فلما سمعت بمكرهن : أي : باغتيابهن ، وإنما سماه : مكرا ؛ لأنهن أخفينه كما يخفي الماكر مكره .
وأعتدت لهن متكئا : أي : أعدت لهن ما يتكئن عليه من الوسائد ، يقال : أعتد الشيء ، أي : أعده ، وهو من العتاد ، أي : الأداة .
أكبرنه : عظمنه ، وهبن حسنه ، من أكبر الشيء أي : رآه كبيرا .
و قطعن أيديهن : أي : جرحن أيديهن من فرط الدهش .
حاش لله : تنزيها له عن صفات العجز والنقص ، والمراد : التعجب من حسن يوسف .
إن هذا إلا ملك : أي : ما هذا إلا ملك .
31 { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وأعدت لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا . . . } الآية .
تفيد هذه الآية : قدرة امرأة العزيز على مقابلة كيد النسوة ، وحديثهن عنها ، وتجريحهن لها ، وانتقاصهن لضلالها ، وفتنتها بغلام مملوك لها قابلت كل ذلك بمكر مثله ، وأبرع منه ؛ فقد عملت وليمة ودعت إليها نساء الطبقة الراقية ، قيل : إنها دعت أربعين امرأة . منهن خمس من المتكلمات عليها : ( امرأة الساقي ، وامرأة الخباز ، وامرأة الحاجب ، وامرأة صاحب الدواب ، و امرأة صاحب السجن ) ، وأعدت حشايا وأرائك مريحة يجلسن فيها ويسترخين ، وصنعت لهن طعاما فيه اللحوم والفاكهة ، وغير ذلك مما يحتاج إلى سكين ؛ للتقطيع أو التقشير ، ووزعت على كل امرأة سكينا لتقطيع الطعام .
{ وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } .
أمرت زليخا يوسف أن يخرج على النسوة وهو لا يدري بما دبرته و بيّتته ، فلما شاهدنه ؛ بهرهن جماله ، وحسنه الرائق الفائق ، وعظمنه وتهيبن حسنه الرائع ، وجرحن أيديهن بما معهن من السكاكين ؛ لفرط دهشتهن ، وخروج الأمر عن إرادتهن ، حتى لم يشعرن بما فعلن .
{ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } .
أي : قالت النسوة ؛ تنزيها لله تعالى عن العجز عن خلق هذا الجمال المثالي : { حاش لله } . أي : تنزه الله عن صفات العجز ، وتعالت عظمته في قدرته على خلق مثله . والمقصود : التعجب والتعبير عن الدهشة ، والإعجاب بهذا الجمال الباهر ، وبصنع الله القادر .
{ ما هذا بشرا } . أي : ما هذا الذي نراه بشرا ؛ فما مثله في الناس أحدا .
{ إن هذا إلا ملك كريم } . أي : ما هذا إلا ملك من الملائكة ؛ فإن هذا الجمال الباهر ، والحسن الرائع ، مما لا يكاد يوجد بين البشر ، يردن وصفه بأقصى مراتب الحسن ، والجمال والكمال .
وهكذا جرت العادة في تشبيه كل متناه في الحسن بالملك ، كما جرت في تشبيه كل متناه في القبح بالشيطان .
قوله : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } لما سمعت زليخا بحديث النساء عنها ما أشنعه في حقها بين الناس في مصر وقولهن ما يشينها وهو أن امرأة العزيز عشقت عبدها وقد راودته عن نفسه { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } أي أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن في أمرها بشأن يوسف لتضيفهن وتصنع لهن الطعام في بيتها { وأعتدت لهن متكأ } من العتاد وهو العدة ؛ أي أعدت وهيأت لهن مجلسا يتناولن فيه الطعام والشراب ويتكئن فيه على الفرش والنمارق { وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا } وذلك ليقطعن به الطعام { وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنّ } أمرته امرأة العزيز أن يخرج على النساء اللاتي في ضيافتها ليرين حسنه وجمال وجهه وهن في هذه الحال من تقطيع الطعام بالسكاكين . وهذه مكيدة من امرأة العزيز ، لتمكن هؤلاء النساء من رؤية يوسف فيبهرهن حسنه وجماله فيذهلن عنه ذهولا يحملهن على تقطيع أيديهن بدلا من تقطيع الطعام . { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أي أعظمنه وأجللنه وبهتن لحسنه وجماله . وجعلن من فرط إعجابهن به يقطعن أصابع أنفسهن بالسكاكين بعد أن غلبهن الذهول والدهش . ولا نرغب في التهويل والمبالغة في وصف دهشهن وانبهارهن بيوسف أكثر مما ذكرناه . أما الزعم بأنهن جاءهن المحيض من شدة ارتياعهن لعظم جماله ، وأن بعضا منهم قد أتت عليهن صعقة الموت لروعة ما رأين من حسن يوسف ، فما نحسب مثل هذا القول إلا إغراقا في المغالاة المستفادة من تهويش الإسرائيليات .
قوله : { وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } { حاش } ، أصلها حاشا ، حذفت الألف للتخفيف ؛ أي معاذ الله ؛ فهي كلمة تفيد التنزيه في باب الاستثناء ، نقول : أساء القوم حاشا زيد . وهي حرف من حروف الجر وضعت موضع التنزيه والبراءة{[2233]} ؛ أي تنزيها لله من صفات العجز ، وتعجبا من قدرته على خلق مثله { ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم } نفت النسوة عن يوسف –لما رأينه- كونه بشرا من البشر لغرابة جماله وعظيم حسنه وبهائه ، وقلن : ما هكذا يكون البشر ، وما هو إلا ملك من الملائكة الأطهار الكرام . وذلك إقرار كامل منهن أن يوسف مبرأ من مظنة الاتهام بالفاحشة فمثله في البراءة والتنزه وجمال الخلق والخلق مثل الملائكة الأبرار الأطهار الذين لا يقربون الفحش أو الدنس .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.