ثم قال تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { السحت } بضم السين والحاء حيث كان ، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من : سحته ، ونقل صاحب الكشاف { السحت } بفتحتين ، والسحت بكسر السين وسكون الحاء ، وكلها لغات .
المسألة الثانية : ذكروا في لفظ السحت وجوها قال الزجاج : أصله من سحته إذا استأصله ، قال تعالى : { فيسحتكم بعذاب } وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب ، أي يستأصلهم ، أو لأنه مسحوت البركة ، قال تعالى : { يمحق الله الربا } الثاني : قال الليث : إنه حرام يحصل منه العار ، وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها ، والثالث : قال الفراء : أصل السحت شدة الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يلقى إلا جائعا أبدا ، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة ، وهذا أيضا قريب من الأول ، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه .
إذا عرفت هذا فنقول : السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية : روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد ، وزاد بعضهم ، ونقص بعضهم ، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة ، ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك ، فكان سحتا لا محالة .
المسألة الثالثة : في قوله { سماعون للكذب أكالون للسحت } وجوه : الأول : قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه ، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . الثاني : قال بعضهم : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية ، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم . الثالث : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ، أكالون للربا لقوله تعالى : { وأخذهم الربا } .
ثم قال تعالى : { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ثم إنه تعالى خيره بين الحكم فيهم والإعراض عنهم ، واختلفوا فيه على قولين : الأول : أنه في أمر خاص ، ثم اختلف هؤلاء ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري : أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم . الثاني : أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير ، وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة ، وفي قريظة نصف دية ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء . الثالث : أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم ، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم .
القول الثاني : أن الآية عامة في كل جاءه من الكفار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ ، وهو قول النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم ، ومنهم من قال : إنه منسوخ بقوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة . ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه ، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم ، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك ، وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين .
ثم قال تعالى : { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } والمعنى : أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف ، كالجلد مكان الرجم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له ، فبين الله تعالى أنه لا تضره عداوتهم له .
ثم قال تعالى : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } .
{ سماعون لِلْكَذِبِ } ، وقيل : إن الظاهر أنه تعليل لقوله تعالى : { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } [ المائدة : 41 ] الخ أو توطئة لما بعده ، أو المراد بالكذب هنا الدعوى الباطلة ، وفيما مر ما يفتريه الأحبار ، ويؤيده الفصل بينهما . { أكالون لِلسُّحْتِ } أي الحرام من سحته إذا استأصلته ، وسمي الحرام سحتاً عند الزجاج لأنه يعقب عذاب الاستئصال والبوار ، وقال الجبائي : لأنه لا بركة فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال غالباً ، وقال الخليل : لأن في طريق كسبه عاراً فهو يسحت مروءة الإنسان ، والمراد به هنا على المشهور : الرشوة في الحكم ، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن .
وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عمر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ، قيل : يا رسول الله وما السحت ؟ قال : الرشوة في الحكم " وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هدايا الأمراء سحت " وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي ؟ قال : لا ولكن كفر ، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية ، وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل عن السحت فقال : الرشا ، فقيل له في الحكم قال : ذاك الكفر ، وأخرج البيهقي في «سننه » عن ابن مسعود نحو ذلك ، وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ست خصال من السحت : رشوة الإمام وهي أخبث ذلك كله وثمن الكلب وعسب الفحل ومهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن " ، وعدّ ابن عباس رضي الله تعالى عنه في رواية ابن منصور والبيهقي عنه أشياء أخر .
قيل : ولعظم أمر الرشوة اقتصر عليها من اقتصر ، وجاء من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه لعن الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما " ولتفاقم الأمر في هذه الأزمان بالارتشاء صدر الأمر من حضرة مولانا ظل الله تعالى على الخليقة ومجدد نظام رسوم الشريعة والحقيقة السلطان العدلي محمود خان لا زال محاطاً بأمان الله تعالى حيثما كان في السنة الرابعة والخمسين بعد الألف والمائتين بمؤاخذة المرتشي وأخويه على أتم وجه ، وحد للهدية حداً لئلا يتوصل بها إلى الإرتشاء كما يفعله اليوم كثير من الأمراء ، فقد أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ والنجش بالصدقة ، والسحت بالهدية ، والقتل بالموعظة يقتلون البرىء ليوطئوا العامة يملى لهم فيزدادوا إثماً "
هذا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب { السحت } بضمتين ، وهما لغتان كالعنق والعنق . / وقرىء { السحت } بفتح السين على لفظ المصدر أريد به المسحوت كالصيد بمعنى المصيد ، و { السحت } بفتحتين و { السحت } بكسر السين .
{ فَإِن جَاءوكَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والفاء فصيحة أي إذا كان حالهم كما شرح فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات { فاحكم بَيْنَهُمْ } بما أراك الله تعالى { أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } غير مبال بهم ولا مكترث ، وهذا كما ترى تخيير له صلى الله عليه وسلم بين الأمرين ، وهو معارض لقوله تعالى : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } [ المائدة : 49 ] وتحقيق المقام على ما ذكر الجصاص في كتاب «الأحكام » أن العلماء اختلفوا ، فذهب قوم إلى أن التخيير منسوخ بالآية الأخرى وروي ذلك عن ابن عباس وإليه ذهب أكثر السلف ، قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم كان أولاً مخيراً ، ثم أمر عليه الصلاة والسلام بإجراء الأحكام عليهم ، ومثله لا يقال من قبل الرأي ، وقيل : إن هذه الآية فيمن لم يعقد له ذمة ، والأخرى في أهل الذمة فلا نسخ ، وأثبته بعضهم بمعنى التخصيص لأن من أخذت منه الجزية تجري عليه أحكام الإسلام ، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً . وقال أصحابنا : أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه ، ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه ، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين ، وخبر الرجم السابق سبق توجيهه ، واختلف في مناكحتهم ، فقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : يقرون عليها ، وخالفه في بعض ذلك محمد وزفر ، وليس له عليهم اعتراض قبل التراضي بأحكامنا ، فمتى تراضوا بها وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم ، وتمام التفصيل في الفروع .
{ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ } بيان لحال الأمرين بعد تخييره صلى الله عليه وسلم بينهما ، وتقديم حال الإعراض للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه حيث كان مظنة لترتب العداوة المقتضية للتصدي للضرر ، فمآل المعنى إن تعرض عنهم ولم تحكم بينهم فعادوك وقصدوا ضررك { فَلَن يَضُرُّوكَ } بسبب ذلك { شَيْئاً } من الضرر فإن الله تعالى يحفظك من ضررهم { وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط } أي بالعدل الذي أمرت به ، وهو ما تضمنه القرآن واشتملت عليه شريعة الإسلام ، وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه من أنه قال : لو ثنيت لي الوسادة لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم إن صح يراد منه لازم المعنى { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } أي العادلين فيحفظهم عن كل مكروه ويعظم شأنهم .