مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الطلاق

{ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة } .

أما التعلق بما قبلها فذلك أنه تعالى قال في أول تلك السورة : { له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } والملك يفتقر إلى التصرف على وجه يحصل منه نظام الملك ، والحمد يفتقر إلى أن ذلك التصرف بطريق العدل والإحسان في حق المتصرف فيه وبالقدرة على من يمنعه عن التصرف وتقرير الأحكام في هذه السورة متضمن لهذه الأمور المفتقرة إليها تضمنا لا يفتقر إلى التأمل فيه ، فيكون لهذه السورة نسبة إلى تلك السورة ، وأما الأول بالآخر فلأنه تعالى أشار في آخر تلك السورة إلى كمال علمه بقوله : { عالم الغيب } وفي أول هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء وبالأحكام المخصوصة بطلاقهن ، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات ، وقوله : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فأتت إلى أهلها فنزلت ، وقيل : راجعها فإنها صوامة قوامة وعلى هذا إنما نزلت الآية بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في هذه الآية : { ولا يخرجن من بيوتهن } وقال الكلبي : إنه عليه السلام غضب على حفصة لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة فنزلت ، وقال السدي : نزلت في عبد الله بن عمر لما طلق امرأته حائضا والقصة في ذلك مشهورة وقال مقاتل : إن رجالا فعلوا مثل ما فعل ابن عمر ، وهم عمرو بن سعيد بن العاص وعتبة بن غزوان فنزلت فيهم ، وفي قوله تعالى : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } وجهان ( أحدهما ) أنه نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطب أمته لما أنه سيدهم وقدوتهم ، فإذا خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب . قال أبو إسحاق : هذا خطاب النبي عليه السلام ، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب ( وثانيهما ) أن المعنى يا أيها النبي قل لهم : إذا طلقتم النساء فأضمر القول ، وقال الفراء : خاطبه وجعل الحكم للجميع ، كما تقول للرجل : ويحك أما تتقون الله أما تستحيون ، تذهب إليه وإلى أهل بيته و { إذا طلقتم } أي إذا أردتم التطليق ، كقوله : { إذا قمتم إلى الصلاة } أي إذا أردتم الصلاة ، وقد مر الكلام فيه ، وقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } قال عبد الله : إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته ، فيطلقها طاهرا من غير جماع ، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل والحسن ، قالوا : أمر الله تعالى الزوج بتطليق امرأته إذا شاء الطلاق في طهر لم يجامعها فيه ، وهو قوله تعالى : { لعدتهن } أي لزمان عدتهن ، وهو الطهر بإجماع الأمة ، وقيل : لإظهار عدتهن ، وجماعة من المفسرين قالوا : الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرة من غير جماع ، وبالجملة ، فالطلاق في حال الطهر لازم ، وإلا لا يكون الطلاق سنيا ، والطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة والحامل ، إذ لا سنة في الصغير وغير المدخول بها ، والآيسة والحامل ، ولا بدعة أيضا لعدم العدة بالأقراء ، وليس في عدد الطلاق سنة وبدعة ، على مذهب الشافعي حتى لو طلقها ثلاثا في طهر صحيح لم يكن هذا بدعيا بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق ، فإنهم قالوا : السنة في عدد الطلاق أن يطلق كل طلقة في طهر صحيح . وقال صاحب النظم : { فطلقوهن لعدتهن } صفة للطلاق كيف يكون ، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة للإضافة وهي أصلها ، ولبيان السبب والعلة كقوله تعالى : { إنما نطعمكم لوجه الله } وبمنزلة عند مثل قوله : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } أي عنده ، وبمنزلة في مثل قوله تعالى : { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } وفي هذه الآية بهذا المعنى ، لأن المعنى فطلقوهن في عدتهن ، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن فقال صاحب الكشاف : فطلقوهن مستقبلات لعدتهن كقوله : أتيته لليلة بقيت من المحرم أي مستقبلا لها ، وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قبل عدتهن ) فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة العدة ، المراد أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه ، يخلين إلى أن تنقضي عدتهن ، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات ، وقال مالك بن أنس : لا أعرف طلاقا إلا واحدة ، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة ، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض : " ما هكذا أمرك الله تعالى إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكل قرء تطليقة " وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث ، وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح فمالك يراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت ، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت ، والشافعي يراعي الوقت وحده ، وقوله تعالى : { وأحصوا العدة } أي أقراءها فاحتفظوا لها واحفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة واحفظوا نفس ما تعتدون به وهو عدد الحيض ، ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج يحتمل وجهين ( أحدهما ) أنهم هم الذين يلزمهم الحقوق والمؤن ( وثانيهما ) ليقع تحصين الأولاد في العدة ، ثم في الآية مباحث :

الأول : ما الحكمة في إطلاق السنة وإطلاق البدعة ؟ نقول : إنما سمي بدعة لأنها إذا كانت حائضا لم تعتد بأيام حيضها عن عدتها بل تزيد على ثلاثة أقراء فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء وهي في الحيض الذي طلقت فيه في صورة المعلقة التي لا هي معتدة ولا ذات بعل والعقول تستقبح الإضرار ، وإذا كانت طاهرة مجامعة لم يؤمن أن قد علقت من ذلك الجمع بولد ولو علم الزوج لم يطلقها ، وذلك أن الرجل قد يرغب في طلاق امرأته إذا لم يكن بينهما ولد ولا يرغب في ذلك إذا كانت حاملا منه بولد ، فإذا طلقها وهي مجامعة وعنده أنها حائل في ظاهر الحال ثم ظهر بها حمل ندم على طلاقها ففي طلاقه إياها في الحيض سوء نظر للمرأة ، وفي الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه وقد حملت فيه سوء نظر للزوج ، فإذا طلقت وهي طاهر غير مجامعة أمن هذان الأمران ، لأنها تعتد عقب طلاقه إياها ، فتجري في الثلاثة قروء ، والرجل أيضا في الظاهر على أمان من اشتمالها على ولد منه .

الثاني : هل يقع الطلاق المخالف للسنة ؟ نقول : نعم ، وهو آثم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه ، فقال له : " أو تلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم "

الثالث : كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو غير ذلك ؟ نقول : الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر ، وقال محمد وزفر : لا يطلق للسنة إلا واحدة . وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة ، ولا يراعى الوقت .

الرابع : هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة ؟ نقول : اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا ، والظاهر الكراهة .

الخامس : { إذا طلقتم النساء } عام يتناول المدخول بهن ، وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء ، والآيسات والصغار والحوامل ، فكيف يصح تخصيصه بذوات الأقراء والمدخول بهن ؟ نقول : لا عموم ثمة ولا خصوص أيضا ، لكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس ، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن ، وفي بعضهن ، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك فلما قيل : { فطلقوهن لعدتهن } علم أنه أطلق على بعضهن ، وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض ، كذا ذكره في الكشاف .

قوله تعالى : { واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } .

قوله : { اتقوا الله } قال مقاتل : اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم و { لا تخرجوهن } أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تساكنونهن فيها قبل الطلاق ، فإن كانت المساكن عارية فارتجعت كان على الأزواج أن يعينوا مساكن أخرى بطريق الشراء ، أو بطريق الكراء ، أو بغير ذلك ، وعلى الزوجات أيضا أن لا يخرجن حقا لله تعالى إلا لضرورة ظاهرة ، فإن خرجت ليلا أو نهارا كان ذلك الخروج حراما ، ولا تنقطع العدة .

وقوله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال ابن عباس : هو أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن ، قال الضحاك الأكثرون : فالفاحشة على هذا القول هي الزنا ، وقال ابن عمر : الفاحشة خروجهن قبل انقضاء العدة ، قال السدي والباقون : الفاحشة المبينة هي العصيان المبين ، وهو النشوز ، وعن ابن عباس : إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن وسوء خلقهن ، فيحل للأزواج إخراجهن من بيوتهن ، وفي الآية مباحث :

البحث الأول : هل للزوجين التراضي على إسقاطها ؟ نقول : السكنى الواجبة في حال قيام الزوجية حق للمرأة وحدها فلها إبطالها ، ووجه هذا أن الزوجين ما داما ثابتين على النكاح فإنما مقصودهما المعاشرة والاستمتاع ، ثم لا بد في تمام ذلك من أن تكون المرأة مستعدة له لأوقات حاجته إليها ، وهذا لا يكون إلا بأنه يكفيها في نفقتها ، كطعامها وشرابها وأدمها ولباسها وسكناها ، وهذه كلها داخلة في إحصاء الأسباب التي بها يتم كل ما ذكرنا من الاستمتاع ، ثم ما وراء ذلك من حق صيانة الماء ونحوها ، فإن وقعت الفرقة زال الأصل الذي هو الانتفاع وزواله بزوال الأسباب الموصلة إليه من النفقة عليها ، واحتيج إلى صيانة الماء فصارت السكنى في هذه الحالة بوجوبها الإحصاء لأسبابها ، لأن أصلها السكنى ، لأن بها تحصينها ، فصارت السكنى في هذه الحالة لا اختصاص لها بالزوج ، وصيانة الماء من حقوق الله ، ومما لا يجوز التراضي من الزوجين على إسقاطه ، فلم يكن لها الخروج ، وإن رضي الزوج ، ولا إخراجها ، وإن رضيت إلا عن ضرورة مثل انهدام المنزل ، وإخراج غاصب إياها أو نقلة من دار بكراء قد انقضت إجارتها أو خوف فتنة أو سيل أو حريق ، أو غير ذلك من طريق الخوف على النفس ، فإذا انقضى ما أخرجت له رجعت إلى موضعها حيث كان ( الثاني ) قال : { واتقوا الله ربكم } ولم يقل : واتقوا الله مقصورا عليه فنقول : فيه من المبالغة ما ليس في ذلك فإن لفظ الرب ينبههم على أن التربية التي هي الإنعام والإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون في التقوى حينئذ خوفا من فوت تلك التربية ( الثاني ) ما معنى الجمع بين إخراجهم وخروجهن ؟ نقول : معنى الإخراج أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك ، إيذانا بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر ، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك . ( الثالث ) قرئ { بفاحشة مبينة } و { مبينة } فمن قرأ مبينة بالخفض فمعناه : أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها تبين أنها فاحشة ، ومن قرأ { مبينة } بالفتح فمعناه أنها مبرهنة بالبراهين ، ومبينة بالحجج ، وقوله : { وتلك حدود الله } والحدود هي الموانع عن المجاوزة نحو النواهي ، والحد في الحقيقة هي النهاية التي ينتهي إليها الشيء ، قال مقاتل : يعود ما ذكر من طلاق السنة وما بعده من الأحكام { ومن يتعد حدود الله } وهذا تشديد فيمن يتعدى طلاق السنة ، ومن يطلق لغير العدة { فقد ظلم نفسه } أي ضر نفسه ، ولا يبعد أن يكون المعنى ومن يتجاوز الحد الذي جعله الله تعالى فقد وضع نفسه موضعا لم يضعه فيه ربه ، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ، وقوله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } قال ابن عباس : يريد الندم على طلاقها والمحبة لرجعتها في العدة وهو دليل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقا ، قال أبو إسحاق : إذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى في قوله : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة الطلاق مدنية وآياتها اثنتا عشرة ، نزلت بعد سورة الإنسان . وفي هذه السورة الكريمة تفصيل عن الطلاق ووقته وأحكامه ، وشرح حالات لم تذكر في سورة البقرة التي تضمنت بعض أحكام الطلاق ، وبيّنت الوقت الذي يمكن أن يقع فيه الطلاق الذي يقبله الله ويجري وفق سنته . ثم فصّلت حق المطلقة وواجبها في البقاء في بيتها مدة العدة ، لا تُخرج منه إلا إذا عملت عملا لا يليق بها وأتت ذنبا عظيما ، أو أطالت لسانها على أقارب زوجها ، أو أنها ذهبت إلى بيت من بيوت أقاربها تكمل العدة فيه .

وطلاق السنة أن تطلق المرأة وهي طاهرة من الحيض ، أو حاملا حملا بيّنا ، فإذا طلقها زوجها وهي حائض ، أو لامسها وهو لا يدري أنها حامل أم لا ،

فإن هذا الطلاق بدعة ، محرم .

وهناك طلاق ليس بسنة ولا بدعة ، وهو : طلاق الصغيرة ، والتي كبرت وأيست من الحيض ، والتي لم يدخل بها . ثم فصّل عدة المطلقات بحسب حالاتهن .

ومتى انقضت عدة المرأة بات لها الحق في الخروج من بيتها ، وأن تتزوج من تشاء{ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ، وأشهدوا ذوي عدل منكم } .

ثم حثت السورة على الاعتناء بالمعتدات بأن يسكنّ مع أزواجهن ، وأن يعاملن معاملة حسنة لا تضرهن . وإذا كانت المطلقة حاملا فيجب الإنفاق عليها حتى تضع حملها ، فإذا وضعت وأرضعت الصغير فيجب أن تُعطى أجورها . . والله تعالى يوصينا أن نتعامل بالمعروف ما استطعنا ، وأن ينفق الإنسان حسب قدرته{ لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا } .

ثم بعد ذلك يذكر شيئا من أخبار الأمم الماضية وكيف عذب المكذبين منهم ، ليحذرنا أن لا نكون مثلهم ، وأن الله أنزل إلينا كتابا عظيما ، مع رسول كريم يتلوه علينا ليخرجنا من الظلمات إلى النور ، فلمن يؤمن به جزاء عظيم ، جنات تجري من تحتها الأنهار ، وهذه نعمة كبرى . . فاعملوا أيها المؤمنون لتنالوا رضا ربكم الذي خلق هذا الكون العجيب وأحاط بكل شيء علما .

إذا طلقتم النساء : إذا أردتم أن تطلقوا النساء ، وهذا التعبير جاء في القرآن مثل قوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم } [ النحل : 98 ] يعني إذا أردت أن تقرأ القرآن .

فطلقوهن لعدتهن : يعني طلقوهن بعد طُهرٍ من الحيض دون أن تمسّوهن حتى

لا تطول عليهن العدة ، والعدة هي الزمان الذي يجب على المرأة أن تبقى فيه دون أن تتزوج .

وأحصوا العدة : اضبطوها ، حتى يتبين أن المرأة ليست حاملا .

فاحشة مبينة : معصية ظاهرة ، مثل الزنا أو السرقة أو أن تطيل لسانها على أقارب زوجها وغير ذلك .

حدود الله : شرائعه .

وجّه الله تعالى الخطاب إلى النبيّ الكريم ليُفهِم المؤمنين جميعا ، أن يتقيدوا بأحكام الشريعة ، فإذا أراد أحد أن يطلّق زوجته فإن عليه أن يراعي وقتَ طُهرها من الحيض فيطلّقها وهي طاهرة حتى لا تطول عليها مدة العدة . ثم أكد ذلك بقوله تعالى : { وَأَحْصُواْ العدة } اعرفوا ابتداءها وانتهاءها . { واتقوا الله رَبَّكُمْ } بمحافظتكم على أوامره ، لأنها لمصلحتكم .

ثم بين لنا أشياء يجب أن نتّبعها محافظةً على تماسك الأسرة ودوام حياتها فقال : { لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } يعني أن المطلقة تبقى في بيتها حتى تنقضيَ العدة . وهناك حكمة بالغة في إبقاء المطلقة في بيتها ، وهي : عسى أن يراجعَ الزوج رأيَه ، ويعاودَ أمره ، فيراجعَ زوجته وتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي . وفي ذلك مصلحة كبرى للطرفين .

{ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ }

ولا يجوز أن تخرج المطلقة من بيتها إلا إذا انتهت العِدة ، فلا تأذنوا لهنّ بالخروج إذا طلبن ذلك ، ولا يخرجن بأنفسِهن إن أردْن ، ولكنه استثنى من لزوم البقاء في بيوت الزوجية إذا دعت الضرورة لذلك كأن فعلتْ ما يوجِب حدّاً كالزنا أو السرقة أو أطالت اللسان على الأحماء ومن في البيت من سوءِ خلقها ، فيحل عند ذلك إخراجها من البيت .

ثم بين الله تعالى عاقبة تجاوز حدود الله فقال :

{ وَتِلْكَ حُدُودُ الله }

هذه التي بينها لكم من الطلاق للعدة وإحصائها وما يترتب على ذلك .

{ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بعدم تمسّكه بأوامر الله وشرعه .

ثم لمّح إلى حكمة بقائها في البيت فقال :

{ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } .

أنتَ لا تعلم أيها المرء ماذا يحصل ، ولا تعلم أن الله يقلّب القلوب ، فيجعل في قلبك محبةً لها ، فتندم على طلاقها وفراقها ، ولعلك تراجعها وتعود المياه إلى مجاريها .

روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر رضي الله عَنْهُمْ « أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك عمرُ لرسول الله ، فتغيّظ منه ثم قال : لِيراجعْها ثم يمسكْها حتى تطهُر ثم تحيض ثم تطهر ، فإن بدا له أن يطلّقها فليطلقها قبل أن يمسّها ، فتلك العِدةُ التي أمَرَ اللهُ أن تطلَّق لها النساء .

والشريعة الإسلامية ، وإن أباحت الطلاق ، قد بغّضت فيه وقبّحته وبينت أنه ضرورة لا يُلجا إليها إلا بعد استنفاد جميع الوسائل لبقاءِ رباط الزوجية الذي

هو أوثق رباط ، والذي حبّبتْ فيه وجعلته من أجلّ النعم ، وسماه الله تعالى : { مِّيثَاقاً غَلِيظاً } [ النساء : 21 ] والأحاديثُ كثيرة على التحذير من الطلاق والبعد عنه

ما أمكن للضرورة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الطلاق [ وهي مدنية ]

{ 1-3 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا }

يقول تعالى مخاطبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين :

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } أي : أردتم طلاقهن { ف } التمسوا لطلاقهن الأمر المشروع ، ولا تبادروا بالطلاق من حين يوجد سببه ، من غير مراعاة لأمر الله .

بل { طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي : لأجل عدتهن ، بأن يطلقها زوجها وهي طاهر ، في طهر لم يجامعها فيه ، فهذا الطلاق هو الذي تكون العدة فيه واضحة بينة ، بخلاف ما لو طلقها وهي حائض ، فإنها لا تحتسب تلك الحيضة ، التي وقع فيها الطلاق ، وتطول عليها العدة بسبب ذلك ، وكذلك لو طلقها في طهر وطئ فيه ، فإنه لا يؤمن حملها ، فلا يتبين و [ لا ] يتضح بأي عدة تعتد ، وأمر تعالى بإحصاء العدة ، أي : ضبطها بالحيض إن كانت تحيض ، أو بالأشهر إن لم تكن تحيض ، وليست حاملاً ، فإن في إحصائها أداء لحق الله ، وحق الزوج المطلق ، وحق من سيتزوجها بعد ، [ وحقها في النفقة ونحوها ] فإذا ضبطت عدتها ، علمت حالها على بصيرة ، وعلم ما يترتب عليها من الحقوق ، وما لها منها ، وهذا الأمر بإحصاء العدة ، يتوجه [ للزوج ]{[1132]}  وللمرأة ، إن كانت مكلفة ، وإلا فلوليها ، وقوله : { وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ } أي : في جميع أموركم ، وخافوه في حق الزوجات المطلقات ، ف { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } مدة العدة ، بل يلزمن بيوتهن{[1133]}  الذي طلقها زوجها وهي فيها .

{ وَلَا يَخْرُجْنَ } أي : لا يجوز لهن الخروج منها ، أما النهي عن إخراجها ، فلأن{[1134]}  المسكن ، يجب على الزوج للزوجة{[1135]} ، لتكمل فيه عدتها التي هي حق من حقوقه .

وأما النهي عن خروجها ، فلما في خروجها ، من إضاعة حق الزوج وعدم صونه .

ويستمر هذا النهي عن الخروج من البيوت ، والإخراج إلى تمام العدة .

{ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } أي : بأمر قبيح واضح ، موجب لإخراجها ، بحيث يدخل على أهل البيت الضرر من عدم إخراجها ، كالأذى بالأقوال والأفعال الفاحشة ، ففي هذه الحال يجوز لهم إخراجها ، لأنها هي التي تسببت لإخراج نفسها ، والإسكان فيه جبر لخاطرها ، ورفق بها ، فهي التي أدخلت الضرر على نفسها{[1136]} ، وهذا في المعتدة الرجعية ، وأما البائن ، فليس لها سكنى واجبة ، لأن السكن تبع للنفقة ، والنفقة تجب للرجعية دون البائن ، { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } [ أي : ] التي حددها لعباده وشرعها لهم ، وأمرهم بلزومها ، والوقوف معها ، { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ } بأن لم يقف معها ، بل تجاوزها ، أو قصر عنها ، { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } أي : بخسها حظها ، وأضاع نصيبه من اتباع حدود الله التي هي الصلاح في الدنيا والآخرة . { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } أي : شرع الله العدة ، وحدد الطلاق بها ، لحكم عظيمة : فمنها : أنه لعل الله يحدث في قلب المطلق الرحمة والمودة ، فيراجع من طلقها ، ويستأنف عشرتها ، فيتمكن من ذلك مدة العدة ، أولعله يطلقها لسبب منها ، فيزول ذلك السبب في مدة العدة ، فيراجعها لانتفاء سبب الطلاق .

ومن الحكم : أنها مدة التربص ، يعلم براءة رحمها من زوجها .


[1132]:- زيادة من هامش: ب.
[1133]:- في ب: بل تلزم بيتها.
[1134]:- كذا في ب، وفي أ: فإن.
[1135]:- كذا في أ: يجب للزوجة عليه.
[1136]:- في ب: عليها.