فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} (42)

سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين( 42 )

{ أكالون } كثير أكلهم وجمعهم وأخذهم . { السحت } للمال الحرام .

{ بالقسط } بالعدل .

{ سماعون للكذب } يكرر الذكر الحكيم أن اليهود مردوا على تسمع البعض منهم لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ليتقول عليه ، ثم أخبر العليم الخبير سبحانه أنهم أحرص الناس على أكل المال الحرام وأخذه وجمعه . { أكالون للسحت } قال عمر : ما كان من السحت : الرشا ومهر الزانية ؛ ونقل عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم : الرشوة( {[1758]} ) في الحكم ، ومهر البغي ، وعسب الفحل . . . ، زاد بعضهم ونقص بعضهم ؛ قال المهدوي : ومن جعل كسب الحجام( {[1759]} ) ومن ذكر معه سحتا فمعناه أنه يسحت مروءة آخذه .

{ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } روى البخاري في صحيحه عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم " ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون ؛ قال عبد الله بن سلام : كذبتم ، إن فيها الرجم ، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده ، فإذا آية الرجم ، فقالوا صدقت يا محمد ، فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما ، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة ؛ { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } خير الله تعالى نبيه بين الحكم والإعراض ؛ - ثم اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية ، هل هو ثابت اليوم ، وهل للحكام من الخيار في الحكم والنظر بين أهل الذمة والعهد إذا احتكموا إليهم مثل الذي جعل لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ، أم ذلك منسوخ ؟ ، فقال بعضهم : ذلك ثابت اليوم لم ينسخه شيء ، وللحكام من الخيار في كل دهر بهذه الآية مثل ما جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ . . ؛ وقال آخرون : بل التخيير منسوخ ، وعلى الحاكم إذا احتكم إليه أهل الذمة أن يحكم بينهم بالحق ، وليس له ترك النظر بينهم ؛ . . وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : إن حكم هذه الآية ثابت لم ينسخ ، وإن للحكام من الخيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا ، وترك الحكم بينهم والنظر ، مثل الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك في هذه الآية ، وإنما قلنا : ذلك أولاهما بالصواب لأن القائلين : عن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } وقد دللنا في كتابنا كتاب البيان عن أصول الأحكام أن النسخ لا يكون نسخا إلا ما كان نفيا لحكم غيره بكل معانيه حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعا على صحته بوجه من الوجوه ، . . . وإذا لم يكن في ظاهر التنزيل دليل على نسخ إحدى الآيتين الأخرى ، ولا نفى أحد الأمرين حكم الآخر ، ولم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يصح بأن أحدهما ناسخ صاحبه ولا من المسلمين على ذلك إجماع ، صح ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ، ولا نسخ في أحدهما للآخر-( {[1760]} ) ؛ { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } وإن تركت الفصل في خصوماتهم ، وعادوك من أجل ذلك فلا تبال بعداوتهم فإني سأكفيكهم ، وأرد عنك كيدهم ؛ وإذا أردت أن تحكم بينهم فالتزم العدل فإني أٌحِب من أقسط( {[1761]} ) وعدل .


[1758]:روى عن وهب بن منبه أنه قيل له: الرشوة حرام في كل شيء ؟ فقال: لا؛ إنما يكره مِن الرشوة أن تَرشي لتُعْطَ ما ليس لك، أو تدفع حقا قد لزمك؛ فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام؛ قال أبو الليث السمرقندي الفقيه: وبهذا نأخذ؛ لا بأس أن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة؛ وهذا لما روى عن عبد الله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال: إنما الإثم على القابض دون الدافع.
[1759]:مما قال صاحب الجامع لأحكام القرآن: الصحيح في كسب الحجام أنه طيب، ومن أخذ طيبا لا تسقط مروءته ولا تنحط مرتبته؛ و(قد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه؛ قال ابن عبد البر: هذا يدل على أن كسب الحجام طيب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل ثمنا ولا جُعلا ولا عوضا لشيء من الباطل؛ وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من ثمن الدم، وناسخ لما كرهه من إجارة الحجام؛ وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا لم يعطه.
[1760]:من جامع البيان للطبري.
[1761]:أما قسط{الثلاثي} فإنه بمعنى جار وظلم، ومنه قول الله تعالى:( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} من سورة الجن.