{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون111 } .
لأولي الألباب : لأصحاب العقول .
111 { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب . . . } .
تأتي هذه الآية في ختام سورة يوسف ؛ فتبرز الهدف من ذكر هذه القصة فتقول : لقد كان في ذكر قصص الرسل والأنبياء عبرة وعظة لأصحاب العقول ؛ حيث تعرض يوسف لألوان من البلاء فصبر وتمسك بالتقوى ؛ وكان جزاء ذلك الفلاح في الدنيا ، والنجاة في الآخرة .
أي : ما كان هذا القرآن حديثا يختلق ويكذب من دون الله ؛ لأنه كلام أعجز رواة الأخبار ، وحملة الأحاديث ، وإنما هو كلام الله من طريق الوحي والتنزيل ، المشتمل على العقائد والأخلاق ، وقصص الأمم الخالية في أعلا درجات الفصاحة والبلاغة ، وذلك كله فوق طاقة الإنس والجن .
قال تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } . ( الإسراء : 88 ) .
{ ولكن تصديق الذي بين يديه } .
جاء القرآن مصدقا للكتب السماوية التي سبقته ، كالتوراة والإنجيل والزبور ، أي : تصديق ما جاء فيها من الصحيح والحق ، ونفى ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير ، فهو مصدق أصولها الصحيحة ومبين ما وقع فيها من اختلاف .
قال تعالى : { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون } . ( النمل : 76 ) .
والقرآن أيضا فيه تفصيل كل شيء من الحلال والحرام ، والمحبوب والمكروه ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، وصفات الله الحسنى ، وقصص الأنبياء .
أي : هداية للناس من الضلال والحيرة ، ورحمة لقوم يؤمنون به ويسلكون سبيله ، ويهتدون بهديه .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره :
" وتفصيل كل شيء من تحليل وتحريم ، ومحبوب ومكروه ، وغير ذلك من الأمر بالطاعات ، والواجبات والمستحبات ، والنهي عن المحرمات ، وما شاكلها من المكروهات ، والإخبار عن الأمور الجلية ، وعن الغيوب المجملة والتفصيلية ، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات ، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات ؛ فلهذا كان : { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } .
تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد ، ومن الضلال إلى السداد ، ويبتغون به الرحمة من رب العباد في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد " 62 .
لقد كانت قصة يوسف مشتملة على العظات والعبر ؛ ففيها محن ليوسف في الجب وفي بيت العزيز وفي السجن ، ومحن لإخوة يوسف حتى ضاقت ذات يدهم ؛ فقالوا : { مسنا وأهلنا الضر } ، وفيها محن ليعقوب وابتلاء ؛ بغياب يوسف ؛ وغياب بنيامين ، { حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } ، ثم جمع الله الشمل ، ورفع الحسد والحقد ، فعفا يوسف عن إخوته ، وقدموا جميعا إلى مصر ، وتم سجودهم ليوسف ، ثم إكرام يوسف لوالديه وإخوته ، ثم حسن إدارته لمصر ، وعزوفه عن كل مظاهر الترف ، واعترافه لله تعالى بالفضل .
وفي ختام القصة اجتماع بعد فرقه ، وتكامل وتآلف ، وكأن الله تعالى يذكر ذلك لرسوله ؛ مذكرا بعاقبة الصبر والإيمان والتقوى ؛ وبهذا كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، والحمد لله رب العالمين .
1 من كتاب : أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن الكريم ، د . عبد الله شحاتة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ص 139 .
رواه البخاري في التعبير ( 6990 ) من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قالوا : وما المبشرات ؟ ! قال : ( الرؤيا الصالحة ) . ورواه مسلم في الصلاة ( 479 ) ، وأحمد ح ( 1903 ) ، والنسائي في التطبيق ح ( 1054 ، 1120 ) ، وأبو داود في الصلاة ح ( 876 ) ، وابن ماجة في تعبير الرؤيا ح ( 3899 ) ، و الدارمي في الصلاة ح ( 1325 ) ، من حديث ابن عباس قال : كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ، فقال : ( أيها الناس ، إنه لم يبق من مبشرات النبوة ؛ إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم ، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل ، وأما السجود ، فاجتهدوا في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم ) . ورواه الترمذي في الرؤيا ( 2272 ) ، وأحمد في مسنده ( 13412 ) ، من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : ( إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ، ولا نبي . قال : فشق ذلك على الناس فقال : ( لكن المبشرات ) ! قالوا : يا رسول الله ، ما المبشرات ؟ ! قال : ( رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة ) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب ، ورواه ابن ماجة في تعبير الرؤيا ( 3896 ) ، والدارمي في الرؤيا( 2138 ) ، وأحمد في مسنده ( 26600 ) ، من حديث أم كرز الكعبية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ذهبت النبوة ، وبقيت المبشرات ) . ورواه أحمد في مسنده ( 23283 ) ، من حديث أبي الطفيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا نبوة بعدي إلا المبشرات ) ، قال : قيل : وما المبشرات يا رسول الله ؟ ! ، قال : ( الرؤيا الحسنة ، أو قال الرؤيا الصالحة " . ورواه أحمد في مسنده( 24456 ) ، من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات " ، قالوا : يا رسول الله ، وما المبشرات ؟ ! قال : الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له ) ورواه مالك في الموطأ كتاب الجامع ( 1783 ) من حديث عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات ) ، فقالوا : وما المبشرات يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! قال : ( الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) .
3 انظر : تفسير ابن كثير ، حيث نقل ذلك بتوسع عن محمد بن إسحاق فيما رواه ابن أبي حاتم .
5 انظر تفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية ، وتفسير الآلوسي ، وتفسير سورة يوسف ، للدكتور محمد طنطاوي .
6 لا سبق إلا في خف أو في حافر أو نصل :
رواه أبو داود في الجهاد ( 2578 ) ، والترمذي في الجهاد ( 1700 ) ، والنسائي في الخيل ( 3585 ) ، وابن ماجة في الجهاد ( 2878 ) ، وأحمد في مسنده ( 257445 ) ، من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا سبق إلا في خف أو في حافر أو نصل ) .
رواه أبو داود في الجهاد ( 2578 ) ، وأحمد في مسنده ( 25745 ) ، من حديث عائشة رضي الله عنها : أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم : ( في سفر ، قالت : فسابقته ، فسبقته على رجلي ، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني ، فقال : ( هذه بتلك السبقة ) .
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3382 ، 339 ) ، وفي التفسير ( 4688 ) ، وأحمد في مسنده ( 5679 ) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام " . ورواه الترمذي في التفسير ( 3116 ) ، من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ) . قال : ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الرسول أجبت ثم قرأ { فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ، قال : ( ورحمة الله على لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال : { لو أن لي بكم قوة أو آوي ركن شديد } ، فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ) . وقال الترمذي : حديث حسن .
رواه البخاري في الأيمان والنذور ( 6664 ) ، وابن ماجة في الطلاق ( 2040 ، 2044 ) ، ( 7421 ) ، من حديث أبي هريرة يرفعه ، قال : ( إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم ) .
10 إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها :
رواه البخاري في التوحيد ( 7501 ) ، ومسلم في الإيمان ( 129 ) ، والترمذي في التفسير ( 3073 ) ( 27441 ) ، من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها ؛ فإن عملها ، فاكتبوها بمثلها ، وإن تركها من أجلي ، فاكتبوها له حسنة ، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها ؛ فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ) .
11 المصحف المفسر للأستاذ : محمد فريد وجدي ، ص 306 .
13 تفسير الكشاف الجزء الثالث ، ص 17 .
14 انظر : تفسير الآلوسي 12/195 ، والتفسير الكبير ، للإمام فخر الدين الرازي ، فقد أشاد بعبقرية المرأة ، ودهائها ومكرها وسيطرتها على زوجها ، واستمرار تهديدها ليوسف حتى تلين قناته في يدها .
15 انظر تفسير القرطبي للآية ، المسألة الثالثة .
17 تفسير محمد بن جرير الطبري ، المتوفى سنة : 310 ه ، مطبعة بولاق بمصر ، الطبعة الأولى سنة 1327 ه ، ج 12 ، ص 124 .
18 في ظلال القرآن ، للأستاذ : سيد قطب 12 /110 ، طبع دار إحياء الكتب العربية ، عيسى البابي الحلبي وشركاه .
19 انظر : التفسير الوسيط : تأليف لجنة من العلماء ، الحزب الرابع والعشرون ، ص 329 .
20 الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان :
رواه البخاري في بدء الخلق ( 3292 ) ، وفي الطب ( 5747 ) ، ( 6984 ، 6986 ، 6995 ، 7005 ) ، ومسلم في الرؤيا ( 2261 ) ، ومالك في الموطأ كتاب الجامع ( 1784 ) ، وأبو داود في الأدب ( 5031 ) ، والترمذي في الرؤيا ( 2277 ) ، وابن ماجة في تعبير الرؤيا ( 3909 ) ، و الدارمي في الرؤيا ( 2141 ) ، واحمد في مسنده ( 22019 ) ، من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه ؛ فليبصق عن يساره ، وليتعوذ بالله من شرها ؛ فإنها لا تضره ) .
21 اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت :
رواه أبو داود في الطب ( 3919 ) ، من حديث عروة بن عامر قال أحمد القرشي : قال : ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أحسنها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره ؛ فليقل : اللهم ، لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) .
رواه الترمذي في التفسير ( 3116 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ) . قال : ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الرسول أجبت ثم قرأ : { فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ، قال : ( ورحمة الله على لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال : { لو أن لي بكم قوة أو آوي ركن شديد } ، فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ) . وقال الترمذي : حديث حسن .
والحديث رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3382 ، 339 ) ، وفي التفسير ( 4688 ) ، وأحمد في مسنده ( 5679 ) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ) . وقد تقدم ص ( 2307 ) .
بحمد الله وبها تم الجزء( الثاني عشر )
24 يا عبد الرحمان بن سمرة ، لا تسأل الإمارة :
رواه البخاري في الأيمان والنذور( 6622 ) وفي كفارات الأيمان( 6722 ) وفي الأحكام( 7147 ، 7146 ) ومسلم في الأيمان ( 1652 ) من حديث عبد الرحمان بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عبد الرحمان بن سمرة ، لا تسأل الإمارة ؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة ؛ وكلت إليها وإن واتيتها من غير مسألة ؛ أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها ؛ فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير ) .
25 { ما }هنا استفهامية ، الاستفهام للتعجب من كرم عزيز مصر .
رواه البخاري في الطب( 5740 ) وفي اللباس( 5944 ) ومسلم في السلام( 2187 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العين حق ) ، ونهى عن الوشم ، وفي الباب : عن عائشة وابن عباس .
قال السيوطي في الدر المنثور : وأخرج أبو نعيم في الحلية : عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر ) .
28 أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان :
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء( 3371 ) وأبو داود في السنة( 4737 ) والترمذي في الطب( 2060 ) وابن ماجة في الطب( 3525 ) وأحمد في مسنده( 2113 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول : ( إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق ؛ أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) .
29 ويقول : إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل :
30 التفسير الوسيط ، د محمد سيد طنطاوي ، سورة يوسف ص121 ، 120 ، وزبدة التفسير من فتح القدير ص313 .
32 انظر : زبدة التفسير من فتح القدير ص314 .
33 روح المعاني في تفسير القرآن العظيم ، والسبع المثاني للآلوسي 13/28 .
34 سعيد حوّى ، الأساس في التفسير ، دار السلام للطباعة والنشر ، القاهرة وبيروت5/2680 .
36 انظر : تفسير الثعالبي ، وتفسير القاسمي .
37 زبدة التفسير من فتح القدير ص315 .
38 إن العين تدمع والقلب يحزن :
رواه البخاري في الجنائز( 1303 ) ومسلم في الفضائل( 2315 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين ، وكان ظئرا لإبراهيم عليه السلام ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان ؛ فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : وأنت يا رسول الله ! فقال : ( يا ابن عوف إنها رحمة ) ، ثم أتبعها بأخرى ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) .
39 تفسير روح المعاني للآلوسي 5/40 ، وورد المعنى في تفسير القرطبي ، والتفسير المنير ، والتفسير الوسيط .
40 التفسير الوسيط ، تأليف لجنة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر . الحزب 25 ص374 .
41 تفسير أبي السعود 4/303 ، وزبدة التفسير من فتح القدير ص316 .
45 من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه :
رواه البخاري في المظالم( 2449 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح ؛ أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات ؛ أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) .
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء( 3390 ، 3382 ) وفي التفسير( 4688 ) وأحمد في مسنده( 5679 ) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ) ، ورواه الترمذي في التفسير( 3116 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ) قال : ( ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الرسول ؛ أجبت ) ثم قرأ : { فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } ، قال : ( ورحمة الله على لوط ، إن كان ليأوي إلى ركن شديد ، إذ قال : { لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } ، فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ) . وقال الترمذي : حديث حسن .
47 أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : أن تجعل لله ندّا :
رواه البخاري في تفسير القرآن( 4477 ) ، ومسلم في الإيمان( 86 ) ، من حديث عبد الله بن مسعود قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : ( أن تجعل لله ندّا وهو خلقك ) قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم أي ، قال : ( وأن تقتل ولدك ؛ تخاف أن يطعم معك ) قلت : ثم أي ، قال : ( أن تزاني حليلة جارك ) ، البخاري( 3239 ) .
48 انظر أيضا : تفسير المراغي للأستاذ/ أحمد مصطفى المراغي 13/50 ، 49 .
50 روح المعاني للآلوسى 13/68 ، وفيه من أهل العمور ، وهو خطأ ، والصواب : من أهل العمود ، أي : الخيمة التي تبنى على العمود الرئيس الذي يرفع الخيمة .
51 التفسير القرآني للقرآن ، للأستاذ/ عبد الكريم الخطيب 13/60 .
52 زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي4/296 .
رواه البخاري في الأيمان والنذور( 6664 ) ، وابن ماجة في الطلاق( 2044 ، 2040 ) ( 7421 ) ، من حديث أبي هريرة يرفعه قال : إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ؛ ما لم تعمل به أو تكلم .
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3372 ) ، وفي التفسير ( 4694 ، 4537 ) ، ومسلم في الإيمان ( 151 ) ، وأحمد في مسنده ( 8129 ) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } ) .
55 تفسير روح المعاني للآلوسي 13/70 .
56 تفسير روح المعاني للآلوسي 13/70 ، والاتساء : جعلهم أسوة وقدوة .
58 ما يصيب المسلم ، من نصب ، ولا وصب ، ولا هم :
رواه البخاري في المرضى باب : ما جاء في كفارة المرضى ( 5318 ) ، عن أبي سعيد الخدري ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما يصيب المسلم ، من نصب ، ولا وصب ، ولا هم ، ولا حزن ، ولا أذى ، ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها ؛ إلا كفر الله بها من خطاياه ) . ورواه البخاري فيما تقدم ( 5317 ) ، ومسلم في البر والصلة والآداب ، باب : ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ( 2572 ) عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مصيبة تصيب المسلم ؛ إلا كفر الله بها عنه ، حتى الشوكة يشاكها ) .
بوب به البخاري في كتاب المرضى ، ورواه الترمذي في الزهد ح2398 ، وابن ماجة في الفتن ح4023 ، وأحمد ح1610 ، 1558 ، 1497 ، 1484 ، والدارمي في الرقاق ح2783 ، من حديث سعد بن أبي وقاص ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
60إنما الصبر عند الصدمة الأولى :
رواه البخاري في الجنائز ( 1302 ، 1283 ) ، ومسلم في الجنائز ( 926 ) ، وأبو داود في الجنائز ( 3124 ) ، والترمذي في الجنائز ( 988 ، 987 ) ، والنسائي في الجنائز( 1869 ) ، وابن ماجة في الجنائز( 1596 ) ، وأحمد في مسنده ( 12860 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر ، فقال : ( اتقي الله واصبري ، قالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ! ولم تعرفه ، فقيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم ! فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك ! فقال : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) .
61 الأساس في التفسير للأستاذ/ سعيد حوّى ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ص ب 161 ، غورية ت 935644 ، المجلد الخامس ص 2711 ، نقلا عن تفسير : في ظلال القرآن .
{ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } أي : قصص الأنبياء والرسل مع قومهم ، { عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } أي : يعتبرون بها ، أهل الخير وأهل الشر ، وأن من فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة ، ويعتبرون بها أيضا ، ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة ، وأنه الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له .
وقوله : { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } أي : ما كان هذا القرآن الذي قص الله به عليكم من أنباء الغيب ما قص من الأحاديث المفتراة المختلقة ، { وَلَكِنْ } كان { تصديق الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب السابقة ، يوافقها ويشهد لها بالصحة ، { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } يحتاج إليه العباد من أصول الدين وفروعه ، ومن الأدلة والبراهين .
{ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإنهم - بسبب ما يحصل لهم به من العلم بالحق وإيثاره - يحصل لهم الهدى ، وبما يحصل لهم من الثواب العاجل والآجل تحصل لهم الرحمة .
في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة التي قال الله في أولها { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } وقال { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ } وقال في آخرها { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } غير ما تقدم في مطاويها من الفوائد .
فمن ذلك ، أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها ، لما فيها من أنواع التنقلات ، من حال إلى حال ، ومن محنة إلى محنة ، ومن محنة إلى منحة ومنَّة ، ومن ذل إلى عز ، ومن رقٍّ إلى ملك ، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف ، ومن حزن إلى سرور ، ومن رخاء إلى جدب ، ومن جدب إلى رخاء ، ومن ضيق إلى سعة ، ومن إنكار إلى إقرار ، فتبارك من قصها فأحسنها ، ووضحها وبيَّنها .
ومنها : أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا ، وأن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده ، وإن أغلب ما تبنى عليه المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة ، فإن رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس والقمر ، وأحد عشر كوكبا له ساجدين ، وجه المناسبة فيها : أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها ، وبها منافعها ، فكذلك الأنبياء والعلماء ، زينة للأرض وجمال ، وبهم يهتدى في الظلمات كما يهتدى بهذه الأنوار ، ولأن الأصل أبوه وأمه ، وإخوته هم الفرع ، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورا وجرما ، لما هو فرع عنه . فلذلك كانت الشمس أمه ، والقمر أباه ، والكواكب إخوته .
ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث ، فلذلك كانت أمه ، والقمر والكوا كب مذكرات ، فكانت لأبيه وإخوته ، . ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له ، والمسجود [ له ] معظم محترم ، فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظما محترما عند أبويه وإخوته .
ومن لازم ذلك أن يكون مجتبى مفضلا في العلم والفضائل الموجبة لذلك ، ولذلك قال له أبوه : { وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث } ومن المناسبة في رؤيا الفتيين ، أنه أول رؤيا ، الذي رأى أنه يعصر خمرا ، أن الذي يعصر في العادة ، يكون خادما لغيره ، والعصر يقصد لغيره ، فلذلك أوَّله بما يؤول إليه ، أنه يسقي ربه ، وذلك متضمن لخروجه من السجن .
وأوَّل الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ، بأن جلدة رأسه ولحمه ، وما في ذلك من المخ ، أنه هو الذي يحمله ، وأنه سيبرز للطيور ، بمحل تتمكن من الأكل من رأسه ، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه ، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل .
وأوَّل رؤيا الملك للبقرات والسنبلات ، بالسنين المخصبة ، والسنين المجدبة ، ووجه المناسبة أن الملك ، به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها ، وبصلاحه تصلح ، وبفساده تفسد ، وكذلك السنون بها صلاح أحوال الرعية ، واستقامة أمر المعاش أو عدمه .
وأما البقر فإنها تحرث الأرض عليها ، ويستقى عليها الماء ، وإذا أخصبت السنة سمنت ، وإذا أجدبت صارت عجافا ، وكذلك السنابل في الخصب ، تكثر وتخضر ، وفي الجدب تقل وتيبس وهي أفضل غلال الأرض .
ومنها : ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث قصَّ على قومه هذه القصة الطويلة ، وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا دارس أحدا .
يراه قومه بين أظهرهم صباحا ومساء ، وهو أمِّيٌّ لا يخط ولا يقرأ ، وهي موافقة ، لما في الكتب السابقة ، وما كان لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون .
ومنها : أنه ينبغي البعد عن أسباب الشر ، وكتمان ما تخشى مضرته ، لقول يعقوب ليوسف { يا بني لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا } ومنها : أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره لقوله : { فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا }
ومنها : أن نعمة الله على العبد ، نعمة على من يتعلق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه ، وأنه ربما شملتهم ، وحصل لهم ما حصل له بسببه ، كما قال يعقوب في تفسيره لرؤيا يوسف { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ } ولما تمت النعمة على يوسف ، حصل لآل يعقوب من العز والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف .
ومنها : أن العدل مطلوب في كل الأمور ، لا في معاملة السلطان رعيته ولا فيما دونه ، حتى في معاملة الوالد لأولاده ، في المحبة والإيثار وغيره ، وأن في الإخلال بذلك يختل عليه الأمر ، وتفسد الأحوال ، ولهذا ، لما قدم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته ، جرى منهم ما جرى على أنفسهم ، وعلى أبيهم وأخيهم .
ومنها : الحذر من شؤم الذنوب ، وأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبا متعددة ، ولا يتم لفاعله إلا بعدة جرائم ، فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه ، احتالوا لذلك بأنواع من الحيل ، وكذبوا عدة مرات ، وزوروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه ، وفي إتيانهم عشاء يبكون ، ولا تستبعد أنه قد كثر البحث فيها في تلك المدة ، بل لعل ذلك اتصل إلى أن اجتمعوا بيوسف ، وكلما صار البحث ، حصل من الإخبار بالكذب ، والافتراء ، ما حصل ، وهذا شؤم الذنب ، وآثاره التابعة والسابقة واللاحقة .
ومنها : أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية ، لا بنقص البداية ، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر ، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم ، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح ، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم ، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة ، وإذا سمح العبد عن حقه ، فالله خير الراحمين .
ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ } وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم ، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف ، أنه رآهم كواكب نيرة ، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء ، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة .
ومنها : ما منَّ الله به على يوسف عليه الصلاة والسلام من العلم والحلم ، ومكارم الأخلاق ، والدعوة إلى الله وإلى دينه ، وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوا بادرهم به ، وتمم ذلك بأن لا يثرب عليهم ولا يعيرهم به .
ثم برُّه العظيم بأبويه ، وإحسانه لإخوته ، بل لعموم الخلق .
ومنها : أن بعض الشر أهون من بعض ، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما ، فإن إخوة يوسف ، لما اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضا ، وقال قائل منهم : { لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ } كان قوله أحسن منهم وأخف ، وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير .
ومنها : أن الشيء إذا تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال ، ولم يعلم أنه كان على غير وجه الشرع ، أنه لا إثم على من باشره ببيع أو شراء ، أو خدمة أو انتفاع ، أو استعمال ، فإن يوسف عليه السلام باعه إخوته بيعا حراما لا يجوز ، ثم ذهبت به السيارة إلى مصر فباعوه بها ، وبقي عند سيده غلاما رقيقا ، وسماه الله شراء{[450]} ، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم .
ومنها : الحذر من الخلوة بالنساء التي يخشى منهن الفتنة ، والحذر أيضا من المحبة التي يخشى ضررها ، فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى ، بسبب توحّدها بيوسف ، وحبها الشديد له ، الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة ، ثم كذبت عليه ، فسجن بسببها مدة طويلة .
ومنها : أن الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله ، مما يقربه إلى الله زلفى ، لأن الهمّ داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء ، وهو طبيعة لأغلب الخلق ، فلما قابل بينه وبين محبة الله وخشيته ، غلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى . فكان ممن { خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ، أحدهم : " رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله " وإنما الهم الذي يلام عليه العبد ، الهم الذي يساكنه ، ويصير عزما ، ربما اقترن به الفعل .
ومنها : أن من دخل الإيمان قلبه ، وكان مخلصا لله في جميع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه ، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه لقوله . { وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } على قراءة من قرأها بكسر اللام ، ومن قرأها بالفتح ، فإنه من إخلاص الله إياه ، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه ، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله ، وخلصه من السوء والفحشاء .
ومنها : أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية ، أن يفر منه ويهرب غاية ما يمكنه ، ليتمكن من التخلص من المعصية ، لأن يوسف عليه السلام -لما راودته التي هو في بيتها- فر هاربا ، يطلب الباب ليتخلص من شرها ، ومنها : أن القرائن يعمل بها عند الاشتباه ، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار ، فما يصلح للرجل فإنه للرجل ، وما يصلح للمرأة فهو لها ، إذا لم يكن بينة ، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة ، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر ، من هذا الباب ، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة ، وحكم بها في قد القميص ، واستدل بقدِّه من دبره على صدق يوسف وكذبها .
ومما يدل على هذه القاعدة ، أنه استدل بوجود الصُّواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة ، من غير بينة شهادة ولا إقرار ، فعلى هذا إذا وجد المسروق في يد السارق ، خصوصا إذا كان معروفا بالسرقة ، فإنه يحكم عليه بالسرقة ، وهذا أبلغ من الشهادة ، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر ، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيد ، حاملا فإنه يقام بذلك الحد ، ما لم يقم مانع منه ، ولهذا سمى الله هذا الحاكم شاهدا فقال : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا }
ومنها : ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن ، . فإن جماله الظاهر ، أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب ، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لمنها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن { مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ } وأما جماله الباطن ، فهو العفة العظيمة عن المعصية ، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها ، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته ، ولهذا قالت امرأة العزيز : { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } وقالت بعد ذلك : { الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } وقالت النسوة : { حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ }
ومنها : أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية ، فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين - إما فعل معصية ، وإما عقوبة دنيوية - أن يختار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة ، ولهذا من علامات الإيمان ، أن يكره العبد أن يعود في الكفر ، بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يلقى في النار .
ومنها : أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله ، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية ، ويتبرأ من حوله وقوته ، لقول يوسف عليه السلام : { وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ }
ومنها : أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير ، وينهيانه عن الشر ، وأن الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس ، وإن كان معصية ضارا لصاحبه .
ومنها : أنه كما على العبد عبودية لله في الرخاء ، فعليه عبودية له في الشدة ، ف " يوسف " عليه السلام لم يزل يدعو إلى الله ، فلما دخل السجن ، استمر على ذلك ، ودعا الفتيين إلى التوحيد ، ونهاهما عن الشرك ، ومن فطنته عليه السلام أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته ، حيث ظنا فيه الظن الحسن وقالا له : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما ، فرآهما متشوفين لتعبيرها عنده - رأى ذلك فرصة فانتهزها ، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما ليكون أنجح لمقصوده ، وأقرب لحصول مطلوبه ، وبين لهما أولا ، أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم ، إيمانه وتوحيده ، وتركه ملة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهذا دعاء لهما بالحال ، ثم دعاهما بالمقال ، وبين فساد الشرك وبرهن عليه ، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه .
ومنها : أنه يبدأ بالأهم فالأهم ، وأنه إذا سئل المفتي ، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله ، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته ، وحسن إرشاده وتعليمه ، فإن يوسف - لما سأله الفتيان عن الرؤيا - قدم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له .
ومنها : أن من وقع في مكروه وشدة ، لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه ، أو الإخبار بحاله ، وأن هذا لا يكون شكوى للمخلوق ، فإن هذا من الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض ، ولهذا قال يوسف للذي ظن أنه ناج من الفتيين : { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ }
ومنها : أنه ينبغي ويتأكد على المعلم استعمال الإخلاص التام في تعليمه وأن لا يجعل تعليمه وسيلة لمعاوضة أحد في مال أو جاه أو نفع ، وأن لا يمتنع من التعليم ، أو لا ينصح فيه ، إذا لم يفعل السائل ما كلفه به المعلم ، فإن يوسف عليه السلام قد قال ، ووصى أحد الفتيين أن يذكره عند ربه ، فلم يذكره ونسي ، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى ، وجاءه سائلا مستفتيا عن تلك الرؤيا ، فلم يعنفه يوسف ، ولا وبخه ، لتركه ذكره بل أجابه عن سؤاله جوابا تاما من كل وجه .
ومنها : أنه ينبغي للمسئول أن يدل السائل على أمر ينفعه مما يتعلق بسؤاله ، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه ، فإن هذا من كمال نصحه وفطنته ، وحسن إرشاده ، فإن يوسف عليه السلام لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك ، بل دلهم - مع ذلك - على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزرع ، وكثرة جبايته .
ومنها : أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن نفسه ، وطلب البراءة لها ، بل يحمد على ذلك ، كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن حتى تتبين لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، ومنها : فضيلة العلم ، علم الأحكام والشرع ، وعلم تعبير الرؤيا ، وعلم التدبير والتربية ؛ وأنه أفضل من الصورة الظاهرة ، ولو بلغت في الحسن جمال يوسف ، فإن يوسف - بسبب جماله - حصلت له تلك المحنة والسجن ، وبسبب علمه حصل له العز والرفعة والتمكين في الأرض ، فإن كل خير في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته .
ومنها : أن علم التعبير من العلوم الشرعية ، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه ، وأن تعبير المرائي داخل في الفتوى ، لقوله للفتيين : { قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } وقال الملك : { أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ } وقال الفتى ليوسف : { أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ } الآيات ، . فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم .
ومنها : أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل ، إذا كان في ذلك مصلحة ، ولم يقصد به العبد الرياء ، وسلم من الكذب ، لقول يوسف : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وكذلك لا تذم الولاية ، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده ، وأنه لا بأس بطلبها ، إذا كان أعظم كفاءة من غيره ، وإنما الذي يذم ، إذا لم يكن فيه كفاية ، أو كان موجودا غيره مثله ، أو أعلى منه ، أو لم يرد بها إقامة أمر الله ، فبهذه الأمور ، ينهى عن طلبها ، والتعرض لها .
ومنها : أن الله واسع الجود والكرم ، يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة ، وأن خير الآخرة له سببان : الإيمان والتقوى ، وأنه خير من ثواب الدنيا وملكها ، وأن العبد ينبغي له أن يدعو نفسه ، ويشوقها لثواب الله ، ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها ، وهي غير قادرة عليها ، بل يسليها بثواب الله الأخروي ، وفضله العظيم لقوله تعالى : { وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }
ومنها : أن جباية الأرزاق - إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضرر يلحقهم - لا بأس بها ، لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات ، للاستعداد للسنين المجدبة ، وأن هذا غير مناقض للتوكل على الله ، بل يتوكل العبد على الله ، ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه .
ومنها : حسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض ، حتى كثرت عندهم الغلات جدا حتى صار أهل الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها ، لعلمهم بوفورها فيها ، وحتى إنه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل ، لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله .
ومنها : مشروعية الضيافة ، وأنها من سنن المرسلين ، وإكرام الضيف لقول يوسف لإخوته { أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ }
ومنها : أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم ، فإن يعقوب قال لأولاده بعد ما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشد المعالجة ، ثم قال لهم بعد ما أتوه ، وزعموا أن الذئب أكله { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } وقال لهم في الأخ الآخر : { هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ } ثم لما احتبسه يوسف عنده ، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم : { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } فهم في الأخيرة - وإن لم يكونوا مفرطين - فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال ، من غير إثم عليه ولا حرج .
ومنها : أن استعمال الأسباب الدافعة للعين أوغيرها من المكاره ، أو الرافعة لها بعد نزولها ، غير ممنوع ، بل جائز ، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر ، فإن الأسباب أيضا من القضاء والقدر ، لأمر يعقوب حيث قال لبنيه : { يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ }
ومنها : جواز استعمال المكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق ، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يحمد عليه العبد ، وإنما الممنوع ، التحيل على إسقاط واجب ، أو فعل محرم .
ومنها : أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره ، بأمر لا يحب أن يطلع عليه ، أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب ، كما فعل يوسف حيث ألقى الصُّواع في رحل أخيه ، ثم استخرجها منه ، موهما أنه سارق ، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته ، وقال بعد ذلك : { مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } ولم يقل " من سرق متاعنا " وكذلك لم يقل " إنا وجدنا متاعنا عنده " بل أتى بكلام عام يصلح له ولغيره ، وليس في ذلك محذور ، وإنما فيه إيهام أنه سارق ليحصل المقصود الحاضر ، وأنه يبقى عند أخيه{[451]} وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعد ما تبينت الحال .
ومنها : أنه لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما علمه ، وتحققه إما بمشاهدة أو خبر من يثق به ، وتطمئن إليه النفس لقولهم : { وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا }
ومنها : هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب عليه السلام ، حيث قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف ، الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة ، ويحزنه ذلك أشد الحزن ، فحصل التفريق بينه وبينه مدة طويلة ، لا تقصر عن خمس عشرة سنة ، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه المدة { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } ثم ازداد به الأمر شدة ، حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف ، هذا وهو صابر لأمر الله ، محتسب الأجر من الله ، قد وعد من نفسه الصبر الجميل ، ولا شك أنه وفى بما وعد به ، ولا ينافي ذلك ، قوله : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر ، وإنما الذي ينافيه ، الشكوى إلى المخلوقين .
ومنها : أن الفرج مع الكرب ؛ وأن مع العسر يسرا ، فإنه لما طال الحزن على يعقوب واشتد به إلى أنهى ما يكون ، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسهم الضر ، أذن الله حينئذ بالفرج ، فحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجة واضطرارا ، فتم بذلك الأجر وحصل السرور ، وعلم من ذلك أن الله يبتلي أولياءه بالشدة والرخاء ، والعسر واليسر ليمتحن صبرهم وشكرهم ، ويزداد - بذلك - إيمانهم ويقينهم وعرفانهم .
ومنها : جواز إخبار الإنسان بما يجد ، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما ، على غير وجه التسخط ، لأن إخوة يوسف قالوا : { يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } ولم ينكر عليهم يوسف .
ومنها : فضيلة التقوى والصبر ، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر ، وأن عاقبة أهلهما ، أحسن العواقب ، لقوله : { قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }
ومنها : أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة بعد شدة وفقر وسوء حال ، أن يعترف بنعمة الله عليه ، وأن لا يزال ذاكرا حاله الأولى ، ليحدث لذلك شكرا كلما ذكرها ، لقول يوسف عليه السلام : { وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ }
ومنها : لطف الله العظيم بيوسف ، حيث نقله في تلك الأحوال ، وأوصل إليه الشدائد والمحن ، ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات .
ومنها : أنه ينبغي للعبد أن يتملق إلى الله دائما في تثبيت إيمانه ، ويعمل الأسباب الموجبة لذلك ، ويسأل الله حسن الخاتمة ، وتمام النعمة لقول يوسف عليه الصلاة والسلام : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }
فهذا ما يسر الله من الفوائد والعبر في هذه القصة المباركة ، ولا بد أن يظهر للمتدبر المتفكر غير ذلك .
فنسأله تعالى علما نافعا وعملا متقبلا ، إنه جواد كريم .
تم تفسير سورة يوسف وأبيه وإخوته عليهم الصلاة والسلام ، والحمد لله رب العالمين .
قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } هذه الآية خير ختام وتعقيب تفضي إليهما هذه السورة الجليلة ، وهي آية مميزة في روعة مبناها وعجيب ألفاظها المصطفاة ، فضلا عما يتزاحم فيها من معان عظام مبدوءة بالإخبار ، ثم بالنفي ، ثم بالاستدراك ، ثم العطف .
وذلك كله في إحكام مترابط منسجم موصول يضم خلاله أكرم المعاني والعبر . وذلك في آية واحدة قصيرة لا يتلوها قارئ متدبر حتى تبادره حلاوة الألفاظ والمعاني ، ويسري في شغافه وخياله جمال الأسلوب المحبوب ، وسحر الإيقاع النافذ إلى عميق النفس . وهذه الخصيصة في روعة الختام والتعقيب إنما تتجلى في القرآن الكريم وحده من بين سائر الكلم ! أما تأويل الآية فهو أنه كان في أخبار النبيين والمرسلين وأممهم ، وكذلك ما حوته قصة يوسف من حقائق وأنباء تذهل –في ذلك كله { عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ } أي ذكرى وموعظة لأولى النهي والأفهام من الناس .
إن ما حواه القرآن من أخبار الأولين وقصصهم وما لقيه النبيون والمرسلون من صنوف البلاء والتعذيب من أممهم الفاسق أكثرها لهم خير تذكير وعظة للمتدبرين أولي الأبصار .
وفي جملة ذلك كله قصة يوسف وما حوته من وقائع وأحداث تثير الحيرة والدهش وتستنفر الألم والأسى وتعتصر القلوب لتفيض مضاضة وحزنا ! ويأتي في مقدمة هذه الوقائع المذهلة مثلبة الحسد البغيض الذي يستولي على المرء شر استيلاء ليسول له قتل أخيه ، لا في الدين فحسب بل في الذين والنسب . لا جرم أن الحسد يسري في دم ابن آدم سريان الماء في عروق الأرض ، وأنه يطغى على القلب والأعصاب والجهاز النفسي كله في الغالب فينجح بصاحبه لفعل الفظائع من المنكرات إلا أن يتذكر المرء مخافة الله في قلبه فيرعوى ليفيء إلى الصواب كلما ذكر الله في نفسه فاتقاه وازدجر .
قوله : { مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } ما كان هذا القرآن حديثا مختلقا اختلاقا كما زعم الجاهدون السفهاء { وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } { تصديق } ، منصوب ؛ لأنه خبر كان . وتقديره : ولكن كان ذلك تصديق الذي بين يديه{[2307]} ؛ أي كان هذا القرآن تصديقا لما قبله من التوراة والإنجيل وسائر كتب الله . فالقرآن مصدق لما في الكتب المنزلة من السماء ؛ فهو يصدق الصحيح منها ، وينفي ما وقع فيها من تغيير وتبديل { وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ } آيات القرآن جاءت لتفصل ما يحتاج إليه الناس من أحكام الحلال والحرام بما في ذلك من بيان للواجبات والمستحبات والمحرمات والمكروهات . وكذلك الإخبار عن أسماء الله وصفاته وما يليق بجنابه وما لا يليق مما هو عنه منزه . وكذلك أنباء الأولين من الغابرين والدارسين مما فيه موعظة وذكرى للمتدبرين المتقين { وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } { وَهُدًى وَرَحْمَةً } ، منصوبان على العطف على قوله : { تصديق } ؛ أي إن القرآن نور تستضيء به البشرية لتهتدي في طريقها وحياتها فلا تضل أو تتعثر ، وهو كذلك بما تضمنه من أحكام وشرائع ومبادئ وقيم ؛ رحمة مهداة من الله للناس كيما يسعدوا بع في حياتهم هذه ، ويوم القيامة يكونون من الآمنين الناجين في مقعد صدق وعليين . جعلنا الله في زمرة السعداء الآمنين الناجين في الدنيا والآخرة .