدم ، فكان الكلب من أشدهم طلبا . فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له إلى فرعون وملئه ، وجعل فيها سلطانا عظيما وكانت من آس الجنة ، فأعطاها آدم صلى الله عليه وسلم يومئذ{[7484]} ليطرد بها السباع عن نفسه ، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه ، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا ، وألف به وبولده إلى يومنا هذا ، لوضع يده على رأسه ، وصار حارسا من حراس ولده . وإذا أدب وعلم الاصطياد تأدب وقبل التعليم{[7485]} ؛ وذلك قوله : " تعلمونهن مما علمكم الله{[7486]} " [ المائدة : 4 ] . السدي : كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب . وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به . وقيل : هو في كل منافق . والأول أصح . قال مجاهد في قوله تعالى : " فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث . وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه . وقال غيره : هذا شر تمثيل ؛ لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بكلب لاهث أبدا ، حمل عليه أو لم يحمل عليه ؛ فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان . وقيل : من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة الابتداء بالجفاء ، ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض خسيس{[7487]} . ضربه الله مثلا للذي قبل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات ربه . فدلت الآية لمن تدبرها على ألا يغتر أحد بعمله ولا بعلمه ؛ إذ لا يدري بما يختم له . ودلت على منع أخذ الرشوة لإبطال حق أو تغييره . وقد مضى بيانه في " المائدة " . ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها ؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألا يقبل منه إلا بحجة .
قوله تعالى : " ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون " أي هو مثل جميع الكفار .
قوله : { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض وابتع هواه } أي لو شاء الله لرفعه بآياته التي آتاها إياه . والمراد بالرفع : ما كان في المنزلة . ومنها : الرفع في شرف الدنيا . ومنها : الرفع في الذكر الجميل والثناء الحميد . أو أن الله أعطاه كل هذه المعاني مجتمعة بان وفقه للعمل بآياته والتي كان قد آتاه إياها ؛ وقيل في تأويل الآية : لو شئنا لأمتناه قبل أن يضل ويعصي ربه ، فرفعناه إلى الجنة بذلك . أي بعمله الذي يستوجب ( الجنة ) { ولاكنه أخلد إلى الأرض } من الإخلاد ، وهو الركون واللزوم . أخلد بالمكان ؛ أي لزمه فاطمأن وسكن{[1579]} . والمعنى : أنه ركن إلى الأرض أو نزع إليها أو مال إلى ملذاتها وشهواتها وزخارفها وعزف عن الحق واليقين الذي كان متلبسا به من قبل أن يضل .
وقوله : { واتبع هواه } وهو الضلال والفسق عن أمر الله نزوعا للدنيا وما فيها من خسائس ومغريات موبقات ، أو كان هواه مع القوم الظالمين الذين حرضوه على الإخلاد للأرض والزيغ عن عقيدة التوحيد ركونا للهوى والأموال والشهوات .
قوله : { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث } يلهث من اللهاث بالضم ؛ وهو حر العطش في الجوف . يقال : هو يقاسي لهاث الموت ؛ أي شدته . لهث الكلب لهثا ولهاثا : أخرج لسانه من حر أو عطش{[1580]} . ذلك مثل ضربه الله للذي ضل وغوى وخرج عن ملة الإسلام بعد أن آتاه الله آياته فانسلخ منها . فهو أشبه ما يكون بالكلب الذي دأبه اللهاث ؛ فهو يلهث إذا طردته ، ويلهث إذا تركته .
قال القتبي في هذا الصدد : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب ؛ فغنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال المرض ، وحال الصحة ، وحال الري ، وحال العطش . فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل ، وإن تركته ضل ؛ فهو كالكلب إن تركته لهث ، وإن طردته لهث ، وقيل في تأويل الآية : إنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا ، وإذا تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلا عليك ؛ ودبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان .
وتلك هي حال الذي انسلخ من آيات الله وفسق عن دينه بعد علم به وهداية ؛ فإنه صار بذلك من غير فؤاد . أو أن فؤاده بات غليظا أجوف لا مكان فيه للإيمان أو اليقين ؛ فهو سواء وعظ أو لم يوعظ ، لم يأت بخير ؛ لأن قلبه خال من الخير ولا يستسيغه ؛ فهو بذلك ضال مجانب لدين الله . لا تجدي معه النصائح والمواعظ ، ولا تعطف قلبه النواهي والزاجر ، ولا يؤثر فيه الترغيب والترهيب ليثنيه عن فعل المعاصي والموبقات . فمثله في ذلك مثل الكلب اللاهث تماما ؛ إذ يلهث في كل الأحوال . فما أروع هذا التعبير ، وما أكمل هذا التصوير الذي لا يصدر بهذا الجمال والرصانة وقوة التأثير إلا عن حكيم خبير !
وقوله : { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } أي أقصص على المشركين واليهود هذه الأخبار عن نقم الله وما أنزله بالمجرمين المضلين من العقوبات والمثلاث . وكذا قص عليهم خبر أي انسلخ من آيات الله ثم ركن إلى الدنيا والشهوات فانتقم الله منه وهو من جنسهم –أي اليهود- أقصص عليهم هذه الأخبار لعلهم يرجعون إلى عقولهم فيفهمون وينزجرون عن الباطل والضلال .