اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ} (9)

قوله : { وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط } .

أي : افعلوه مستقيماً بالعدل .

وقال أبو الدرداء : أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل{[54309]} .

وقال ابن عيينة : الإقامة باليد ، والقسط بالقلب .

وقال مجاهد : القسط : العدل بالرومية{[54310]} .

وقيل : هو كقولك : أقام الصلاة ، أي : أتى بها في وقتها ، وأقام الناس أسواقهم ، أي : أتوا بها لوقتها ، أي : لا تدعوا التعامل بالوزن والعدل .

قوله : «ولا تُخْسِرُوا » .

العامة{[54311]} على ضم التاء وكسر السين ، من «أخْسَرَ » أي : نقص ، كقوله : { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } [ المطففين : 3 ] .

وقرأ زيد{[54312]} بن علي ، وبلال بن أبي بردة : بفتح التاء وكسر السين ، فيكون «فَعِل ، وأفْعَل » بمعنى ، يقال : خَسِر الميزان ، وأخْسَره «بمعنى واحد ، نحو : جَبِر وأجْبر » .

ونقل أبو الفتح{[54313]} وأبو الفضل عن بلال : فتح التاء والسين ، ونقلها أيضاً القرطبي{[54314]} عن أبان بن عثمان ، قال : وهما لغتان ، يقال : أخسرت الميزان ، وخسرته ، ك «أجبرته » و«جبرته » .

قال شهاب الدين{[54315]} : وفيها وجهان :

أحدهما : أنه على حذف حرف الجر ، تقديره : «ولا تخسروا في الميزان » ، ذكره الزمخشري{[54316]} وأبو البقاء{[54317]} ، إلا أن أبا حيان{[54318]} قال : لا حاجة إلى ذلك ؛ لأن «خَسِر » جاء متعدياً ، قال تعالى : { خسروا أَنفُسَهُمْ } [ الأنعام : 12 ] و{ خَسِرَ الدنيا والآخرة } [ الحج : 11 ] .

قال شهاب الدين{[54319]} : «وهذا أليق من ذاك ، ألا ترى أن «خسروا أنفسهم » و «خسر الدنيا والآخرة » معناه : أن الخسران واقع بهما ، وأنهما معدومان ، وهذا المعنى ليس مراداً في الآية قطعاً ، وإنما المراد : لا تخسروا الموزُون في الميزان » .

وقرئ{[54320]} : «تَخْسُروا » بفتح التاء وضم السين .

قال الزمخشري{[54321]} : «وقرئ : «ولا تَخْسروا » بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها ، يقال : خَسِر الميزان يَخْسُره ويَخْسِره ، وأما الفتح فعلى أن الأصل : «في الميزان » فحذف الجار ، وأوصل الفعل إليه » .

وكرر لفظ «الميزان »{[54322]} ولم يضمره في الجملتين بعده تقوية لشأنه .

وهذا كقول الآخر : [ الخفيف ]

لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ *** نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا{[54323]}

فصل في معنى الآية

المعنى : ولا تنقصوا ولا تبخسوا الوزن والكيل ، كقوله : { وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } [ هود : 84 ] .

وقيل : لا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة ، فيكون ذلك حسرة عليكم ، وكرَّر الميزان لحال رُءُوس الآي .

وقيل : التكرير للأمر بإيفاء الوزن ، ورعاية العدل فيه{[54324]} .

وقال ابن الخطيب{[54325]} : { ولا تخسروا الميزان } أي : لا تنقصوا الموزون .

وذكر «الميزان » ثلاث مرات ، فالأول : بمعنى الآلة ، وهو قوله «وَضَعَ المِيزانَ » .

والثاني : بمعنى المصدر أي : لا تطغوا في الوزن .

والثالث : للمفعول ، أي : لا تخسروا الموزون .

وبين القرآن و«الميزان » مناسبة ، فإن القرآن فيه العلم الذي لا يوجدُ في غيره من الكتب ، والميزان به يقام العدل الذي لا يقام بغيره من الآلات .


[54309]:ينظر: القرطبي 17/101، 102.
[54310]:ذكره الماوردي (5/425) عن مجاهد.
[54311]:ينظر: الدر المصون 6/237، والبحر المحيط 8/188.
[54312]:ينظر: الكشاف 4/444، والمحرر الوجيز 5/225، والبحر المحيط 8/188، والدر المصون 6/237.
[54313]:ينظر: الدر المصون 6/237.
[54314]:ينظر: تفسير القرطبي 17/102.
[54315]:ينظر: الدر المصون 6/237.
[54316]:ينظر: الكشاف 4/444.
[54317]:ينظر: الإملاء 2/1197.
[54318]:ينظر: البحر المحيط 8/188.
[54319]:ينظر: الدر المصون 6/237.
[54320]:ينظر: الكشاف 4/444، والبحر المحيط 8/188، والدر المصون 6/237.
[54321]:الكشاف 4/444.
[54322]:ينظر: الدر المصون 6/237.
[54323]:تقدم.
[54324]:ينظر: القرطبي 17/102.
[54325]:ينظر: تفسير الفخر الرازي 29/81.