{ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ترونهم مثلهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار }
آية : الآية هنا العبرة والموعظة .
فئة : الفئة الطائفة من الناس .
13- { قد كان لكم في فئتين التقتا . . . }
أي قل لأولئك اليهود الذين غرتهم أموالهم واعتزوا بأولادهم وأنصارهم لا تغرنكم كثرة العدد ولا المال والولد فليس هذا سبيل النصر والغلب فالحوادث التي تجري في الكون أعظم دليل على تفنيد ما تدعون .
انظروا إلى الفئتين اللتين التقتا يوم بدر فئة قليلة من المؤمنين تقاتل في سبيل الله كتب لها الفوز والغلب على الفئة الكثيرة من المشركين .
و في هذا عبرة أيما عبرة لذوي البصائر السليمة التي استعملت العقول في ما خلقت لأجله من التأمل في الأمور والاستفادة منها .
و وجه العبرة في هذا أن هناك قوة فوق جميع القوى التي تؤيد الفئة القليلة فتغلب الفئة الكثيرة بإذن الله .
{ فئة تقاتل في سبيل الله } أي فئة مؤمنة في أعلى درجات الإيمان تجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وحماية الحق والدفاع عن الدين وأهله .
{ وأخرى كافرة } أي فئة أخرى كافرة ، والمراد بها كفار قريش . وكان المسلمون في بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا معهم فرسان وستة أدرع وثمانية سيوف ، وأكثرهم رجالة . وكان المشركون قريبا من ألف .
{ يرونهم مثليهم } أي يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين أو مثلي عدد المسلمين . والمراد من الرؤية الظن والحسبان وقد كثر الله المسلمين في أعين المشركين ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم أو انزل الله الملائكة حتى صار عدد المسلمين كثيرا في نظر المشركين .
رأي العين . أي رؤية ظاهرة لا لبس فيها .
لقد كنت هناك مواقف مختلفة للمعركة فقبل المعركة قلل الله المسلمين في أعين المشركين حتى يجترئوا عليهم كما قلل الله المشركين في أعين المسلمين ويقينهم بالنصر .
قال تعالى : { و إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور } ( الأنفال 44 ) .
فلما بدأت المعركة والتحم الجيشان كثر عدد المسلمين في أعين الكفار ليهابوهم وتتزلزل أقدامهم فيفشلوا وينهزموا .
و يحتمل أن المسلمين كثروا أولا في أعين المشركين ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع ثم لما حصل اتصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ليقدم كل منهما على الآخر ليقضي الله أمرا كان مفعولا .
ومضمون الآيات يرجع الرأي الأول والعبرة أنه كان هناك تقليل للعدد في مواطن وتكثير للعدد في مواطن أخرى من المعركة وان ذلك كان سبيلا من سبل النصر .
{ والله يؤد بنصره من يشاء } والله يقوى بنصره وعونه من يشاء من عباده فالنصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره لا بكثرة العدد ولا بقوة الشوكة ولا بقوة السلاح وقد تقف بعض العقبات في طريق النصر ولكن العاقبة دائما للمتقين .
{ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } إن في التكثير والتقليل وغلبة القليل مع عدم العدة على الكثير الشاكي السلاح { لعبرة } أي لاعتبارا وآية وموعظة { لأولي الأبصار } لذوي العقول والبصائر .
{ قد كان لكم آية } قيل : خطاب للمؤمنين وقيل : لليهود ، وقيل : لقريش ؛ والأول أرجح أنه لبني قينقاع الذين قيل لهم : ستغلبون . ففيه تهديد لهم وعبرة كما جرى لغيرهم .
{ في فئتين التقتا } المسلمون والمشركون يوم بدر .
{ يرونهم مثليهم } قرئ ترونهم بالتاء خطابا لمن خوطب بقوله :{ قد كان لكم آية } . والمعنى ترون الكفار مثلي المؤمنين . ولكن الله أيد المسلمين بنصره على قدر عددهم ، وقرئ بالياء . والفاعل في يرونهم المؤمنون ، والمفعول به هم المشركون . والضمير في مثليهم للمؤمنين والمعنى على حسب ما تقدم . فإن قيل : إن الكفار كانوا يوم بدر أكثر من المسلمين ؛ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن الكفار كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين ، لأن الكفار كانوا قريبا من ألف ، والمؤمنون ثلاثمائة وثلاثة عشر ثم إن الله تعالى قلل عدد الكفار في أعين المؤمنين حتى حسبوا أنهم مثلهم مرتين ليتجاسروا على قتالهم إذا ظهر لهم أنهم على ما أخبروا به من قتال الواحد للاثنين من قوله :{ فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين }[ الأنفال :66 ] وهذا المعنى موافق لقوله تعالى :{ وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا }[ الأنفال :44 ] .
والآخر : أنه يرجع قوم من الكفار حتى بقي منهم ستمائة وستة وعشرون رجلا ، وذلك قدر عدد المسلمين مرتين وقيل : إن الفاعل في يرونهم ضمير المشركين ، والمفعول ضمير المؤمنين وأن الضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمؤمنين والمفعول للمشركين . والمعنى على هذا أن الله كثر عدد المسلمين في أعين المشركين حتى حسب الكفار المؤمنين مثلي الكافرين أو مثلي المؤمنين . وهم أقل من ذلك وإنما كثرهم الله في أعينهم ليرهبوهم ، ويرد هذا قوله تعالى :{ ويقللكم في أعينهم }[ الأنفال :44 ] .
{ رأي العين } نصب على المصدرية ومعناه معاينة ظاهرة لا شك فيها .
{ والله يؤيد بنصره من يشاء } أي : أن النصر بمشيئة الله لا بالقلة ولا بالكثرة ، فإن فئة المسلمين غلبت فئة الكافرين ؛ مع أنهم كانوا أكثر منهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.