ولما كان من رجوع{[18573]} الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - مادحاً لهذه الأمة ليمعنوا{[18574]} في رضاه{[18575]} حمداً وشكراً و{[18576]}مؤيساً لأهل الكتاب عن إضلالهم{[18577]} ليزدادوا حيرة{[18578]} وسكراً{[18579]} : { كنتم خير أمة } أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعاً . ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال : { أخرجت للناس } ثم بين وجه الخيرية{[18580]} بما لم يحصل مجموعه لغيرهم على ما هم{[18581]} عليه من المكنة بقوله : { تأمرون } أي على سبيل التجدد والاستمرار { بالمعروف } أي كل ما عرفه الشرع وأجازه { وتنهون عن المنكر } وهو ما خالف ذلك ، ولو وصل الأمر إلى القتال ، مبشراً لهم بأنه قضى في ألأزل أنهم يمتثلون{[18582]} ما أمرهم به من {[18583]}الأمر بالمعروف{[18584]} والنهي عن المنكر في قوله : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } إراحة لهم من كلفة النظر في {[18585]}أنهم هل يمتثلون{[18586]} فيفلحوا ، وإزاحة{[18587]} لحملهم{[18588]} أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا{[18589]} ويربحوا ، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب ، وللترمذي - وقال : حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي{[18590]} صلى الله عليه يقول في هذه الآية : " أنتم تتمون{[18591]} سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى " وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " أنتم خير الناس للناس{[18592]} ، تأتون{[18593]} بهم في{[18594]} السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا{[18595]} في الإسلام{[18596]} " .
ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً ، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير فقال{[18597]} { وتؤمنون } أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون{[18598]} { بالله } أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته ، وارتدت {[18599]}نوافذ أبصار{[18600]} البصائر خاسئة{[18601]} عن حصر صفاته ، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً ، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه ؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً ، لأن الكون المذكور{[18602]} لا يحصل إلا بجميع{[18603]} ما ذكر ، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم ، وقد صدق{[18604]} الله ومن أصدق من الله حديثاً !
قاال الإمام أبو عمر يوسف بن{[18605]} عبد البر النمري{[18606]} في خطبة كتاب الاستيعاب : روى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول : لما دخل{[18607]} أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال : ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالمناشير{[18608]} وصلبوا على الخشب بأشد اجتهاداً{[18609]} من هؤلاء - انتهى .
ولما كان من المعلوم أن التقدير : وذلك خير لكم ، عطف عليه قوله : { ولو آمن أهل الكتاب } أي أوقعوا{[18610]} الإيمان كما آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل عليهم في كتابهم وغيره ، ولم يفرقوا{[18611]} بين شيء من ذلك { لكان } أي الإيمان { خيراً لهم } إشارة إلى تسفيه{[18612]} أحلامهم{[18613]} في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العرض{[18614]} القليل الفاني والرئاسة التافهة ، وتركهم{[18615]} الغنى الدائم والعز الباهر الثابت .
ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفاً : { منهم المؤمنون } أي الثابتون في الإيمان ، ولكنهم قليل { وأكثرهم الفاسقون * } أي{[18616]} الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجاً يضمحل معه خروج غيرهم .
قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) الفعل كان في قوله : ( كنتم ) ناقصة . وبذلك فقوله : ( كنتم ) يحتمل المراد ثلاثة وجوه هي :
الأول : أنكم كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة .
الثاني : أن ذلك مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم وهم السابقون الأولون .
الثالث : أن هذه الآية عامة في جميع الأمة الإسلامية كل قرن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . وهو الراجح والصواب .
وقيل : كان هنا تامة . فيكون المعنى : وجدتم وخلقتم خير أمة{[564]} .
وكيفما كان اعتبار " كان " هنا فإنه يجب الاستفادة من مدلول الآية في خيرية أمة الإسلام بما يستثير الانتباه والنظر إلى هذه الحقيقة الكبرى . وهي أن أمة القرآن خير الأمم التي أقلتها هذه الأرض ، ولا يقال مثل هذه الكلام من قبيل التعصب للجنس أو العرق أو غير ذلك من مختلف المظاهر النوعية والإقليمية . ولكنها الحقيقة المبنية على الدليل والبرهان . ووجه ذلك أن أمة الإسلام قد صنعها هذا الدين المتكامل المميز الوسط ، الدين الذي يتسم بكل مزايا التوازن والتوسط ، فضلا عن مراعاته الكاملة لفطرة الإنسان ، لا جرم أن مثل هاتيك الخصائص لا تتجلى في ديانة ولا عقيدة ولا ملة ولا فلسفة من الفلسفات أو مبدأ من مبادئ الدنيا ، ليس شيء من ذلك إلا مناهض لفطرة الإنسان أو مخالف لطبيعته مهما كان مدى هذه المخالفة ، لكن الإسلام وحده جُماع مزايا الصلاح كله . يضاف إلى ذلك ما نبه عنه القرآن في هذه الآية وهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وذان عنصران أساسيان قد تجليا في أمة الإسلام تجليا مكشوفا وعلى غير مثال ولا نظير في الملل السابقة . وفوق ذلك كله ما يتجلى في هذه الأمة من إيمان صادق وثيق ، إيمان حقيقي سليم ، مبرأ من كل زيف أو تضليل أو خرافة ، إيمان بالله وحده لا شريك له وما يستتبعه ذلك من أسماء لله حسنى وما تقتضيه هذه من صفات الكمال لله جل وعلا .
إذا تبين ذلك أيقنا أن عقيدة الإسلام وحدها المبنية على التوحيد الكامل لله ، الخالصة من كل أدران الشرك على اختلاف صوره وأشكاله ، البعيدة عن كل صور الزيف والافتراء والباطل .
من هنا لزم القول إن أمة الإسلام وحدها لهي المخولة بقيادة البشرية إلى ما فيه أمنها وسلامتها وسعادتها ، ذلك أن هذه الأمة قد صنعها الإسلام لتكون على خير حال من توازن الشخصية واستواء الطبع وجمال العقيدة والفكر ، في غير ما خلل ولا شذوذ ولا اضطراب ، وبعيدا عن كل صور الإفراط والتفريط . أمة منسجمة ملتئمة متسقة في أفكارها وتصوراتها وتطلعاتها وحضارتها ، فهي وحدها معنية بحمل رسالة الإصلاح والهداية والترشيد للبشرية تخليصا لها مما يحيق بها من الأرزاء والملمات والأزمات . أمة الإسلام قائمة على الود والرحمة واليقين ، وقد جيء بها لتحمل لواء الرحمة للناس جميعا ، فتتبدد من وجه هذه الدنيا كل معالم الشر والفساد والباطل . ولتشعشع في الآفاق أنوار الخير والتعاون والسلام .
قوله : ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) أي لو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه و سلم وما جاءهم في ذلك من عند الله ، فآمنوا كإيمان المسلمين ، هذا الإيمان الحقيقي الصادق الذي لا يعتوره زيف ولا تضليل ولا خلل ، والذي لا يخالطه تحريف ولا تبديل ولا افتراء ( لكان خيرا لهم ) لسوف يفضي بهم هذا الإيمان الصحيح إلى الخير . إذ يصنع منهم أمة سوية رحيمة سليمة من عطب العقيدة وفساد الفكر والتصور .
ومع ذلك فقد آمن بنبي الإسلام نفر قليل من أهل الكتاب ، لكن الأكثرين مهم الفاسقون ، وذلك من الفسق أي الخروج ، فقد خرج أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن دينهم مما في التوراة والإنجيل . وكان هذان الكتابان قد تضمنا ذكر رسالة الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه و سلم وتحريض بني إسرائيل على تصديقه والإيمان به ، لكنهم أبوا وعتوا عتوا كبيرا . وما فتئ اليهود والنصارى يزدادون على مرّ الزمن كفرا بدين الإسلام وبنبيه محمد صلى الله عليه و سلم ، فضلا عن حمالات الصدر والتضليل والتشويه لهذا الدين العظيم وعما يتفننون فيه من أساليب الإبادة والتدمير والتشريد للمسلمين .