تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

المفرداتك

أخلد إلى الأرض : مال وسقط .

يلهث : اللهث : التنفس الشديد مع إخراج اللسان .

التفسير :

{ 176 - وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ . . . . } الآية .

أي : ولو شئنا لرفعنا هذا الإنسان إلى منازل الأبرار ، بسبب تلك الآيات ، فالعمل بالعلم يرفع القدر ويعلى شأن صاحبه ، قال تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } . ( المجادلة : 11 ) .

ولكنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة والتعبير بقوله : أخلد إلى الأرض ، يفيد : أنه رغب في لذائذ الأرض الفانية ، وترك آفاق العلم والمعرفة ، واختار الأدنى على الأعلى .

{ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } .

أي : أن صفته في حمل العلم والانسلاخ منه إلى شهوات الدنيا ، كصفة الكلب الذي يندلع لسانه . فهو دائم اللهث لأن اللهث ؛ طبيعة فيه ، أن شددت عليه وأتبعته لهث ، وأن تركته لهث .

قال الشوكاني :

أي : أن هذا العالم الضال أن حمل الحكمة لم يحملها ، وإن ترك لم يهتد لخير .

وقيل : المعنى : أن وعظته ضل ، وإن تركته ضل ، فهو في ضلال ملازم لانسلاخه عن ربه ، فهو كالكلب إذ كان رابضا لهث ، وأن يطرد لهث .

{ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } .

أي : ذلك المقل الخسيس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود وغيرهم ، بعد أن علموا بها وعرفوها ، فحرفوا وبدلوا وكذبوا بها .

{ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } .

أي : فاقصص أيها الرسول الكريم ، قصص ذلك الرجل ، الذي تشبه حاله حال أولئك المكذبين ، بما جئت به من الآيات رجاء أن يحملهم ذلك على التفكر والتأمل ، والنظر في الآيات بعين البصيرة ، لا بعين الهوى والعداوة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

قوله تعالى : " ولو شئنا لرفعناه بها " يريد بلعام . أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة . " بها " أي بالعمل بها . " ولكنه أخلد إلى الأرض " أي ركن إليها ؛ عن ابن جبير والسدي . مجاهد : سكن إليها ؛ أي سكن إلى لذاتها . وأصل الإخلاد اللزوم . يقال : أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه . قال زهير :

لمن الديار غشيتَهَا بالغَرْقَدِ *** كالوَحْيِ في حجر المسيل المخلدِ{[7480]}

يعني المقيم ، فكأن المعنى لزم لذات الأرض فعبر عنها بالأرض ؛ لأن متاع الدنيا على وجه الأرض . " واتبع هواه " أي ما زين له الشيطان . وقيل : كان هواه مع الكفار . وقيل : اتبع رضا زوجته ، وكانت رغبت في أموال حتى حملته على الدعاء على موسى . " فمثله كمثل الكلب " ابتداء وخبر . " إن تحمل عليه يلهث " شرط وجوابه . وهو في موضع الحال ، أي فمثله كمثل الكلب لاهثا . والمعنى : أنه على شيء واحد لا يرعوي عن المعصية ، كمثل الكلب الذي هذه حالته . فالمعنى : أنه لاهث على كل حال ، طردته أو لم تطرده . قال ابن جريج : الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له ، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ، كذلك الذي يترك الهدى لا فؤاد له ، وإنما فؤاده منقطع . قال القتيبي : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش . فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل وإن تركته ضل ، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث ، كقوله تعالى : " وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون{[7481]} " [ الأعراف : 193 ] . قال الجوهري : لهث الكلب " بالفتح " يلهث لهثا ولهاثا " بالضم " إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش ، وكذلك الرجل إذا أعيا .

وقوله تعالى " إن تحمل عليه يلهث " لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا ، وإذا تركته شد عليك ونبح ، فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان . قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول{[7482]} : إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد ، وإنما لهاثه لموت فؤاده . وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن . وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمت به العدو ، فذهب إلى السباع فأشلاهم{[7483]} على آدم ، فكان الكلب من أشدهم طلبا . فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له إلى فرعون وملئه ، وجعل فيها سلطانا عظيما وكانت من آس الجنة ، فأعطاها آدم صلى الله عليه وسلم يومئذ{[7484]} ليطرد بها السباع عن نفسه ، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه ، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا ، وألف به وبولده إلى يومنا هذا ، لوضع يده على رأسه ، وصار حارسا من حراس ولده . وإذا أدب وعلم الاصطياد تأدب وقبل التعليم{[7485]} ؛ وذلك قوله : " تعلمونهن مما علمكم الله{[7486]} " [ المائدة : 4 ] . السدي : كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب . وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به . وقيل : هو في كل منافق . والأول أصح . قال مجاهد في قوله تعالى : " فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث . وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه . وقال غيره : هذا شر تمثيل ؛ لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بكلب لاهث أبدا ، حمل عليه أو لم يحمل عليه ؛ فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان . وقيل : من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة الابتداء بالجفاء ، ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض خسيس{[7487]} . ضربه الله مثلا للذي قبل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات ربه . فدلت الآية لمن تدبرها على ألا يغتر أحد بعمله ولا بعلمه ؛ إذ لا يدري بما يختم له . ودلت على منع أخذ الرشوة لإبطال حق أو تغييره . وقد مضى بيانه في " المائدة " . ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها ؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألا يقبل منه إلا بحجة .

قوله تعالى : " ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون " أي هو مثل جميع الكفار .


[7480]:الغرقد: هو بقيع الغرقد، مقابر بالمدينة. والذي في ديوانه "بالفدفد" وهو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع الوحي: الكتاب: وإنما جعله في حجر المسيل لأنه أصلب. عن شرح الديوان.
[7481]:راجع ص 341 من هذا الجزء.
[7482]:من ز
[7483]:الإشلاء: الإغراء.
[7484]:من ع، ى.
[7485]:في ع: وصار أدب وعلم.
[7486]:راجع ج 6 ص 65 وص 183
[7487]:في ع: غرض.