تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} (2)

2 - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ .

الذهول : الدهش الناشئ عن الهم والغم الكثير .

المرضعة : الأنثى حال الإرضاع ، والمرضع : من من شأنها أن ترضع ، ولو لم ترضع حال وصفها به .

تصف الآية أهوال القيامة التي تزلزل القلوب :

( أ‌ ) ففي هذا اليوم تذهل كل مرضعة عن رضيعها ، وقد وضعت ثديها في فمه ، فتتحير وتأخذها الدهشة ، وتنشغل بنفسها عن رضيعها .

( ب‌ ) وفي هذا اليوم يشتد الهول ، بحيث إن الحامل تضع حملها سقطا ، من الهول والفزع .

( ت‌ ) وفي ذلك اليوم ترى الناس سكارى من الذهول والهول الذي اعتراهم ، وما هم بسكارى ، أي : إنهم لم يشربوا خمرا ، ولكن أذهلهم هول الموقف ، وشدة الهول والعذاب .

وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ .

أي : إن الذي جعل الناس سكارى ذاهلين في سكر معنوي ، بدون سبب حسي للسكر ، هو شدة عذاب الله في هذا اليوم ، فشدة العذاب هي التي أذهلت عقولهم ، وأذهبت تمييزهم ، وقد يكون المراد من ذهول المرضع ، ووضع الحامل ، ضرب المثل لشدة الأمر وبلوغه أقصى الغايات ، كما يؤول به أيضا قوله تعالى : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا . ( المزمل : 17 – 19 ) .

ملحق بتفسير الآيتين :

- ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الزلزلة قبل قيام الناس من قبورهم ، فهي مثل أشراط الساعة أو علاماتها .

قال تعالى : إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . إلى آخر السورة

وقال تعالى : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ . ( الحاقة : 14 ، 15 ) .

قال ابن كثير :

فقال قائلون : هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا ، وأول أحوال الساعة . عن علقمة في قوله : إن زلزلة الساعة شيء عظيم . قال : قبل الساعة . وقال عامر الشعبي : هذا في الدنيا قبل يوم القيامة .

وقال آخرون : بل ذلك هول وفزع وزلزال كائن يوم القيامة ، في العرصات بعد القيام من القبور ، واختار ذلك ابن جرير الطبري ، واحتجوا بالأحاديث .

منها : ما ورد في الصحيحين عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا ، قالت عائشة : يا رسول الله ، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ، قال : إن الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض )iv .

وفي مسند الإمام أحمد ، عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله ، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة ؟

قال : ( يا عائشة ، أما عند ثلاث فلا : أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا ، وأما عند تطاير الكتب ، إما يعطى كتابه بيمينه وإما بشماله فلا ، وأما عند المرور على الصراط حتى ينجو إلى الجنة أو يقع في النار فلا )v .

وعند التأمل نجد أنه يمكن الجمع بين الرأيين الأول والثاني ، بأن أهوال القيامة تبدأ مع أشراط الساعة ، وتستمر في الموقف والحساب والميزان والصراط وجميع مشاهد القيامة ، نسأل الله السلامة ودخول الجنة ، والنجاة من النار . اللهم آمين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} (2)

قوله تعالى : " يوم ترونها " الهاء في " ترونها " عائدة عند الجمهور على الزلزلة ، ويقوي هذا قوله عز وجل : " تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها " والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا . وقالت فرقة : الزلزلة في يوم القيامة ، واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه ، وفيه : ( أتدرون أي يوم ذلك . . . ) الحديث . وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري .

قوله : " تذهل " أي تشتغل ، قاله قطرب . وأنشد :

ضرباً{[11401]} يُزِيلُ الهام عن مَقِيلِه *** ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليله

وقيل : تنسى . وقيل : تلهو ، وقيل : تسلو ، والمعنى متقارب . " عما أرضعت " قال المبرد : " ما " بمعنى المصدر ، أي تذهل عن الإرضاع . قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا ؛ إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع . إلا أن يقال : ما ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول . ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك . ويقال : هذا كما قال الله عز وجل : " يوما يجعل الولدان شيبا " {[11402]}[ المزمل : 17 ] . وقيل : تكون مع النفخة الأولى . وقيل : تكون مع قيام الساعة ، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية . ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة ، كما قال تعالى : " مستهم البأساء والضراء وزلزلوا " {[11403]} [ البقرة : 214 ] . وكما قال عليه السلام : ( اللهم اهزمهم وزلزلهم ) . وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح . وتسمية الزلزلة ب " شيء " إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها ، فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة ، إذ اليقين يشبه الموجدات . وإما على المآل ؛ أي : هي إذا وقعت شيء عظيم . وكأنه لم يطلق الاسم الآن ، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شيء عظيم ، ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس ، كما قال :

قوله تعالى : " وترى الناس سكارى " أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع . " وما هم بسكارى " من الخمر . وقال أهل المعاني : وترى الناس كأنهم سكارى . يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله " وترى الناس " بضم التاء ، أي تظن ويخيل إليك . وقرأ حمزة والكسائي " سكرى " بغير ألف . الباقون " سكارى " وهما لغتان لجمع سكران ، مثل كسلى وكسالى . والزلزلة : التحريك العنيف . والذهول . الغفلة عن الشيء بطروء{[11404]} ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره . قال ابن زيد : المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها .


[11401]:في الأصول: !بضرب! والتصويب عن سيرة ابن هشام. وقبله: نحن قتلناكم على تأويله *** كما قتلناكم على تنزيله. والرجز لعبد الله بن رواحة، ارتجزه وهو يقود ناقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في عمرة القضاء. (راجع سيرة ابن هشام).
[11402]:راجع ج 19 ص 47.
[11403]:راجع ج 3 ص 33 فما بعد.
[11404]:في الأصول: "بطريان"