سورة الأحزاب مدنية ، وآياتها 73 آية ، نزلت بعد سورة آل عمران ، وتقع أحداث السورة فيما بين السنة الثانية والسنة الخامسة من الهجرة ، وهي فترة حرجة لم يكن عود المسلمين قد اشتد فيها إذ كانوا يتعرضون لدسائس المنافقين واليهود .
وسميت هذه السورة بهذا الاسم لذكر غزوة الأحزاب فيها في قوله تعالى : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا . . ( الأحزاب : 20 ) .
تتناول سورة الأحزاب قطاعا حقيقيا من حياة الجماعة المسلمة ، في فترة تمتد من بعد غزوة بدر الكبرى إلى ما قبل صلح الحديبية ، وتصور هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة ، تصويرا واقعيا مباشرا وهي مزدحمة بالأحداث التي تشير إليها خلال هذه الفترة والتنظيمات التي أنشأتها أو أقرتها في المجتمع الإسلامي الناشئ .
ولهذه الفترة التي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة فهي الفترة التي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة ، ولم يتم استقرارها بعد ولا سيطرتها الكاملة كالذي تم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا واستتباب الأمر للدولة الإسلامية .
والسورة تتولى جانبا من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة ، وإبراز تلك الملامح وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة ، وبيان أصولها من العقيدة والتشريع كما تتولى تعديل الأوضاع والتقاليد أو إبطالها وإخضاعها في هذا كله للتصور الإسلامي الجديد وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم يرد الحديث عن غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة ، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة ، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف كما تعرض بعدها دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وبيوتهم ونسائهم .
ونقطة الاتصال في سياق السورة بين تلك الأوضاع والنظم وهاتين الغزوتين وما وقع فيهما من أحداث هي علاقة هذه وتلك بموقف الكافرين والمنافقين واليهود وسعى هذه الفئات لإيقاع الاضطراب في صفوف الجماعة المسلمة ، سواء عن طريق الهجوم الحربي والإرجاف في الصفوف والدعوة إلى الهزيمة ، أو عن طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية والآداب الخلقية ، ثم ما تنشأ في أعقاب الغزوات والغنائم من آثار في حياة الجماعة المسلمة ، تقتضي تعديل بعض الأوضاع الاجتماعية ومن هذا الجانب وذاك تبدو وحدة السورة وتماسك سياقها وتناسق موضوعاتها المنوعة وهذا وذاك إلى جانب وحدة الزمن تربط بين الأحداث والتنظيمات التي تتناولها السورة .
يمكن أن نقسم سورة الأحزاب إلى خمسة فصول يبدأ الفصل الأول منها بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم على تقوى الله وعدم الطاعة للكافرين والمنافقين واتباع ما يوحى إليه ربه والتوكل عليه وحده .
وبعد ذلك يلقى بكلمة الحق والفصل في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية مبتدئا ببيان أن الإنسان لا يملك إلا قلبا واحدا ، ومن ثم يجب أن يتجه إلى إله واحد ، وأن يتبع نهجا واحدا ولذلك يأخذ في إبطال عادة الظهار وهو أن يحلف الرجل على امرأته أنها عليه كظهر أمه فتحرم عليه حرمة أمه ويقرر أن هذا الكلام يقال بالأفواه ولا ينشىء حقيقة وراءه بل تظل الزوجة زوجة ولا تصير أما بهذا الكلام ثم من هذا إلى إبطال التبني : وما جعل أدعياءكم أبناءكم . ( الأحزاب : 4 ) .
والدعي هو المتبني يدعى الإنسان بنوته وهو لا يصير أبنا بمجرد القول ثم يأمرهم أن يدعوا المتبني إلى أبيه فإن ذلك أقسط وأعدل من دعوتهم لمن يتبنونهم .
ثم ينشىء الولاية العامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين جميعا ، كما ينشىء صلة الأمومة الشعورية بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويعقب على هذا التنظيم الجديد بالإشارة إلى أن ذلك مسطور في كتاب الله القديم وإلى الميثاق المأخوذ على النبيبين وعلى أولى العزم منهم بصفة خاصة على طريقة القرآن في التعقيب على النظم والتشريعات والمبادئ والتوجيهات لتستقر في الضمائر والنفوس ويستغرق هذا الفصل من أول السورة على الآية 8 .
نجد الفصل الثاني من السورة ممتدا من الآية 9 إلى الآية 27 ويتناول هذا الفصل غزوة الأحزاب ويصف مشاهدها وملابساتها ويصور أحوال المسلمين فيها وقد جاءتهم قريش من أسفل الوادي وغطفان من أعلاه وأسقط في يد المسلمين فالأحزاب أمام المدينة ويهود بني قريظة نقضوا عهودهم وأظهروا الخيانة والغدر للمسلمين وحفر المسلمون خندقا لحماية المدينة وكان المسلمون في غاية الإجهاد والعسرة المادية واشتدت الفتن وفي وسط هذه المحن بشر النبي المؤمنين بالنصر ووعدهم كنوز كسرى وقيصر وظهر النفاق من
بعض المنافقين فقالوا : إن محمدا يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يستطيع الخروج إلى الخلاء وحده وفي ذلك يقول القرآن : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا . ( الأحزاب : 12 ) .
واستنجد النبي بربه ورفع يديه إلى السماء وقال " اللهم رب الأرباب ومسبب الأسباب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم يا رب العالمين فأرسل الله ريحا عاتية في ليلة شاتيه مظلمة ، خلعت خيام الكافرين وكفأت قدورهم وانسحبت قريش وأحزابها في ظلام الليل يجرون أذيال الخوف والانكسار . وسجل الله ذلك في القرآن بقوله : يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا* إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا *هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا . ( الأحزاب : 9-11 ) .
وتصف الآيات صدق بعض المؤمنين وبلاءهم الحسن وإخلاصهم لله في الجهاد حتى رئي بعض الشهداء وفيه أكثر من سبعين ضربة سيف بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم وفي مثل هؤلاء تقول السورة : ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما* من المؤمنين رجال صدقوا مال عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا* ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم عليهم إن الله غفورا رحيما . ( الأحزاب : 22-24 ) .
ثم تصف الآيات رحيل الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيرا وحماية الله للمسلمين في هذه الموقعة ، وهو سبحانه القوي العزيز ولما رحلت الأحزاب عن المدينة نزل جبريل من السماء وقال : يا محمد ، إن الملائكة لم تضع السلاح بعد ، اذهب إلى بني قريظة فإن الله ناصرك عليهم جزاء خيانتهم وغدرهم فقال صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة " 1
وهناك حاصر المسلمون بني قريظة ثم أجلوهم عن ديارهم وغنم المسلمون أرضهم ودورهم وأموالهم وحصونهم المنيعة بقدرة الله وهو على كل شيء قدير قال تعالى : ورد الله الذين كفروا بغيضهم لم ينالوا خيرا وكفى الله بالمؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظهورهم من أهل الكتاب من صيامهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قدير . ( الأحزاب : 25-27 ) .
تتناول الآيات ( 28-26 ) حديثا عن زوجات الرسول وكانت الغنائم قد جاءت للمسلمين وأقبل المال بعد غزوة بني قريظة ، فتطلعت زوجات الرسول إلى المتعة والنفقة الواسعة ، وقلن : يا رسول الله نساء كسرى وقيصر بين الحلي والحلل والإماء والخدم ، ونساؤك على ما ترى من هذه الحال فنزلت الآيات تخيرهن بين متاع الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة ، وخبر النبي نساءه وبدأ بعائشة فقال لها : " سأعرض عليك أمرين أرجو ألا تقطعي في اختيار أحدهما : حتى تستشيري أبويك " وقرأ عليها الآٍيتين : يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما . ( الأحزاب : 28-29 ) .
فقالت عائشة : أفيك أشاور أبوي يا رسول الله ؟ اختار الله ورسوله وقالت كل نسائه مثل ذلك ، فجعلهن الله أمهات المؤمنين وأشارت الآيات التالية إلى جزائهن المضاعف في الأجر إن اتقين وإلى العذاب المضاعف إن ارتكبن فاحشة مبينة ، لأنهن في بيت النبوة والقدوة والأسوة ، فلهن ضعف الأجران أحسن وضعف العقوبة إن أسأن فزلة العالم يقرع بها الطبل وزلة الجاهل يخفيها الجهل ثم أمرت الآيات زوجات الرسول بخفض الصوت وجعله مستقيما بدون تكسر حتى لا يطمع الشباب المنافق فيهن وحثهن على الاستقرار في البيت وعدم التبرج وتلاوة القرآن والتفقه في أحكامه واستطردت الآيات في بيان جزاء المؤمنين والمؤمنات كافة ، وكان هذا هو الفصل الثالث في سورة الأحزاب .
أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم للناس كافة فحرر العبيد وعلم الناس المساواة وكرم إنسانية الإنسان وبين أن الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى .
وخطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة رضي الله عنه فاستنكفت وقالت أنا خير منه حسبا وكانت امرأة فيها حدة- فأنزل الله تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا . ( الأحزاب : 36 ) فقالت زينب : هل رضيته لي يا رسول الله زوجا ؟ قال رسول الله " نعم " قالت : إذن لا أعصى الرسول صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي .
وتم هذا الزواج ولأمر أراده الله لم يدم طويلا ، فقد كانت زينب تفخر على زيد بن حارثة بأنها حرة قرشية جميلة ، وأنه عبد لا يدانيها في نسبها وحسبها ، فلما تكرر ذلك منها عزم زيد على طلاقها ، وذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أمسك عليك زوجك واتق الله " رغبة في إبقاء هذا الزواج وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بوحي من السماء أن زينب ستطلق وأنها ستكون زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم ليبطل بهذا الزواج آثار التبني بسابقة عملية يختار لها الرسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه لشدة عمق هذه العادة في البيئة العربية وصعوبة الخروج عليها ولما طلقت زينب من زيد خطبها النبي لنفسه ونزل الوحي من السماء بذلك ، حتى كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات .
ولم تمر المسألة سهلة ، فقد فوجئ بها المجتمع الإسلامي كله كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول تزوج حليلة ابنه .
وكانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد لأن العرف السائد كان يعد زينب مطلقة ابن محمد فلا تحل له حتى بعد إبطال عادة التبني في ذاتها ولم يكن قد نزل بعد إحلال مطلقات الأدعياء إنما كان حادث زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب هو الذي قرر القاعدة عمليا ، بعدما قوبل هذا القرار بالدهشة والمفاجأة والاستنكار .
وفي هذا ما يهدم كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث والتي تشبث بها أعداء الإسلام قديما وحديثا وصاغوا حولها الأساطير المفتريات إنما كانا الأمر أمر الله تحمله النبي صلى الله عليه وسلم وواجه به المجتمع الكاره لهذا الأمر كل الكراهية حتى ليتردد النبي في تحمله ومواجهة الناس به .
قال تعالى : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائكم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا . ( الأحزاب : 37 ) .
واستمرت الآيات توضح أنه لا حرج على النبي صلى الله عليه وسلم فيما فرض الله له ، فقد فرض له أن يتزوج زينب وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء وذكرت الآيات أن محمدا لم يكن أبا أحد من رجال العرب حتى يحرم عليه الزواج من مطلقته وإنما محمد رسول الله وخاتم النبيين فهو يشرع الشرائع الباقية لتسير عليها البشرية إلى يوم الدين ثم حثت الآيات على ذكر الله وطاعته .
وقد استغرق هذا الموضوع الرابع الآيات من 36 44 .
يستغرق الموضوع الخامس الآيات من 45إلى آخر السورة ويبدأ ببيان حكم المطلقات قبل الدخول ثم يتناول تنظيم الحياة الزوجية للنبي صلى الله عليه وسلم فيبين من تحل له من النساء المؤمنات ومن تحرم عليه ، ويستطرد إلى تنظيم علاقة المسلمين ببيوت النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته في حياته وبعد وفاته وتقرير احتجابهن إلا على آبائهن أو إخوانهم أو أبناء إخوانهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن وإلى بيان جزاء الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أزواجه وبيوته وشعوره وهددهم باللعن في الدنيا والآخرة مما يشي بأن المنافقين وغيرهم كانوا يأتون من هذا شيئا كثيرا .
ويعقب على هذا بأمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين كافة أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذن . ( الأحزاب : 59 ) .
وبتهديد المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة ، بتسليط النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وإخراجهم من المدينة كما خرج بنو قينقاع من قبل وبنو النضير بعدهم أو القضاء عليهم كما وقع لبني قريظة ، وكل هذا يشير إلى إيذاء هذه المجموعة للمجتمع الإسلامي بوسائل شريرة خبيثة .
ثم ذكر من شرور هؤلاء الناس أنهم كانوا يسألون النبي عن وقت الساعة على سبيل الاستهزاء والاستخفاف وأجابهم بأن علم الساعة عند الله ولوح بأنها قد تكون قريبا وأتبع هذا بمشهد من مشاهد القيامة حيث يتقلب المجرمون في جهنم ويتمرغون في العذاب والندامة . ثم تعقب السورة بنهي المؤمنين عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يكونوا كالذين آذوا موسى بالطعن عليه ثم برأه الله وجعله نزيها وجيها .
في آخر السورة نجد آية شهيرة تكشف عن جسامة العبء الملقى على عاتق البشرية ، وعلى عاتق الجماعة الإسلامية بصفة خاصة ، وهي التي تنهض وحدها بعبء الأمانة الكبرى أمانة العقيدة والاستقامة عليها .
لقد عرض الله حمل الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين حملها لخطر أمرها وحملها الإنسان الذي خلق مزودا بالإرادة والكسب والاختيار والقدرة على الطاعة والمعصية .
فالسماء والأرض والجبال والبحار والكون كله يخضع لله خضوع القهر والغلبة ، ولا يحتمل التكاليف ولا يسمع أن يتحمل الأمانة والتكاليف الشرعية ، فيثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية إنما الإنسان وحده الذي ميزه الله بالعقل والإرادة ، وكرمه وفضله بالكسب والاختيار فله قدرة على الطاعة وقدرة على الظلم والجهل وقد استعمر الله الإنسان في الأرض واستخلفه فيها ليعلمه أنه وحده هو الذي يصلح خليفة عنه لما ركز في غرائزه وطبائعه من حب التنافس والتسابق في عمارة الأرض فمن أطاع الله من طائفة الإنسان فله الجنة وله التوبة عند الخطأ ومن كفر ونافق فله العذاب والعقاب قال تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كانا ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما . ( الأحزاب : 72-73 ) .
{ يأيها النبيء اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما( 1 ) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا( 2 ) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا( 3 ) }
اتق الله : دم على تقواه أو زد على ما أنت عليه من تقوى ، وفيه توجيه للمؤمنين بتقوى الله فإن أمر الأعلى يراد به الأدنى من باب أولى .
ولا تطع الكافرين : فيما يخالف( شريعتك وأوامر ربك .
عليما حكيما : واسع العلم عظيم الحكمة .
{ يأيها النبيء اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما }
" إن الإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة يقوم على هذه الشريعة نظام وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام " . 2
وقد بدئت السورة بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى تقوى الله ومراقبته وامتثال أمره والابتعاد عن نواهيه وهو توجيه لأمته على توالي العصور والدهور .
قال طلق بن حبيب : التقوى هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله .
{ ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما } لا تستجيب لمطالبهم ولا تستمع لنصائحهم المغرضة بتخصيص بعض المجالس للأغنياء وطرد الضعفاء والفقراء عن هذه المجالس وقد كان ضغط الكافرين والمنافقين عنيفا في المدينة وما حولها في هذه الفترة التي نزلت فيها السورة حوالي سنة خمس من الهجرة .
فهو العليم بما يضمرونه الحكيم : في تدبير أمرك وأمر أصحابك وسائر شؤون خلقه فهو أحق أن تتبع أوامره وتطاع .
قوله تعالى : { يا أيها النبي اتق الله } نزلت في أبي سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبي الأعور عمرو بن سفيان السلمي ، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بعد قتال أحد ، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه ، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وطعمة بن أبيرق ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا ، اللات والعزى ومناة ، وقل : إن لها شفاعة لمن عبدها ، وندعك وربك ، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم ، فقال عمر : يا رسول الله ائذن لنا في قتلهم ، فقال : إني قد أعطيتهم الأمان ، فقال عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله تعالى : { يا أيها النبي اتق الله } أي : دم على التقوى ، كالرجل يقول لغيره وهو قائم : قم ها هنا ، أي : اثبت قائماً . وقيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة . وقال الضحاك : معناه اتق الله ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم . { ولا تطع الكافرين } من أهل مكة ، يعني : أبا سفيان ، وعكرمة ، وأبا الأعور ، { والمنافقين } من أهل المدينة ، عبد الله بن أبي ، وعبد الله بن سعد ، وطعيمة { إن الله كان عليماً } بخلقه ، قبل أن خلقهم ، { حكيماً } فيما دبره لهم .
1- سورة الأحزاب هي السورة الثالثة والثلاثون في ترتيب المصحف وهي من السور المدنية ، وكان نزولها بعد سورة آل عمران ، أي : أنها من أوائل السور المدنية ، إذ لم يسبقها في النزول بعد الهجرة سوى سور : البقرة والأنفال وآل عمران .
ويبدو : أن نزولها كان في الفترة التي أعقبت غزوة بدر ، إلى ما قبل صلح الحديبية . وعدد آياتها ثلاث وسبعون آية .
2- وقد افتتحت سورة الأحزاب بنداء من الله –تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم ، نهته فيه عن طاعة المنافقين والكافرين ، وأمرته بالمداومة على طاعة الله –تعالى- وحده ، وباتباع أمره ، وبالتوكل عليه –سبحانه- .
قال –تعالى- : [ يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما . واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا* وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ] .
3- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان حكم الله –تعالى- في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع في ذلك الوقت ، فأبطلت التبني ، كما أبطلت ما كان سائدا في المجتمع من عادة الظهار ، وهو أن يقول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، فتصير محرمة عليه حرمة مؤبدة .
قال –تعالى- : [ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ، وما جعل أدعياءكم أبناءكم ، ذلكم قولكم بأفواهكم ، والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل . ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ] .
4- ثم بين –سبحانه- بعد ذلك بعض الأحكام التشريعية الأخرى ، كوجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة تفوق طاعتهم لأنفسهم ، ولوجوب تعظيم المسلمين لزوجاته صلى الله عليه وسلم كتعظيم أمهاتهم ، وكوجوب التوارث بين الأقارب بالطريقة التي بينها سبحانه – في آيات أخرى ، وإبطال التوارث عن طريق المؤاخاة التي تمت بعد الهجرة بين المهاجرين والأنصار .
قال –تعالى- : [ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجه أمهاتهم ، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، كان ذلك في الكتاب مسطورا ] .
5- ثم وجه –سبحانه- نداء إلى المؤمنين ، ذكرهم فيه بجانب من نعمه عليهم ، حيث دفع عنهم جيوش الأحزاب ، وأرسل على تلك الجيوش جنودا من عنده لم يروها ، وكشف عن رذائل المنافقين التي ارتكبوها في تلك الغزوة ، ومدح المؤمنين الصادقين على وفائهم بعهودهم وكافأهم على ذلك بأن أورثهم أرض أعدائهم وديارهم .
قال –تعالى- : [ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال . وكان الله قويا عزيزا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم . وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا ] .
وبعد هذا الحديث المفصل عن غزوة الأحزاب ، والذي استغرق ما يقرب من عشرين آية ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن يخيرهن بين التسريح بإحسان ، وبين الصبر على شظف العيش ، ليظفرن برضا الله –تعالى- كما وجهت نداء إليهن أمرتهن فيه ، بالتزام الآداب الدينية التي تليق بهن . لأنهن في مكان القدوة لسائر النساء .
كما أمرتهن بالبقاء في بيوتهن ، فلا يخرجن لغير حاجة مشروعة . ومثلهن في ذلك مثل سائر نساء المسلمين . حتى يتفرغن لرعاية شئون بيوتهن التي هي من خصائصهن وليست من خصائص الرجال .
ثم ختم –سبحانه- تلك التوجيهات الحكيمة ببيان الثواب الجزيل الذي أعده للمؤمنين والمؤمنات ، فقال –تعالى- : [ إن المسلمين والمسلمات . والمؤمنين والمؤمنات . والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات . والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات . والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين والحافظات . والذاكرين الله كثيرا والذاكرات . أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيماً ] .
1- ثم أشارت السورة بعد ذلك إلى قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش . وإلى الحكمة من ذلك . وإلى تطليق زيد بن حارثة لها . وإلى أن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهذه الحادثة . كان بأمر الله –تعالى- وإذنه .
قال –تعالى- : [ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ، سنة الله في الذين خلوا من قبل . وكان أمر الله قدرا مقدورا* الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا . ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله وخاتم النبيين ، وكان الله بكل شيء عليما ] .
ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالإكثار من ذكر الله –تعالى- ومن تسبيحه وتنزيهه . كما وجهت نداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بينت له فيه وظيفته ، قال –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا . وسبحوه بكرة وأصيلا . هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما . تحيتهم يوم يلقونه سلام ، وأعد لهم أجرا كريما ، يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا . وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا . وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ] .
2- ثم تحدثت السورة بعد ذلك بشيء من التفصيل عن بعض الأحكام التي تتعلق بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبعلاقته صلى الله عليه وسلم بهن من حيث القسم وغيره ، ومن حيث الزواج بغيرهن .
كما تحدثت عن الآداب التي يجب على المؤمنين أن يلتزموها عند دخولهم بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة منه . لأجل تناول طعام ، أو لأجل أمر من الأمور الأخرى التي تتعلق بدينهم أو دنياهم .
ثم ختمت هذه الآيات بقوله –تعالى- [ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما ] .
3- وبعد هذا البيان المفصل لكثير من الأحكام والآداب ، أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في تهديد المنافقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وفي بيان أن سنن الله في خلقه لا تتخلف ، وأن علم وقت قيام الساعة إلى الله –تعالى- وحده ، وأن الإصرار على الكفر يؤدي إلى سوء العاقبة ، وأن السير على طريق الحق . يؤدي إلى مغفرة الذنوب . وأن الإنسان قد ارتضى حمل الأمانة . التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال .
قال –تعالى- : [ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا . ليعذب الله المنافقين والمنافقات ، والمشركين والمشركات ، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ، وكان الله غفورا رحيما ] .
4- ومن هذا العرض المجمل لآيات سورة الأحزاب ، نرى أنها قد اهتمت بموضوعات من أبرزها ما يلي :
( أ ) كثرة التوجيهات والإرشادات ، من الله –تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى أفضل الأحكام ، وأقوم الآداب ، وأهدى السبل .
وهذه التوجيهات والإرشادات . نراها في كثير من آيات سورة الأحزاب لاسيما التي نادت الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف النبوة .
ومن ذلك قوله –تعالى- : [ يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ] .
وقوله –سبحانه- [ يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ] .
وقوله –عز وجل- : [ يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ] .
وقوله –تعالى- : [ يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ] .
وقوله –سبحانه- : [ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن .
( ب ) أمر المؤمنين بطاعة الله –تعالى- ، وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونهيهم عن كل ما من شأنه أن يتعارض مع تشريعات الإسلام ومع آدابه .
وهذه الأوامر والنواهي ، نراها في كثير من آيات هذه السورة الكريمة .
ومن ذلك قوله –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ] .
وقوله –سبحانه- : [ يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها . . . ] .
وقوله –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ، فبرأه الله مما قالوا ] .
وقوله –سبحانه- : [ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ] .
( ج ) هذه السورة الكريمة تعتبر على رأس السور القرآنية التي اهتمت ببيان فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم وحقوقهن ، وواجباتهن وخصائصهن .
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله –تعالى- : [ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين . . . ] .
وقوله –سبحانه- : [ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ، فلا تخضعن بالقول . . . ] .
وقوله –تعالى- : [ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، وأقمن الصلاة ، وآتين الزكاة وأطعمن الله ورسوله . . . ] .
وقوله –سبحانه- : [ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ، ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك . . . ] .
وقوله –تعالى- : [ . . . وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا . . . ] .
وقوله –عز وجل- : [ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم . . . ] .
( د ) هذه السورة تعتبر من أجمع السور القرآنية التي تعرضت لكثير من الأحكام الشرعية ، والآداب الاجتماعية ، التي لا تتغير بتغير الزمان أو المكان .
ومن ذلك حديثها عن الظهار ، وعن النبي . وعن التوارث بين الأقارب دو غيرهم ، وعن وجوب تقديم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على طاعة الإنسان لنفسه ، وعن وجوب التأسي به ، وعن وجوب الابتعاد عن كل ما يؤذيه أو يجرح شعوره ، وعن وجوب الخضوع لحكم الله –تعالى- ولحكم رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال –تعالى- : [ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ] .
( ه ) السورة الكريمة فصلت الحديث عن غزوة الأحزاب ، التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة بين المسلمين وأعدائهم .
فبدأت حديثها عن تلك الغزوة بتذكير المؤمنين بفضل الله –تعالى- عليهم في هذه الغزوة ، ثم صورت أحوالهم عند إحاطة جيوش الأحزاب بالمدينة المنورة .
قال –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيرا . إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنون بالله الظنونا ] .
ثم حكت أقوال المنافقين القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، وردت عليهم بما يفضحهم ، وبما يكشف عن سوء أخلاقهم .
قال –تعالى- : [ أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ، وكان ذلك على الله يسيرا ] .
ثم مدحت المؤمنين الصادقين لوفائهم بعهودهم ، ولشجاعتهم في مواجهة أعدائهم .
قال –سبحانه- : [ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما . من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا ] .
وكما بدأت السورة حديثها عن غزوة الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعم الله عليهم –ختتمته- أيضا – بهذا التذكير ، لكي يزدادوا شكرا له –عز وجل- .
قال –تعالى- : [ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لهم تطؤوها . وكان الله على كل شيء قديرا ] .
( و ) والخلاصة أن المتأمل في سورة الأحزاب ، يراها زاخرة بالأحكام الشرعية ، والآداب الاجتماعية ، وبالتوجيهات الربانية ، تارة من الله –تعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم وتارة لأزواجه صلى الله عليه وسلم ، وتارة للمؤمنين .
كما يراها تهتم اهتماما واضحا بتنظيم المجتمع الإسلامي تنظيما حكيما ، من شأنه أن يأخذ بيد المتبعين له إلى السعادة الدنيوية والأخروية .
افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم وبهذا الوصف الكريم ، وهو الوصف بالنبوة ، على سبيل التشريف والتعظيم .
قال صاحب الكشاف : جعل - سبحانه - نداءه بالنبى والرسول فى قوله : { ياأيها النبي } . { ياأيها الرسول } وترك نداءه باسمه ، كما قال : يا آدم ، يا موسى ، يا عيسى ، يا داودك كرامة له وتشريفا ، وتنويها بفضله .
فإن قلت : إن لم يوقع فى النداء . فقد أوقعه فى الإِخبار ، فى قوله : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله } قلت : ذلك لتعليم الناس بأنه رسول ، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به .
والمراد بأمره بتقوى الله : المداومة على ذلك ، والازدياد من هذه التقوى .
أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله ، وعلى مراقبته ، وعلى الخوف منه ، وأكثر من ذلك ، فإن تقوى الله ، على رأس الفضائل التى يحبها - سبحانه - .
قال ابن كثير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه - تعالى - إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى .
وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجوا ثواب الله .
وبعد الأمر بالتقوى ، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال - تعالى - : { وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } . أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله ، واجتنب طاعة الكافرين الذين جحدوا نعم الله عليهم ، وعبدوا معه آلهة أخرى ، واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر .
وفى إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى الله ، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود عنيفة ، لزحزحة النبى صلى الله عليه وسلم عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن دعوتهم إلى الإِسلام .
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن جماعة من أهل مكة ، طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله ، وأن يعطوه شطر أموالهم ، وأن المنافقين واليهود بالمدينة هدوده بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى الإِسلام ، فنزلت .
وقوله - تعالى - { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } : تعليل الأمر والنهى ، أى : اتبع ما أمرناك به ، ومنا نهيناك عنه ، لأن الله - تعالى - عليم بكل شئ ، وحكيم فى كل أقواله وأفعاله .