تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (94)

المفردات :

ليبلونكم : الابتلاء ؛ الاختبار .

بشيء من الصيد : الصيد : ما صيد من حيوان البحر ، ومن حيوان البر الوحشية ، ومن الطيور . تناله أيديكم ورماحكم : يراد به كثرته وسهولة اصطياده .

روى عن ابن عباس : أنه ما تناله الأيدي : الصغار والفراخ من الصيد . وما يؤخذ وينال بالرماح الكبار .

ليعلم الله من يخافه بالغيب : أي ليعاملكم معاملة المختبر ، الذي يريد أن يعلم الشيء علم وقوع – وإن كان سبحانه وتعالى يعلمه علم غيب – فهو علام الغيوب .

التفسير :

94- يا أيها الذين آمنوا ليبلوكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم .

تمهيد :

خلق الله الإنسان للاختبار والبتلاء فمن أطاع فله الجنة ، ومن أساء فله النار .

قال تعالى : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا . ( الملك : 2 ) .

وقد كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم ، كما ابتلى بني إسرائيل ألا يعتدوا في السبت .

عن مقاتل قال : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون .

يا أيها الذين آمنوا ليبلوكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم .

والمعنى : أي ليختبرنكم الله – وأنتم محرمون – ببعض من الصيد يسهل عليكم تناوله ، بحيث تناله أيديكم بدون حاجة إلى سهام أو جوارح ، أو بطيور صغار تستطيعون أخذها بأيديكم وبطيور كبار تستطيعون صيدها برماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب . ليتميز عند الله من يخافه منكم خفية عن الناس ، كما يخافه بمرأى من الناس ومسمع منهم ، فالخوف بالغيب برهان الإيمان .

جاء في حاشية الجمل : وقوله ( بالغيب ) حال من فاعل يخافه أي يخاف الله حال كونه غائبا عن الله ، ومعنى كون العبد غائبا من الله ، أنه لم ير الله تعالى .

أو حال من المفعول : أي يخاف الله حال كونه – تعالى – ملتبسا بالغيب عن العبد أي غير مرئي له . ( فمن اعتدى ) فاصطاد .

( بعد ذلك )أي بعد الابتلاء .

( فله عذاب أليم ) أي شديد الإيلام عظيم الإهانة لأن التعدي بعد الإنذار ، دليل على عدم المبالاة بأوامر الله ، ومن لم يبال بأوامر الله ساءت عاقبته وقبح مصيره .

هذا ولقد نجحت الأمة الإسلامية ، وخصوصا سلفها الصالح في هذا الاختبار ، فقد تجنب أبنائها وهم محرمون صيد البر مهما أغراهم قربه منهم ، وحبهم لصيده والانتفاع به .

بينما أخفق بنو إسرائيل فيما يشبه هذا الاختبار فقد نهاهم الله عن الصيد في يوم السبت ، فكانت الأسماك تظهر لهم في هذا اليوم امتحانا من الله لهم ، فما كان منهم إلا أن تحايلوا على صيدها بأن حبسوها في يوم السبت ، ليصيدوها في غيره . . فاستحق اليهود اللعنة والمسخ واستحقت الأمة الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت للناس .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (94)

فيه ثمان مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ليبلونكم الله " أي ليختبرنكم ، والابتلاء الاختبار . وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة ، وشائعا عند الجميع منهم ، مستعملا جدا ، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام والحرم ، كما ابتلى بني إسرائيل في ألا يعتدوا في السبت . وقيل : إنها نزلت عام الحديبية ، أحرم بعض الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحرم بعضهم ، فكان إذا عرض صيد اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم ، واشتبهت أحكامه عليهم ، فأنزل الله هذه الآية بيانا لأحكام أحوالهم وأفعالهم ، ومحظورات حجهم وعمرتهم .

الثانية : اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على قولين : أحدهما : أنهم المحلون ، قاله مالك . الثاني : أنهم المحرمون قاله ابن عباس ، وتعلق بقوله تعالى : " ليبلونكم " فإن تكليف الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الإحرام . قال ابن العربي : وهذا لا يلزم ، فإن التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من أمور الصيد ، وما شرع له من وصفه في كيفية الاصطياد . والصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس مُحلِهم ومُحرِمهم ؛ لقوله تعالى : " ليبلونكم الله " أي : ليكلفنكم ، والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة ، وتباين في الضعف والشدة .

الثالثة : قوله تعالى : " بشيء من الصيد " يريد ببعض الصيد ، فمن للتبعيض ، وهو صيد البر خاصة ، ولم يعم الصيد كله لأن للبحر صيدا ، قال الطبري وغيره . وأراد بالصيد المصيد ؛ لقوله : " تناله أيديكم " .

الرابعة : قوله تعالى : " تناله أيديكم ورماحكم " بيان لحكم صغار الصيد وكباره . وقرأ ابن وثاب والنخعي : " يناله " بالياء منقوطة من تحت . قال مجاهد : الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر ، والرماح تنال كبار الصيد . وقال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " وكل شيء يناله الإنسان بيده أو برمحه أو بشيء من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى .

الخامسة : خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظم{[5952]} التصرف في الاصطياد ، وفيها تدخل الجوارح والحبالات ، وما عمل باليد من فخاخ وشباك ، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد ، وفيها يدخل السهم ونحوه ، وقد مضى القول فيما يصاد به من الجوارح والسهام في أول السورة{[5953]} بما فيه الكفاية والحمد لله .

السادسة : ما وقع في الفخ والحبالة فلربها ، فإن ألجأ الصيد إليها أحد ولولاها لم يتهيأ له أخذه فربها فيه شريكه . وما وقع في الجبح{[5954]} المنصوب في الجبل من ذباب النحل فهو كالحبالة والفخ ، وحمام الأبرجة ترد على أربابها إن استطيع ذلك ، وكذلك نحل الجباح ، وقد روي عن مالك . وقال بعض أصحابه : إنه ليس على من حصل الحمام أو النحل عنده أن يرد . ولو ألجأت الكلاب صيدا فدخل في بيت أحد أو داره فهو للصائد مرسل الكلاب دون صاحب البيت ، ولو دخل في البيت من غير اضطرار الكلاب له فهو لرب البيت .

السابعة : احتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية ؛ لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعدُ شيئا ، وهو قول أبي حنيفة .

الثامنة : كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه ، لقوله تعالى : " تناله أيديكم ورماحكم " يعني أهل الإيمان ، لقوله تعالى في صدر الآية : " يا أيها الذين آمنوا " فخرج عنهم أهل الكتاب . وخالفه جمهور أهل العلم ، لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " [ المائدة : 94 ] وهو عندهم مثل ذبائحهم . وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم ، والصيد باب آخر فلا يدخل في عموم الطعام ، ولا يتناوله مطلق لفظه .

قلت : هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعا عندهم فلا يكون من طعامهم ، فيسقط عنا هذا الإلزام ، فأما إن كان مشروعا عندهم في دينهم فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له ، فإنه من طعامهم . والله أعلم .


[5952]:أي معظمه.
[5953]:راجع ص 65 فما بعد من هذا الجزء.
[5954]:الجبح (بجيم مثلثة وموحدة ساكنة): خلية العسل، ويجمع على (أجبح وجبوح وجباح).