تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا} (18)

{ قَالُوا سُبْحَانَكَ } نزهوا الله عن شرك المشركين به وبرؤوا أنفسهم من ذلك ، { مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا } أي : لا يليق بنا ولا يحسن منا أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم ونعبدهم وندعوهم ، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك متبرئين من عبادة غيرك ، فكيف نأمر أحدا بعبادتنا ؟ هذا لا يكون أو ، سبحانك عن { أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ } وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام : { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } الآية .

وقال تعالى : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } { وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } فلما نزهوا أنفسهم أن يدعوا لعبادة غير الله أو يكونوا أضلوهم ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا : { وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ } في لذات الدنيا وشهواتها ومطالبها النفسية ، { حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ } اشتغالا في لذات الدنيا وإكبابا على شهواتها ، فحافظوا على دنياهم وضيعوا دينهم { وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } أي : بائرين لا خير فيهم ولا يصلحون لصالح لا يصلحون إلا للهلاك والبوار ، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى وهو التمتع في الدنيا الذي صرفهم عن الهدى ، وعدم المقتضي للهدى وهو أنهم لا خير فيهم ، فإذا عدم المقتضي ووجد المانع فلا تشاء من شر وهلاك ، إلا وجدته فيهم ، فلما تبرؤوا منهم قال الله توبيخا وتقريعا للعابدين{[575]} .


[575]:- في ب: للمعاندين.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا} (18)

" قالوا سبحانك " أي قال المعبودون من دون الله سبحانك ، أي تنزيها لك " ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء " فإن قيل : فإن كانت الأصنام التي تعبد تحشر فكيف تنطق وهي جماد ؟ قيل له : ينطقها الله تعالى يوم القيامة كما ينطق الأيدي والأرجل . وقرأ الحسن وأبو جعفر : " أن نتخذ " بضم النون وفتح الخاء على الفعل المجهول . وقد تكلم في هذه القراءة النحويون ، فقال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر : لا يجوز " نتخذ " . وقال أبو عمرو : لو كانت " نتخذ " لحذفت " من " الثانية فقلت : أن نتخذ من دونك أولياء . كذلك قال أبو عبيدة : لا يجوز " نتخذ " لأن الله تعالى ذكر " من " مرتين ، ولو كان كما قرأ لقال : أن نتخذ من دونك أولياء . وقيل : إن " من " الثانية صلة . قال النحاس : ومثل أبي عمرو على جلالته ومحله يستحسن ما قال ؛ لأنه جاء ببينة . وشرح ما قال أنه يقال : ما اتخذت رجلا وليا ، فيجوز أن يقع هذا للواحد بعينه ، ثم يقال : ما اتخذت من رجل وليا فيكون نفيا عاما ، وقولك " وليا " تابع لما قبله فلا يجوز أن تدخل فيه " من " لأنه لا فائدة في ذلك . " ولكن متعتهم وآباءهم " أي في الدنيا بالصحة والغنى وطول العمر بعد موت الرسل صلوات الله عليهم .

" حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا " أي تركوا ذكرك فأشركوا بك بطرا وجهلا فعبدونا من غير أن أمرناهم بذلك . وفي الذكر قولان : أحدهما : القرآن المنزل على الرسل ، تركوا العمل به ، قاله ابن زيد . الثاني : الشكر على الإحسان إليهم والإنعام عليهم . إنهم " كانوا قوما بورا " أي هلكى ، قال ابن عباس . مأخوذ من البوار وهو الهلاك . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه وقد أشرف على أهل حمص : يا أهل حمص ! هلم إلى أخ لكم ناصح ، فلما اجتمعوا حوله قال : ما لكم لا تستحون ! تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون ، وتأملون ما لا تدركون ، إن من كان قبلكم بنوا مشيدا وجمعوا عبيدا ، وأملوا بعيدا ، فأصبح جمعهم بورا ، وآمالهم غرورا ، ومساكنهم قبورا . فقوله : " بورا " أي هلكى . وفي خبر آخر : فأصبحت منازلهم بورا ، أي خالية لا شيء فيها . وقال الحسن : " بورا " لا خير فيهم . مأخوذ من بوار الأرض ، وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير . وقال شهر بن حوشب : البوار . الفساد والكساد ، مأخوذ من قولهم : بارت السلعة إذا كسدت كساد الفاسد ، ومنه الحديث : ( نعوذ بالله من بوار الأيم ) . وهو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث . قال ابن الزبعرى :

يا رسولَ المَليك إن لساني *** راتِقٌ ما فَتقتُ إذ أنا بُورُ

إذ أُباري الشيطانَ في سنن الغَ *** يِّ ومن مالَ ميلَه مثبورُ

وقال بعضهم : الواحد بائر والجمع بور . كما يقال : عائذ وعوذ ، وهائد وهود . وقيل : " بورا " عميا عن الحق .