الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (7)

{ خَتَمَ اللَّهُ } : أي طبع { عَلَى قُلُوبِهمْ } والختم والطبع بمعنى واحد وهما التغطية للشيء [ والاستيثاق ] من أن يدخله شيء آخر .

فمعنى الآية : طبع الله على قلوبهم وأغلقها وأقفلها فليست تعي خبراً ولا تفهمه . يدل عليه قوله : { أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ } [ محمد : 24 ] .

وقال بعضهم : معنى الطبع والختم : حكم الله عليهم بالكفر والشقاوة كما يُقال للرجل : ختمت عليك أن لا تفلح أبداً . { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } : فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به ، وإنما وحّده لأنه مصدر ، والمصادر لا تُثنّى ولا تجمع ، وقيل : أراد سمع كل واحد منهم كما يُقال : آتني برأس كبشين ، أراد برأس كل واحد منهما ، قال الشاعر :

كلوا في نصف بطنكم تعيشوا *** فإن زمانكم زمن خميص

وقال سيبويه : توحيد السمع يدل على الجمع لأنه لا توحيد جمعين كقوله تعالى : { يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [ البقرة : 257 ] يعني الأنوار .

قال الراعي :

بها جيف الحسري فأما عظامها *** فبيض وأما جلدها فصليب

وقرأ ابن عبلة : وعلى أسماعهم ، وتم الكلام عند قوله { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } .

ثم قال : { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ } : أي غطاء وحجاب ، فلا يرون الحق ، ومنه غاشية السرج ، وقرأ المفضل بن محمد الضبي : { غِشَاوَةٌ } بالنصب كأنّه أضمر له فعلا أو جملة على الختم : أي وختم على أبصارهم غشاوة .

يدل عليه قوله تعالى :{ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } [ الجاثية : 23 ] .

وقرأ الحسن : { غُشَاوَةٌ } بضم الغين ، وقرأ الخدري : { غَشَاوَةٌ } بفتح الغين ، وقرأ أصحاب عبد الله : غشوة بفتح الغين من غير ألف . { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } : القتل والأسر في الدنيا ، والعذاب الأليم في العقبى ، والعذاب كلّ ما يعنّي الإنسان ويشقّ عليه ، ومنه : عذّبه السواط ما فيها من وجود الألم ، وقال الخليل : العذاب ما يمنع الانسان من مراده ، ومنه : الماء العذب لأنه يمنع من العطش .