{ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون( 219 ) في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم( 220 ) }
الخمر : ما أسكر من عصير العنب ، ثم أصبح اسما لكل ما أسكر ، وسميت خمر لأنها تستر العقول ***
وتغطيه ، من خمر شيء إذا ستره وغطاه .
الميسر : القمار من اليسر وهو السهولة ، لأنه كسب بلا مشقة ولا كد .
الإثم : الذنب أو الشر أو الضرر .
العفو : الفضل والزيادة على الحاجة .
{ يسألونك عن الخمر والميسر . . . }
أي يسألونك عن حكم تناول الخمر ، أحلال أم حرام ، ومثل بيعها وشراؤها ونحو ذلك مما يدخل في التصرفات التي تخالف الشرع وعن حكم استعمال الميسر وفعله .
{ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما . . . }
أي قل لهم : إن في تعاطي الخمر والميسر إثما لأن فيهما أضرارا كثيرة ومفاسد عظيمة ، وفيهما منافع للناس وضررهما أكبر من نفعهما .
أما ضرر الخمر من أي نوع اتخذت فقد أثبته الطب بما لا يدع مجالا للشك فيه ، فإن شرب الخمر يؤدي إلى التهاب الكبد وضعف المعدة وضعف مقاومة الجسم للأمراض وقد ثبت من بحوث عديدة بالمستشفيات العامة أن نسبة الوفيات بين المدمنين ترتفع على خمسين في المائة ، على حين لا تتجاوز نسبتها في غير المدمنين أربعا وعشرين في المائة( 126 ) .
وتأثيرها في العقول ملموس فقد تمت تجارب عديدة ثبت منها الغول( الكحول ) المتولد في الخمر سبب مباشر لخمس الإصابات في مستشفى الأمراض العقلية( 163 ) .
1 . الخمر مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه خمار المرأة ، وكل شيء غطى شيئا فقد خمره ، ومنه :
" خمروا آنيتكم " فالخمر تخمر العقل أي تغطيه وتستره .
2 . سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى لأدركت كما يقال : قد اختمر العجين أيبلغ إدراكه ، وخمر الرأي أي ترك حتى يتبين فيه الوجه .
3 . سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل من المخامرة وهي المخالطة ، ومنه قولهم دخلت في خمار الناس أي اختلطت بهم .
والمعاني الثلاثة متقاربة ، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل والأصل الستر( 164 ) .
أجمع جمهور العلماء على أن كلمة خمر تشمل كل شرب مسكر ، سواء كان من عصير العنب أم من الشعير أممن التمر أم من غير ذلك ، وكلها سواء في التحريم . قل المشروب منها أم كثر ، سكر شاربه أم لم يسكر ، ومن أدلتهم ما رواه الإمام مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها ، لم يشربها في الآخرة " ( 165 ) .
ومن أدلتهم أيضا أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر ، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره ، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره .
وقال أبوا حنيفة والثوري وابن أبى ليلي وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : " إن كلمة الخمر لا تطلق إلا عللا الشراب المسكر من عصير العنب فقط ، أما السكر من غيره كالشراب المتخذ من التمر أو الشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذا ، وقد بنوا على هذا أن المحرم قليله وكثيره إنما هو الخمر من العنب .
أما الأنبذة فكثيرها حرام وقليلها حلال ، وإذا سكر منها احد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه .
ورأى الحنيفة ومن وافقهم رأي ضعيف يرده النظر والخبر( 166 ) .
قال ابن العربي : وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لهم خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها ، والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال : حمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل ، وعامة خمرها البسر والتمر . أخرجه البخاري واتفق الأئمة عن رواية " أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب ، وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم أي أواني الخمر وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك طله خمر " أي وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك( 167 ) .
وقال الألوسي : " وعندي أن الحق الذي ينبغي العدول عنه أن الشراب المتخذ مما عدا العنب ، كيف كان وبأي اسم سمى ، متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده حرام ، وقليله ككثيره ويحد شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة . وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " ( 168 ) . والأحاديث متضافرة على ذلك ولعمر إن اجتماع الفسق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها ، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير ، وقد وضعوا لها أسماء كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة ، وتبيح شربها للأمة وهيهات هيهات فالأمر وراء ما يظنون ، وإنا لله وإنا إليه راجعون " ( 169 ) .
ادعى بعض المعاصرين أن القرآن لم ينص على تحريم الخمر ، بل قال " فاجتنبوه " وهو في نظرهم حث على الاجتناب وليس أمرا قاطعا يدل على تحريم الخمر .
ونقول لهؤلاء : إن الله عز وجل حرم الخمر تحريما قاطعا .
فذكر القرآن أنها رجس من عمل الشيطان ، وأمر باجتنابها ونهانا عن الاقتراب منها باستفهام تقريعي يدل على غاية التهديد قال سبحانه : { فهل أنتم منتهون ؟ }
وعندما سمع الصحابي الآيتين90-91 من سورة المائدة قالوا : انتهينا ، وأريقت الخمر في شوارع المدينة .
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى اتله عليه وسلم بروايات متعددة وأسانيد مختلفة تثبت حرمة الخمر وضررها .
قال صلى الله عليه وسلم : " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه " ( 170 ) .
" والأحاديث في تحريم الخمر أكثر من أن تحصى حتى قال العلماء : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر ، وأجمعت الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على تحريمها وبذلك استقرت الحرمة حكما للخمر في الإسلام وصارت حرمتها من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن لوازم ذلك أم من استحلها وأنكر حرمتها ، يكون خارجا عن الإسلام وأم من يتناولها طائعا مختارا يكون فاسقا عن أمر الله خارجا عن حدوده عاصيا لأحكامه( 171 ) .
من أحكام الإسلام في الخمر ما يأتي :
حرمة تناولها ، حرمة الانتفاع بذاتها ، حرمة إهدائها حرمة بيعها والانتقام بمثلها ، إهدار قيمتها ، وجوب العقوبة عليها إثبات مضارها الصحية والعقلية والمالية والنفسية .
الخمر مفتاح كل شر ، فلإنسان إذا سكر هذى إذا هذى افترى وتجرأ على المنكر القبيح " ثم إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته ، وربما يمسح بهما وجهه ، حتى رأى بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " .
بل إن الخمر دليل على الزنا ، ومن القولة المشهورة لأحد الفضلاء أيشرب هذا نساؤكم ؟ قالوا نعم . قال : زنين ورب الكعبة .
" والخمر والميسر يجران إلى الإثم والمخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله " .
" روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فهي أم الخبائث ، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها ، فقالت له : إنا ندعوك للشهادة . فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذا الخمر كأسا ، أو تقتل هذا الغلام ، قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته ، قال : زيدوني ، فلم يبرح حتى وقع عليها ، وقتل النفس . فاجتنبوا الخمر فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه( 173 ) .
" وروى أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم لقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم أنه يرد محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة ، فقال : إن خدمة الرب واجبة ، فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء ، فقال : اصطناع المعروف واجب ، فقيل له : إنه ينهى عن الزنى ، فقال : هو فحش وقبح في العقل ، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه ، فقيل له : إنه ينهي عن شرب الخمر ، فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه . فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجه إليه ، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات( 174 ) .
" وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة( 175 ) ابنته وهو سكران ، وسب أبويه ورأى القمر فتكلم في شيء ، وأعطى الخمار كثيرا من ماله فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه ، وفيها يقول :
رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا ولا أشفى بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها وتجنبهم بها الأمر العضيما
وغير فؤادي للغواني رمية *** وغير بناني للزجاج ركاب
وللسر منى موضع لا يناله *** صديق ولا يطغى إليه شراب
وللخمود مني ساعة ثم بيننا *** فلاة على غير اللقاء تجاب
وما العشق إلا عزة وطماعة *** يعرض قلب نفسه فيصاب
تركنا لأطراف القنا كل شهوة *** فليس لنا إلا بهن لعاب
الميسر هو القمار بكسر القاف وهو في الأصل مصدر ميمي من يسر كالموعد من عد ، وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة ، لأن المال يجيء للكاسب من غير جهد ، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ ثم أصبح علما على ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه .
وقال القرطبي : " الميسر قمار العرب بالأزلام ، قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه بماله وأهله فنزلت الآية " ( 176 ) .
وصفة الميسر الذي كانت تستعمله العرب ، أنهم كانت لهم عشرة أقداح تسمى الأزلام والأقلام أيضا ( واحدها قدح وزلم وقلم وهي قطع من الخشب ) وأسماؤها الفذ والتؤم والرقيب والجلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفح والرغد ، لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها إما عشرة أجزاء أو ثمانية وعشرون جزءا ولا شيء للثلاثة الأخيرة .
فكانوا يعطون للفذ سهما ، وللتؤم سهمين ، وللرقيب ثلاثة ، وللجلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة ومن ثم يضرب به المثل فيقال لذي الحظ الكبير من كل شيء( هو صاحب القدح المعلى ) .
ومجموع هذه الأنصباء 28 سهما كالآتي :
وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الرعاية وهي الخريطة توضع على يد عدل يجلجلها ، ويدخل يده فيها ويخرج منها واحدا باسم رجل ثم واحد باسم رجل آخر وهكذا ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، زمن خرج له القدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها شيئا ، ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم ( الوغد : اللئيم عديم المروءة ) .
واتفق العلماء على أن كل ذلك حرام كالقمار على النرد والشطرنج وغيرهما إلا ما أباح الشرع من الرهان في السباق والرماية ترغيبا فيهما للاستعداد للجهاد .
" ومن مضارات الميسر إفساد التربية بتعويد النفس على الكسل وانتظار الرزق من الطرق الوهمية ، وإضعاف القوى العقلية بترك الأعمال المفيدة من طرق الكسب الطبيعية ، وإهمال المقامرين للزراعة والصناعة والتجارة التي أركان العمران ، ومن أشهر مضرات القمار تخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة ، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في الغنى والعز وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة ، فأصبحت غنية وأمست فقيرة لا قدرة لها على أن تعيش على ما تعودت عليه من السعة . ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما السلامة من أثرهما ، ، فللخمر تأثير في الأعصاب يدعو صاحبه إلى العودة إليها ، وأما الميسر فإن صاحبه كلما ربح طمع في المزيد ، وكلما خسر طمع في تعويض الخسارة ، ويضعف الإدراك حتى تعز مقاومة هذا الطمع الوهمي وهذا شر في هاتين الجريمتين " ( 177 ) .
إن من رحمة الله بهذه الأمة وإكرامه لها ، أنه لم يترك شيئا من أسباب الاضمحلال والفساد إلا حذرها منه ، وبين لها مضرته وسوء عاقبته ، كما أنه سبحانه تدرج في التشريع الإلهي وسلك سبيل اليسر والهداية إلى النفوس رحمة منه بعباده ، وتخفيفا عنهم قال تعالى :
{ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم*والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما*يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } . ( النساء : 26-28 ) .
{ ويسألونك عن ماذا ينفقون قل العفو }
المعنى ويسألونك ما الذي يتصدقون به من أموالهم في وجوه البر ، فقل لهم تصدقوا بما زاد عن حاجتكم ، وسهل عليكم إخراجه ، ولا يشق عليكم بذله .
المراد العفو ، ما بفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة ، إذ هذا القدر هو الذي يتيسر إخراجه ، ويسهل بذله ولا يتضرر صاحبه بالتبرع به .
وهذا الجزء من الآية مرتبط بما قبله ارتباطا وثيقا ، فهو في الإنفاق فيما يحل ، وما قبله في الإنفاق فيما يحرم ، وهو معطوف على : { يسألونك عن الخمر } . عطف القصة على القصة .
وفي نصوص الدين ما يحث على التعاون والتراحم ، وما يوجه إلى المنهاج الوسط في الإسلام ، فليس من الخير أن ينفق الإنسان ماله كله ثم يبقى عالة يسأل الناس ، وليس من الحكمة أن يمسك الإنسان ماله ويبخل به على كل خير أو بر . ومن سماحة الإسلام انه حث على الصدقة ورغب أن تكون من فائض مال الإنسان وفيما زاد عن حاجته وحاجة عياله وفيما استغنى عنه حتى تخرج الصدقة من يده سهلة سمحة ، لا تتطلع نفسه إليها ولا تطمع فيها .
أخرج الشيخان وغيرهما ، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى : وابدأ بمن تعول " ( 178 ) .
وفي صحيح مسلم عن جابر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " ( 179 ) .
ويقول الإمام محمد عبده : " عن الأمة المؤلفة من مليون فرد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها الهامة كإعداد القوة وتربية الناشئة ، تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مائة مليون فرد لا يبذلون شيئا في مثل ذلك ، لأن الواحد من الأمة الأولى يعد بأمة إذ هو يعتبر نفسه جزءا منها وهي كل له ، بينما الأمة الثانية لا تعد بواحدة لأن كل فرد من أفرادها يخذل الآخر . . وفي الحقيقة إن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة ، لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان في جانبه أهل الأرض ، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم " ( 180 ) .
ولما كان الشراب مما أذن فيه في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من التمر والزبيب وكانت بلادهم حارة فكان ربما اشتد فكان عائقاً عن العبادة لا سيما الجهاد لأن{[9869]} السكران لا ينتفع به في رأي ولا بطش ولم يكن ضرورياً في إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن فرغ{[9870]} مما هو أولى منه بالإعلام وختم{[9871]} الآيات المتخللة{[9872]} بينه وبين آيات الإذن بما بدأها به من الجهاد ونص فيها على أن{[9873]} فاعل أجد الجدّ وأمهات الأطايب{[9874]} من الجهاد وما ذكر معه{[9875]} في محل الرجاء للرحمة فاقتضى الحال السؤال : هل سألوا عن أهزل الهزل وأمهات الخبائث ؟ فقال معلماً بسؤالهم عنه مبيناً لما اقتضاه الحال من حلمه{[9876]} فيبقى ما{[9877]} عداه على الإباحة المحضة : { يسئلونك عن الخمر{[9878]} } الذي هو أحد ما غنمه عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في سريته التي أنزلت الآيات السالفة بسببها{[9879]} .
قال الحرالي : وهو مما{[9880]} منه الخمر - بفتح الميم - وهو ما وارى من شجر ونحوه ، فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن بمنزلة الخمر - بالفتح - فيما يستظهر ، كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته{[9881]} العجماء ، {[9882]}وهي ما أسكر من أي شراب كان سواء فيه القليل والكثير{[9883]} { والميسر } قال الحرالي : اسم مقامرة كانت الجاهلية تعمل بها{[9884]} لقصد انتفاع الضعفاء وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى{[9885]} . وقرنهما سبحانه وتعالى لتآخيهما{[9886]} في الضرر بالجهاد وغيره بإذهاب المال مجاناً عن غير طيب{[9887]} نفس ما بين سبحانه وتعالى من المؤاخاة بينهما هنا وفي المائدة وإن كان سبحانه وتعالى اقتصر هنا على ضرر الدين وهو الإثم لأنه أسّ يتبعه كل ضرر فقال في الجواب : { قل فيهما } أي في استعمالهما { إثم كبير } لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع{[9888]} من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير فهذا مثبت{[9889]} للتحريم بإثبات الإثم ولأنهما من الكبائر . قال الحرالي : في قراءتي الباء الموحدة والمثلثة إنباء عن مجموع الأمرين من كبر المقدار وكثرة العدد و{[9890]}واحد من هذين مما يصد {[9891]}ذا الطبع{[9892]} الكريم والعقل الرصين{[9893]} عن الإقدام عليه بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل فكيف عن الكبير الكثير - انتهى . { ومنافع للناس } يرتكبونهما{[9894]} لأجلها{[9895]} من التجارة في الخمر واللذة بشربها ، ومن أخذ المال الكثير في الميسر وانتفاع الفقراء وسلب الأموال والافتخار على الأبرام والتوصل بهما إلى مصادقات{[9896]} {[9897]}الفتيان ومعاشراتهم{[9898]} والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم{[9899]} ودرء{[9900]} المفاسد مقدم فكيف { وإثمهما أكبر من نفعهما } وفي هذا كما قال الحرالي تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين و{[9901]}تفاوت الشرين - انتهى . {[9902]}قال أبو حاتم أحمد بن أحمد{[9903]} الرازي في كتاب الزينة : وقال بعض أهل المعرفة : والنفع الذي ذكر الله في الميسر أن العرب في الشتاء والجدب كانوا يتقامرون بالقداح على الإبل ثم يجعلون لحومها لذوي الفقر{[9904]} والحاجة فانتفعوا واعتدلت أحوالهم ؛ قال الأعشى في ذلك :
المطعمو الضيف إذا ما شتوا *** والجاعلو القوت على الياسر
انتهى . و{[9905]}قال غيره : وكانوا يدفعونها للفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من {[9906]}لم يدخل فيه ويسمونه البرم ، وبيان المراد من الميسر عزيز الوجود مجتماً وقد استقصيت ما قدرت عليه منه إتماماً للفائدة قال المجد{[9907]} الفيروز آبادي في قاموسه : والميسر اللعب بالقداح{[9908]} ، يسر ييسر ، أو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها ، أو النرد{[9909]} أو كل قمار - انتهى .
{[9910]}وقال صاحب كتاب{[9911]} الزينة{[9912]} : وجمع الياسر يسر وجمع اليسر أيسار فهو جمع الجمع مثل حارس وحرس{[9913]} وأحراس{[9914]} - انتهى{[9915]} . والقمار كل مراهنة{[9916]} على غرر محض وكأنه مأخوذ من القمر آية الليل ، لأنه يزيد مال{[9917]} المقامر تارة وينقصه أخرى كما يزيد القمر وينقص ؛ وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين وعبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : قال مجاهد : كل شيء فيه قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز{[9918]} ، و{[9919]}في تفسير الأصبهاني عن الشافعي : إن الميسر{[9920]} ما يوجب دفع مال أو أخذ مال ، فإذا خلا{[9921]} الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن ميسراً . وقال الأزهري : الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه ، سمي ميسراً لأنه يجزأ{[9922]} أجزاء فكأنه موضع التجزئة ، وكل شيء جزأته{[9923]} فقد يسرته ، والياسر الجازر{[9924]} لأنه يجزىء لحم الجزور ، قال{[9925]} وهذا الأصل في الياسر ثم يقال للضاربين بالقداح{[9926]} والمتقامرين{[9927]} على الجزور : ياسرون ، لأنهم جازرون
{[9928]}إذ كانوا{[9929]} سبباً لذلك ، ويقال : يسر القوم - إذا قامروا ، ورجل يسر وياسر والجمع أيسار ؛ القزاز{[9930]} : فأنت ياسر وهو ميسور برجع{[9931]} والمفعول ميسور - يعني الجزور ، وأيسار جمع يسر ويسر جمع ياسر ، وقال القزاز : واليسر القوم الذين يتقامرون على الجزور ، واحدهم ياسر كما تقول : غائب{[9932]} وغيب ، ثم يجمع أيسر فيقال : أيسار ، فيكون الأيسار جمع الجمع ، ويقال للضارب بالقداح{[9933]} : يسر ، والجمع أيسار ، ويقال للنرد : ميسر ، لأنه يضرب عليها كما يضرب على الجزور ، ولا يقال ذلك في الشطرنج لمفارقتها ذلك المعنى ؛ وقال عبد الحق في الواعي : والميسر موضع التجزئة ؛ أبو عبد الله : كان أمر الميسر أنهم كانوا يشترون جزوراً فينحرونها ثم يجزئونها أجزاء ، قال أبو عمرو : على عشرة أجزاء ، وقال الأصمعي : على ثمانية وعشرين جزءاً ، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح{[9934]} ، لسبعة منها أنصباء وهي الفذ{[9935]} والتوأم والرقيب والحلس{[9936]} والنافس{[9937]} والمسبل{[9938]} والمعلي ، وثلاثة منها{[9939]} ليس لها أنصباء وهي المنيح{[9940]} والسفيح والوغد{[9941]} ، ثم يجعلونها على يد رجل عدل عندهم{[9942]} يجيلها{[9943]} لهم باسم رجل رجل ، ثم يقسمونها{[9944]} على قدر ما يخرج لهم السهام ، فمن خرج سهمه من هذه السبعة أخذ من الأجزاء بحصة ذلك ، ومن خرج له واحد من الثلاثة فقد اختلف الناس في هذا{[9945]} الموضع فقال بعضهم : من خرجت باسمه لم{[9946]} يأخذ شيئاً ولم يغرم ولكن تعاد{[9947]} الثانية و{[9948]}لا يكون{[9949]} له نصيب ويكون لغواً ؛ وقال بعضهم : بل يصير ثمن الجزور كله على أصحاب هؤلاء الثلاثة فيكونون{[9950]} مقمورين{[9951]} ويأخذ أصحاب السبعة أنصباء على ما خرج لهم فهؤلاء الياسرون . قال أبو عبيد : ولم أجد علماءنا يستقصون علم معرفة هذا ولا يدعونه ، ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاء له ، قال أبو عبيدة : وقد سألت عنه الأعراب فقالوا{[9952]} : لا علم لنا بهذا ، هذا شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون .
قال أبو عبيد : وإنما كان هذا منهم في أهل الشرف والثروة والجدة - انتهى . ولعل هذا سبب تسميته ميسراً . {[9953]}وقال صاحب الزينة : فالتي لها الغنم وعليها الغرم أي من السهام يقال لها : موسومة{[9954]} ، لأجل الفروض فإنها بمنزلة السمة ، ويكون عدد الأيسار سبعة أنفس يأخذ كل رجل قدحاً ، وربما نقص عدد الرجال عن السبعة فيأخذ الرجل منهم قدحين ، فإذا فعل ذلك مدح به وسمي مثنى الأيادي ، قال النابغة : إني أتمم إيثاري وأمنحهم{[9955]} *** مثنى الأيادي وأكسو{[9956]} الحفنة{[9957]} الأدما
وقال : ويقال للذي{[9958]} يضرب بالقداح : حرضة ، وإنما سمي بذلك لأنه رجل يجيل{[9959]} لا يدخل مع الأيسار{[9960]} ولا يأخذ نصيباً ولذلك يختارونه لأنه لا غنم له ولا غرم عليه ، والذي لا يضرب القداح ولا يدخل مع الأيسار في شيء من أمورهم يقال له : البرم ، وتجمع القداح في جلدة ، وقال بعضهم : في خرقة ، وتسمى تلك الجلدة الربابة ، أي بكسر الراء المهملة وموحدتين{[9961]} ، ثم تجمع أطرافها ويعدل بينها وتكسى{[9962]} يده أديماً لكي لا يجد مس قدح له فيه رأي وتشد{[9963]} عيناه ، فيجمع أصابعه عليها{[9964]} ويضمها كهيئة الضغث{[9965]} ثم{[9966]} يضرب رؤوسها بحاق{[9967]} راحته{[9968]} فأيها طلع من الربابة{[9969]} كان فائزاً ؛ قال : وقال غيره : تكون الربابة شبه الخريطة تجمع فيها{[9970]} القداح ثم يؤمر الحرضة{[9971]} أن يجيلها ، فمنها ما يعترض في الربابة فلا يخرج ومنها ما لا يعترض فيطلع ، فذاك يكون فائزاً{[9972]} ، ويقعد رجل أمين على الحرضة يقال له : الرقيب ، ويقال للذي يضرب بالقداح : مفيض ، والإفاضة الدفع وهو أن يدفعها دفعة واحدة إلى قدام ويجيلها ليخرج منها قدح ؛ وكذلك الإفاضة من عرفة هو الدفع{[9973]} منها إلى جمع - انتهى . وقال في القاموس : كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزوراً نسيئة ونحروه قبل أن ييسروا{[9974]} وقسموه ثمانية وعشرين سهماً أو عشرة أقسام ، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل{[9975]} ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل{[9976]} - انتهى . وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب{[9977]} : الياسر هو الضارب في القداح{[9978]} ، وهو من الميسر وهو القمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه ، وكانوا يتقامرون على الجزور أو غيره ويجزئونه أجزاء ويسهمون عليها مثلاً بعشرة لسبعة منها أنصباء وهي الفذ - إلى آخره ، ثم يخرجون ذلك ، فمن خرج سهمه من السبعة أخذ بحصته ، ومن خرج له واحد من الثلاثة لم يأخذ شيئاً ؛ ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل الإسلام ولم يكن{[9979]} أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك - انتهى .
هذا ما قالوه في مادة يسر وقد نظمت أسماء القداح تسهيلاً لحفظها في قولي :
الفذ والتوأم والرقيب *** والحلس{[9980]} والنافس يا ضريب
ومسبل مع المعلى عدواً{[9981]} *** ثم{[9982]} منيح{[9983]} وسفيح وغد
وأما ما قالوه في مادة كل اسم منها فقال في القاموس : الفذ{[9984]} أي بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة : أول سهام الميسر ، والتوأم أي بفتح الفوقانية المبدلة من الواو وإسكان الواو وفتح الهمزة - وزن كوكب : سهم من سهام الميسر أو ثانيها ، والرقيب أمين أصحاب الميسر أو الأمين على الضريب والثالث من قداح الميسر ، وقال في مادة ضرب : والضريب{[9985]} الموكل بالقداح أو{[9986]} الذي يضرب بها كالضارب والقدح الثالث ؛ وقال في الجمع بين العباب والمحكم : والرقيب الحافظ ورقيب القداح الأمين على الضريب ، وقيل : هو أمين{[9987]} أصحاب الميسر ، وقيل : هو الرجل الذي يقوم خلف{[9988]} الحرضة{[9989]} في الميسر ومعناه كله{[9990]} سواء ، وإنما قيل للعيوق : رقيب الثريا ، تشبيهاً برقيب الميسر ، والرقيب الثالث من قداح الميسر ، وفيه ثلاثة فروض ، وله غنم ثلاثة أنصباء إن فاز ، وعليه غرم ثلاثة إن لم يفز ؛ وقال في مادة ضرب : وضرب بالقداح والضريب الموكل بالقداح ، وقيل : الذي يضرب بها ، قال سيبويه : فعيل بمعنى فاعل ، والضريب القدح الثالث من قداح الميسر ، قال اللحياني : وهو الذي يسمى الرقيب ، قال : وفيه ثلاثة فروض إلى آخر ما في الرقيب ؛ وقال في القاموس : والحُرْضَة{[9991]} أي بضم المهملة وإسكان المهملة ثم معجمة أمين المقامرين{[9992]} ، والحلس بكسر المهملة وإسكان اللام ثم مهملة و{[9993]}ككتف الرابع من سهام الميسر ، والنافس بنون وفاء مكسورة ومهملة اسم فاعل خامس سهام الميسر ، ومسبل أي بسين مهملة وموحدة قال : بوزن محسن ، السادس أو الخامس من قداح الميسر ؛ وقال في مجمع البحرين : وهو المصفح أيضاً يعني بفتح الفاء ، والمعلّى كمعظم سابع سهام الميسر ، والمنيح كأمير أي بنون وآخره مهملة{[9994]} قدح بلا{[9995]} نصيب ، و{[9996]}السفيح أي بوزنه وبمهملة ثم فاء وآخره مهملة قدح من الميسر لا نصيب له ، والوغد أي بفتح ثم سكون المعجمة ثم مهملة الأحمق الضعيف الرذل{[9997]} الدنيء{[9998]} وقدح لا نصيب له ؛ وقال {[9999]}صاحب الزينة : وكانوا يبتاعون الجزور ويتضمنون ثمنه ثم يضربون بالقداح عليه ثم ينحرونه{[10000]} ويقسمونه عشرة أجزاء على ما حكاه أكثر{[10001]} علماء اللغة ، ثم يجيلون عليها القداح فإن{[10002]} خرج المعلى أخذ صاحبه سبعة أنصباء ونجا من الغرم ، ثم يجيلون عليها ثانياً فإن{[10003]} خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم ، ونفدت أجزاء الجزور ، وغرم الباقون على عدد أنصبائهم فغرم صاحب الفذ نصيباً واحداً وصاحب التوأم نصيبين فعلى ذلك يقسمون الغرم بينهم . وذكر عن الأصمعي أنه قال : كانوا يقسمون الجزور على ثمانية وعشرين جزءاً : للفذ جزء ، وللتوأم جزءان ، وللرقيب ثلاثة أجزاء - فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين جزءاً ؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء وخطؤوه وقالوا : إذا كان ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم فلا يكون إذاً قامر{[10004]} ولا مقمور ، و{[10005]}من أجل{[10006]} ذلك قالوا لأجزاء{[10007]} الجزور : أعشار{[10008]} ، لأنها عشرة أجزاء ، قال امرؤ القيس .
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي *** بسهميك{[10009]} في أعشار قلب مقتّل
جعل القلب بدلاً لأعشار{[10010]} الجزور وجعل العينين مثلاً للقدحين أي سبت{[10011]} قلبه ففازت به كما يفوز صاحب المعلى والرقيب{[10012]} ؛ وقال القزاز{[10013]} في التاء الفوقانية من ديوانه : والتوأم أحد أقداح الميسر وهو الثاني منها ، وإنما سمي توأماً بما عليه من الحظوظ{[10014]} ، وعليه حظان{[10015]} وله من أنصباء الجزور نصيبان ، وإن قمرت أنصباء الجزور غرم من خرج له التوأم نصيبين ، وذلك أنها عشرة قداح{[10016]} أولها الفذ وعليه فرض وله نصيب ، والثاني التوأم وعليه فرضان وله نصيبان ، والثالث الرقيب وعليه ثلاثة فروض وله ثلاثة أنصباء ، والرابع الحلس وعليه أربعة فروض وله أربعة أنصباء ، والخامس النافس وعليه خمسة فروض وله خمسة{[10017]} أنصباء ، والسادس المسبل وعليه ستة فروض وله ستة أنصباء ، والسابع المعلى وعليه سبعة فروض وله سبعة أنصباء ، ومنها ثلاثة لا حظوظ لها وهي السفيح{[10018]} والمنيح والوغد ، وربما سموها بأسماء غير هذه لكن ذكرنا المستعمل منها هاهنا ونذكرها{[10019]} بأسمائها في مواضعها{[10020]} من الكتاب إن شاء الله تعالى ؛ وهذه التي لا حظوظ لها ليس عليها فرض ، ولذلك تدعى أغفالاً{[10021]} لأن الغفل{[10022]} من الدواب الذي لا سمة{[10023]} له . وهيئة ما يفعلون في القمار هو أن تنحر{[10024]}{[10025]} الناقة وتقسم عشرة أجزاء فتعجل إحدى الوركين جزءاً ، والورك الأخرى{[10026]} جزء {[10027]}وعجزها جزء{[10028]} ، والكاهل جزء ، والزور وهو الصدر جزء ، والملحا{[10029]} أي ما بين الكاهل والعجز من الصلب جزء ، والكتفان وفيهما{[10030]} العضدان{[10031]} جزءان ، والفخذان{[10032]} جزءان ، وتقسم الرقبة والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء ، وما بقي من عظم أو بضعة فهو الريم{[10033]} وأصله من الزيادة على الحمل وهي التي تسمى علاوة فيأخذ الجازر{[10034]} ؛ وربما استثنى بائع الناقة {[10035]}منها شيئاً{[10036]} لنفسه{[10037]} وأكثر ما يستثنى الأطراف والرأس ، فإذا صارت الجزور على هذه الهيئة{[10038]} أحضروا رجلاً يضرب بها بينهم يقال له الحرضة فتشد عيناه ويجعل على يديه ثوب لئلا يحس القداح ثم يؤتى بخريطة فيها القداح واسعة الأسفل ضيقة الفم قدر ما يخرج منها سهم أو سهمان والقداح فيها كفصوص النرد الطوال غير أنها مستديرة فتجعل الخريطة على يدي الحرضة ، ويؤتى برجل يجعل أميناً عليه يقال له الرقيب فيقال له : جلجل القداح ، فيجلجلها في الخريطة مرتين أو ثلاثاً ، فإذا فعل ذلك أفاض بها وهو أن يدفعها{[10039]} دفعة واحدة فتندر{[10040]} من مخرجها ذلك الضيق ، فإذا خرج قدح أخذه الرقيب ، فإن كان من الثلاثة التي لا فروض {[10041]}عليها رده{[10042]} إلى الخريطة وقال : {[10043]}أعد ، وإن{[10044]} كان من السبعة ذوات الحظوظ{[10045]} دفعه إلى صاحبه وقال له : اعتزل القوم ، وذاك{[10046]} أن الذين يتقامرون قد أخذ كل واحد منهم قدحاً{[10047]} على ما يحب{[10048]} ، فإن كان الذي خرج الفذ{[10049]} أخذ صاحبه جزءاً وسلم من الغرم وأعاد الحرضة الإفاضة ، وإن كان الذي خرج التوأم أخذ صاحبه نصيبين واعتزل القوم وسلم من الغرم أيضاً ، وكذا كل واحد منهم يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ويسلم من الغرم ، فإذا خرج في الثانية قدح أخذ صاحبه ما خرج له{[10050]} {[10051]}وكذا الثالث يأخذ ما خرج له{[10052]} ويعتزل القوم{[10053]} ما لم يستغرق الأول والثاني أنصباء{[10054]} الجزور ، مثل أن يخرج للأول الرقيب فيأخذ ثلاثة أنصباء ، ثم{[10055]} يخرج للثاني المعلى فيأخذ سبعة أنصباء{[10056]} ويغرم الباقون ثمن{[10057]} الجزور .
أو يخرج في الأول الفذ وفي الثاني التوأم وفي الثالث المعلى فيذهب أيضاً سائر الأنصباء ويغرم باقي القوم ثمن الجزور ، وكذا ما كان مثل هذا ؛ فإن زادت سهام من خرج له قدح على ما بقي من الجزور غرم له من بقي{[10058]} ما زاد سهمه ؛ وذلك مثل أن يخرج للأول المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ثم يخرج للثاني النافس وحظه خمسة وإنما بقي من الجزور ثلاثة فيأخذها ويغرم له الباقون خمسي الجزور ، وكذا لو خرج للأول النافس وأخذ خمسة أنصباء ثم خرج للثاني الحلس فأخذ أربعة أنصباء وخرج للثالث المعلى أخذ النصيب الذي بقي وغرم له الباقون ثلاثة أخماس الجزور ، وعلى هذا سائر قمارهم ، إذا تدبرته علمت كيف يجري{[10059]} جميعه ويغرم القوم ما يلزمهم على قدر سهامهم الباقية يفرضون ما لزمهم على عدد ما في أنصبائهم من الفرض ، وقد ذكر أن الجزور تجزأ على عدد ما في القداح{[10060]} من الفروض وهي ثمانية وعشرون {[10061]}جزءاً ، و{[10062]}لا معنى{[10063]} لهذا القول{[10064]} لأنه يلزم أن لا يكون في هذا قمار{[10065]} ولا فوز ولا خيبة إذ كل واحد يختار لنفسه ما أحب من السهام ثم يأخذ ما خرج له ثم لا تفرغ أجزاء الجزور إلا بفراغ القداح ، فلا معنى للتقامر عليها{[10066]} ، والأول أصح و{[10067]}يدل عليه{[10068]} شعر {[10069]}العرب ، وذلك لأن الرجل ربما أخذ في الميسر قدحين فيفوز بأجزاء الجزور ، مثل أن يأخذ المعلى والرقيب فإذا ضرب له{[10070]} الحرضة خرج له أحدهما {[10071]}ففاز بحظه{[10072]} ثم إذا ضرب الثانية خرج له الآخر{[10073]} فيفوز بسائر الجزور ، ولو كان السهام والأنصباء على{[10074]} ما ذكروا{[10075]} لم يفز صاحب سهمين بسائر{[10076]} الأنصباء إذ لا تذهب الأنصباء إلا بفراغ القداح ، ومما يدل على فوز صاحب السهمين بالكل قول امرىء القيس :
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي *** بسهميك في أعشار قلب مقتل
يقول : تضرب بسهميها المعلى والرقيب فتحوز{[10077]} القلب كله ، ومن هذا قول كثير ووصف ناقة هزلها السير حتى أذهب{[10078]} لحمها :
وتؤبن من نص الهواجر والسرى *** بقدحين فازا{[10079]} من قداح المقعقع
يقول : هذه الناقة هزلها السير حتى لم يبق من لحمها شيء فكأنه ضرب عليها بالقداح ففاز منها قدحان فاستوليا على أعشارها وهو الرقيب والمعلى - انتهى . هكذا ذكر شرح قول كثير ورأيت على حاشية نسخة من كتابه ما لعله{[10080]} أليق ، وذلك لأنه{[10081]} قال أي يظن بها فضل على الإبل في سيرها بعد نص الهواجر والسرى لصبرها وكرمها وشدتها كفضل رجل فاز قدحه مرتين على قداح أصحابه ؛ والمقعقع هو الذي يجيل{[10082]} القداح - انتهى . وهو أقرب مما قاله لأن قوله : تؤبن بقدحين فازا{[10083]} ، ظاهر{[10084]} في أن القدحين لها وأنها{[10085]} هي الفائزة ؛ والله سبحانه وتعالى الموفق - هذا . وقوله : لا معنى للتقامر عليها ، على تقدير التجزئة بثمانية{[10086]} وعشرين ليس كذلك بل تظهر ثمرته في التفاوت في الأنصباء{[10087]} ، وذلك بأن تكون{[10088]} السهام وهي القداح عشرة ، فإنه لما قال : إن الأجزاء تكون ثمانية وعشرين ، لم يقل : إنها على عدد السهام ، حتى تكون السهام ثمانية وعشرين ، بل قال : إنها على عدد الفروض التي في السهام ، وقد علم أنها عشرة ؛ وقد{[10089]} صرح صاحب الزينة وغيره عن الأصمعي كما مضى وهو ممن قال بهذا القول ، فحينئذ من خرج له المعلى مثلاً أخذ سبعة أنصباء من ثمانية وعشرين فيكون أكثر حظاً{[10090]} ممن خرج له ما عليه ستة فروض فما دونها للضربات{[10091]} ؛ وقوله : إن الرجل ربما {[10092]}أخذ قدحين - إلى آخره ، يبين وجهاً آخر من التفاوت ، وهو أن الرجل{[10093]} ربما خرج له{[10094]} سهم واحد لاعتراض السهام وتحرفها{[10095]} عن سنن{[10096]} الاستقامة حال الخروج ، وربما خرج له سهمان أو ثلاثة {[10097]}في إفاضة واحدة لاستقامة السهام واعتدالها للخروج ففاز{[10098]} بمعظم الجزور ، وذلك بأن يكون{[10099]} الرجال{[10100]} أقل من السهام ، وربما خرج له أكثر من ذلك مع الوفاء للثمن{[10101]} بينهم على السواء ، {[10102]}وهذا الوجه يتأتى أيضاً بتقدير أن تكون السهام والرجال على عدد الأجزاء ، لانحصار {[10103]}العد فيمن{[10104]} خرج له سهام سواء كانت على عددهم{[10105]} أو أكثر وانحصار الغرم فيمن لم يخرج له سهم على تقدير أن يخرج لغيره عدد من السهام ؛ وبتقدير أن لا{[10106]} يخرج لكل واحد واحد يكون قماراً{[10107]} أيضاً ، لأن كل واحد منهم غير واثق بالفوز ويكون فائدة ذلك حينئذ للفقراء ، ومن قال : إن من خرج له شيء من السهام الثلاثة الأغفال{[10108]} يغرم ، كان القمار عنده لازماً في كل صورة بكل تقدير . وقال في{[10109]} الكشاف : إنهم كانوا يعطون الأنصباء للفقراء ولا يأخذون منها شيئاً ، {[10110]}وقد تقدم نقل ذلك عن{[10111]} صاحب الزينة والله سبحانه وتعالى أعلم .
ولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم النفقة فيهما{[10112]} اقتضى الحال السؤال عما يمدح الإنفاق{[10113]} فيه فقال عاطفاً على السؤال عن{[10114]} المقتضي{[10115]} لتبذير المال { ويسئلونك ماذا ينفقون } وأشعر تكرير السؤال عنها بتكرير الواردات المقتضية لذلك ، فأنبأ ذلك بعظم شأنها لأنها أعظم دعائم الجهاد وساق ذلك سبحانه وتعالى على طريق العطف لأنه لما تقدم السؤال عنه والجواب في{[10116]} قوله :قل ما أنفقتم من خير فللوالدين{[10117]} }[ البقرة : 215 ] ، منع{[10118]} من توقع سؤال آخر ، وأما اليتامى والمحيض فلم يتقدم ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلاً ، وادعاء{[10119]} أن سبب العطف النزول جملة وسبب القطع النزول مفرقاً{[10120]} مع كونه غير شاف للغلة{[10121]} بعدم بيان الحكمة يرده ما ورد أن آخر آية نزلت{ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله{[10122]} }[ البقرة : 281 ] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من وجهين في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح {[10123]}ومن{[10124]} تتبع أسباب النزول وجد كثيراً من ذلك . وقال الحرالي : في العطف إنباء بتأكد{[10125]} التلدد مرتين كما في قصة بني إسرائيل ، لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ضمهم عن السؤال في الثالثة{[10126]} لتقاصر{[10127]} ما يقع في هذه الأمة عما وقع في بني إسرائيل بوجه ما ، وقال سبحانه وتعالى في الجواب : { قل العفو } وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة{[10128]} قال{[10129]} : فكأنه ألزم النفس نفقة العفو وحرضها{[10130]} على نفقة ما تنازع فيه{[10131]} ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما يريده بهذه الأمة من اليسر ، فصار المنفق{[10132]} على ثلاث رتب : رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة ، وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به لسماح النفس بفساده{[10133]} فمن أمسكه تكلف إمساكه ، وفيما{[10134]} بينهما ما تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها{[10135]} الذي تشتري به الآخرة من دنياها " قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم : ما يحل لنا من أموال أزواجنا - تسأل عن الإنفاق منها ، قال : الرُطْب - بضم الراء {[10136]}وسكون الطاء{[10137]} - تأكلينه وتهدينه " لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده{[10138]} ؛ لأن الرطب هو ما إذا أبقي{[10139]} من يوم إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي معناه الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها{[10140]} - انتهى . وفي تخصيص المنفق بالعفو{[10141]} منع لمتعاطي الخمر قبل حرمتها من التصرف ، إذ{[10142]} كان الأغلب أن تكون{[10143]} تصرفاته لا على هذا الوجه ، لأن حالة السكر غير معتد{[10144]} بها والتصرف فيها يعقب في الأغلب عند الإفاقة أسفاً وكذا الميسر بل هو أغلظ . ولعل تأخير بيان أن المحثوث عليه من النفقة إنما هو الفضل إلى هذا المحل ليحمل أهل الدين الرغبة فيه مع ما كانوا فيه من الضيق على الإيثار على النفس من غير أمر به رحمة لهم ، ومن أعظم الملوحات إلى ذلك أن{[10145]} في بعض الآيات الذاكرة له فيما سلف{ وآتى المال على حبه }[ البقرة : 177 ] . {[10146]}قال الأصبهاني : قال أهل التفسير : كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ينظر ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره ، فإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدق بالباقي حتى نزلت آية الزكاة فنسختها هذه الآية .
ولما بيّن الأحكام الماضية في هذه السورة أحسن بيان وفصل ما قص من جميع ما أراد أبدع تفصيل {[10147]}لا سيما أمر النفقة فإنها بينها مع أول السورة إلى هنا في أنواع من البيان على غاية الحكمة والإتقان كان موضع سؤال : هل يبين{[10148]} لنا ربنا غير هذا من الآيات كهذا{[10149]} البيان ؟ فقال : { كذلك } أي مثل ما مضى من هذا البيان العلي الرتبة البعيد المنال{[10150]} عن منازل{[10151]} الأرذال { يبين الله }{[10152]} {[10153]}الذي له جميع صفات الكمال{[10154]} { لكم } جميع { الآيات }{[10155]} قال الحرالي : فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات لما يرجع لأمر القلب وللنفس{[10156]} وللجسم ولحال المرء مع غيره - انتهى . {[10157]}وأفرد الخطاب أولاً وجمع ثانياً إعلاماً بعظمة هذا القول للإقبال به{[10158]} على الرأس ، وإيماء إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ علماً من قبل هذا بحيث لا يحتاج إلى زيادة وأن هذا البيان إنما هو للأتباع يتفهمونه على مقادير أفهامهم وهممهم ، ويجوز أن يكون الكلام تم بكذلك أي البيان ثم استأنف ما بعده فيكون البيان مذكوراً{[10159]} مرتين : مرة في خطابه تلويحاً ، وأخرى{[10160]} في خطابهم تصريحاً ؛ أو يقال : أشار إلى علو الخطاب بالإفراد وإلى عمومه بالجمع انتهى{[10161]} { لعلكم تتفكرون * } أي لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر ، وهو طلب الفكر وهو يد النفس التي تنال بها المعلومات كما تنال{[10162]} بيد الجسم المحسوسات - قاله الحرالي .