اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ} (6)

قوله : { الثَّرَى } : هو التراب النَّدِي{[23092]} ، ولامه ياء بدليل تثنيته على ثَرَيَيْن وقولهم : ثَرِيَتْ الرضُ تَثْرَى ثَرًى{[23093]} . والثَّرَى في انقطاع المودة ، قال جرير :

فَلاَ تَنْبِشُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الثَّرَى *** فَإنَّ{[23094]} الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ مُثْرِي{[23095]}

والثَّراء بِالمَد : كثرة المال{[23096]} ، قال :

أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى *** إذَا حَشْرجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ{[23097]}

وَما أَحسن قولَ ابن دُرَيد{[23098]} في قصيدته التي جمع فيها بن الممدود والمقصور باختلاف معنى{[23099]} .

فصل{[23100]}

قال المفسرون : معنى{[23101]} " لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأرْضِ " لما شرح ملكه بقوله : { الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى } ، والملك لا ينتظم إلا بالقدوة والعلم لا جرم عقبه بالقدرة{[23102]} ثم بالعلم .

أما القدرة فهي هذه الآية ، والمعنى : أنه تعالى مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من مَلَكٍ ونَجْم وغيرهما ، ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات{[23103]} ، ومالك لما بينهما{[23104]} من الهواء ، ومالك لما تحت الثرى{[23105]} . قال الضحاك : يعني ما روى الثرى من شيء{[23106]} .

وقال ابن عباس : إن الأَرضينَ على ظهر النون ، والنون{[23107]} على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش ، والبحر على صخرة خضراء اخضرت السموات{[23108]} منها . وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى{[23109]} في قصة لقمان " فَتَكنْ فِي صَخْرَةٍ " {[23110]} ، والصخرة على قرن ثور ، والثور على الثرى ، و " مَا تَحْتَ الثَّرَى " لا يعلمه إلا الله تعالى{[23111]} . وذلك الثور فاتح فاه ، فإذا جعل الله البحار بحراً واحداً سالت في جوف الثور فإذا وقعت في جوفه يبست{[23112]} .


[23092]:الندى: سقط من ب.
[23093]:اللسان (ثرا).
[23094]:في ب: وإن.
[23095]:البيت من بحر الطويل قاله جرير، وهو في ديوانه 1/421 واللسان (ثرا) والبحر المحيط 6/222. ورواية الديوان: فلا توبسوا. فلا توبسوا: أي لا تجعلوه يابسا. لا توبس بيني وبينك الثرى: أي لا تذهب المودة بيني وبينك والشاهد فيه استعمال (الثرى) في انقطاع المودة.
[23096]:في ب: والثرى بالمد ذكر المال. وهو تحريف.
[23097]:البيت من بحر الطويل، قاله حاتم الطائي برواية: أماويَّ ما يغني الثراء عن الفتى: إذا حشرجت نفس وضاق بها الصدر. اللسان (حشر- قرن). أماويَّ: الهمزة للنداء، وماوي: منادى مرخم ماوية، وهي زوجة حاتم، والماوية في اللغة: المرآة التي يرى فيها الوجه، كأنها منسوبة إلى الماء، فإن النسبة إلى الماء مائي وماوي، الحشرجة: الغرغرة عند الموت وتردد الصوت. والشاهد فيه أن (الثراء) بالمد كثرة المال. وقد أتى به بعض النحويين شاهدا على أن ضمير الغائب فاعل (حشرجت) يعود على النفس التي هي بعض (الفتى). وعلى رواية الديوان ففاعل (حشرجت) (نفس) وليس ضميرا. وقد تقدم.
[23098]:تقدم.
[23099]:وهو قوله: يوما تصير إلى الثرى *** ويفوز غيـرك بالثراء وهو البيت الثاني من قصيدته في المقصور والممدود يعني ما يفتح أوله فيقصر ويمد والمعنى مختلف، ومطلع القصيدة: لا تركننّ إلى الهوى *** واذكر مفارقه الهواء ديوان ابن زيد (138).
[23100]:فصل: سقط من ب.
[23101]:من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22/8.
[23102]:بالقدرة: سقط من ب.
[23103]:كذا في الفخر الرازي وفي الأصل: الفلوات، وفي ب: الحيوانات. وهو تحريف. وفي هامش الفخر الرازي: في الأصل الأميري: والفلوات جمع فلاة وهي الخلاء والفضاء في الأرض كالصحاري لا نبات بها. وهي محرفة عن الفلزات وهي جواهر الأرض وعناصرها المكونة منها.
[23104]:في ب: فيها.
[23105]:آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22/8.
[23106]:انظر البغوي 5/410.
[23107]:في ب: على ظهر الثور والثور.
[23108]:في ب: السماء.
[23109]:تعالى: سقط من ب.
[23110]:من قوله تعالى : {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16].
[23111]:في ب: إلا الله عز وجل.
[23112]:انظر البغوي 5/410 – 411.