اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ} (35)

قوله : { إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ } .

قيل : الضَّمير يعود ( على ){[54876]} الحُور العين ، أي : خلقناهن من غير ولادة .

وقيل : المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً ، وهو الإعادة ، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب ، وكمال الجمال ، ويرجحه قوله : { فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً } لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر .

والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء ، وأخرن ، ولم يتقدم ذكرهنّ ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين ، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم{[54877]} .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً } قال : «مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ »{[54878]} .

«وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً } ، فقال : «يا أمَّ سلمة ، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ ، شُمْطاً ، عُمْشاً ، رُمْصاً ، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ »{[54879]} .

وروى أنس بن مالك ، يرفعه في قوله : { إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً } قال : «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ ، الرُّمص ، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً »{[54880]} .

وعن المسيب بن شريك : «قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً } ، قال : «هُنَّ عجائزُ الدُّنيا ، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً ، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً » فلما سمعت عائشة بذلك قالت : واوجعاه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ »{[54881]} .

وعن الحسن قال : «أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة ، فقال : «يَا أم فُلانٍ ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ » ، قال : فولَّت تبكي ، فقال : أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ ، إنَّ الله تعالى يقُولُ : { إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً }{[54882]} » .

قوله : «عُرُباً » .

جمع «عَرُوب » ك «صَبُور ، وصُبُر » ، والعَرُوب : المحببة إلى بعلها ، واشتقاقه من «أعرب » إذا بين .

فالعروب : تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام . قاله عكرمة وقتادة{[54883]} .

وقيل : الحسناء .

وقيل : المحسِّنة لكلامها{[54884]} .

وقرأ حمزة{[54885]} ، وأبو بكر : بسكون الراء . وهذا ك «رُسُل ورُسْل ، وفُرُش وفُرْش » . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هنّ العواشق{[54886]} .

وأنشد للبيد : [ البسيط ]

وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ *** رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ{[54887]}

ويروى : [ البسيط ]

وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ *** ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا{[54888]}

وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما : العُرُب ، العواشق لأزواجهن{[54889]} .

وعن عكرمة : العَرُوبة : الغَنِجَة{[54890]} .

قال ابن زيدٍ : بلغة أهل «المدينة » ، وأنشد بيت لبيد ، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة »{[54891]} .

«وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : «عُرُبا »ً قال : «كلامُهنَّ عَربيٌّ »{[54892]} .

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما : «العَرُوب » الملقة{[54893]} .

قوله : «أتْرَاباً » جمع «تِرْب » ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد ، وهو آكد في الائتلاف ، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة ؛ لأنه في معنى الصفة ؛ إذ معناه «مساويك » ، ومثله : «خِدنُك » لأنه في معنى صاحبك{[54894]} .

قال القرطبي{[54895]} : «سنّ واحد ، وهو ثلاث وثلاثون سنة ، يقال في النساء : أتْرَاب ، وفي الرجال : أقْرَان ، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء ، وانحطَّت عن الكبر » .

وقال مجاهد : الأتْراب : الأمثال والأشكال .

وقال السُّدي : أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد{[54896]} .

وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً ، جعَاداً ، مكحَّلينَ ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ »{[54897]} .

وعنه - عليه الصلاة والسلام - قال : «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً ، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ »{[54898]} .


[54876]:في ب: إلى.
[54877]:ينظر؛ القرطبي 17/136.
[54878]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (11/640) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/224) وزاد نسبته إلى الطيالسي وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه وابن قانع والبيهقي في "البعث" من حديث سلمة بن يزيد الجعفي.
[54879]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (11/641).
[54880]:أخرجه الترمذي (3296) والطبري في "تفسيره" (11/640) من طريق موسى بن عبيدة عن يزيد عن أبان عن أنس مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث موسى بن عبيدة وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/224) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "البعث".
[54881]:ذكره البغوي في "تفسيره" (4/283) عن المسيب بن شريك.
[54882]:أخرجه الترمذي في "الشمائل" رقم (241) والبيهقي في "البعث" (241) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/224) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا. وللحديث شاهد من حديث عائشة، أخرجه الطبري (11/246) والبيهقي في "البعث" رقم (379) من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة. وله طريق آخر عنها ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/419) وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه مسعدة بن اليسع وهو ضعيف.
[54883]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (11/642) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/225) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
[54884]:ينظر: الدر المصون 6/259، والبحر المحيط 8/207.
[54885]:ينظر: السبعة 622، والحجة للقراء السبعة 6/257، 257 وإعراب القراءات 2/343، 344، وحجة القراءات 696، والعنوان 185، وشرح شعلة 596، وإتحاف 2/515.
[54886]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (11/642) عن ابن عباس والحسن ومجاهد. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/225): عن ابن عباس وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عنه. وله طريق آخر عن الضحاك عن ابن عباس ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/225) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
[54887]:ينظر ديوانه ص 56، ومجاز القرآن 2/251، والطبري 27/107، والقرطبي 17/137، والدر المصون 6/260.
[54888]:تقدم.
[54889]:تقدم.
[54890]:تقدم.
[54891]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (11/643) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/226) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
[54892]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/226) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
[54893]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (11/643) من طريق عكرمة بن أبي عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/225) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
[54894]:ينظر: الدر المصون 6/260.
[54895]:الجامع لأحكام القرآن 17/137.
[54896]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (17/137).
[54897]:أخرجه الترمذي (4/589) رقم (2545) من طريق قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمان بن غنم عن معاذ مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة مرسلا ولم يسندوه. وأخرجه أحمد (2/295) من حديث أبي هريرة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (1/48) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الكبير.
[54898]:أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (2/128) ومن طريقه البغوي في "تفسيره" (41/284) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (39344) وعزاه إلى الترمذي.