قوله تعالى : { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون } .
أحدهما : أنه متعلق بما قبله ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : أحدها : كأنه قال وعفا عنكم إذ تصعدون ، لأن عفوه عنهم لا بد وأن يتعلق بأمر اقترفوه ، وذلك الأمر هو ما بينه بقوله : { إذ تصعدون } والمراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد وثانيها : التقدير : ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون . وثالثها : التقدير : ليبتليكم إذ تصعدون .
والقول الثاني : أنه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله ، والتقدير : اذكر إذ تصعدون وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : قرأ الحسن { إذ تصعدون في الجبل } ، وقرأ أبي { إذ تصعدون في الوادي } وقرأ أبو حيوة { إذ تصعدون } بفتح التاء وتشديد العين ، من تصعد في السلم .
المسألة الثانية : الإصعاد : الذهاب في الأرض والإبعاد فيه ، يقال صعد في الجبل ، وأصعد في الأرض ، ويقال أصعدنا من مكة إلى المدينة ، قال أبو معاذ النحوي : كل شيء له أسفل وأعلى مثل الوادي والنهر والأزقة ، فإنك تقول : صعد فلان يصعد في الوادي إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه ، وأما ما ارتفع كالسلم فإنه يقال صعدت .
المسألة الثالثة : ولا تلوون على أحد : أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب ، وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته ، فإذا مضى ولم يعرج قيل لم يلوه ، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشيء وترك الإلتفات إلى الشيء ، يقال : فلان لا يلوي على شيء ، أي لا يعطف عليه ولا يبالي به .
ثم قال تعالى : { والرسول يدعوكم } كان يقول : " إلى عباد الله أنا رسول الله من كر فله الجنة " فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ، ولا يتفرقوا ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو .
ثم قال : { في أخراكم } أي آخركم ، يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم ، كما يقال : في أولهم وأولاهم ، ويقال : جاء فلان في أخريات الناس ، أي آخرهم ، والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم ، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه .
ثم قال : { فأثابكم غما بغم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير ، ويجوز أيضا استعماله في الشر ، لأنه مأخوذ من قولهم : ثاب إليه عقله ، أي رجع إليه ، قال تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } والمرأة تسمى ثيبا لأن الواطئ عائد إليها ، وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيرا أو شرا ، إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير ، فإن حملنا لفظ الثواب ههنا على أصل اللغة استقام الكلام ، وإن حملناه على مقتضى العرف كان ذلك واردا على سبيل التهكم ، كما يقال : تحيتك الضرب ، وعتابك السيف ، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } .
المسألة الثانية : الباء في قوله : { غما بغم } يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة ، كما يقال : هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مع » والتقدير : أثابهم غما مع غم ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه : الأول : وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غما بسبب أن عصيتم أمره ، فالله تعالى أذاقكم هذا الغم ، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل الأحباب ، والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم . الثاني : قال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين ، والمقصود منه أن لا يبقى في قلبكم التفات إلى الدنيا ، فلا تفرحوا بإقبالها ولا تحزنوا بإدبارها ، وهو المعنى بقوله : { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } في واقعة أحد { ولا تفرحوا بما آتاكم } في واقعة بدر ، طعن القاضي في هذا الوجه وقال : إن غمهم يوم أحد إنما كان من جهة استيلاء الكفار ، وذلك كفر ومعصية ، فكيف يضيفه الله إلى نفسه ؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة ، وهو أن لا يفرحوا بإقبال الدنيا ولا يحزنوا بإدبارها ، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير الله . الثالث : يجوز أن يكون الضمير في قوله { فأثابكم } يعود للرسول ، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه ، اغتموا لأجله ، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة ، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم ، فكان المراد من قوله { فأثابكم غما بغم } هو هذا ، أما على التقدير الثاني وهو أن تكون الباء في قوله : { غما بغم } بمعنى «مع » أي غما مع غم ، أو غما على غم ، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض ، تقول : ما زلت به حتى فعل ، وما زلت معه حتى فعل ، وتقول : نزلت ببني فلان ، وعلى بني فلان .
واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة : فأحدها : غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال . وثانيها : غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك ، وثالثها : غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية ، ورابعها : ما أرجف به من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخامسها : بما وقع منهم من المعصية وما يخافون من عقابها ، وسادسها : غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم ، وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الانهزام ، وذلك من أشق الأشياء ، لأن الإنسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جبانا ، فإذا أمر بالمعاودة ، فإن فعل خاف القتل ، وإن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة ، وهذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم والأحزان ، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها :
الوجه الأول : أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع ، والغم الثاني ما حصل عند الهزيمة .
الوجه الثاني : أن الغم الأول ما حصل بسبب فوت الغنائم ، والغم الثاني ما حصل بسبب أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعا عظيما .
الوجه الثالث : أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم بالقتل والغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن الغم الأول .
والوجه الرابع : أن الغم الأول ما وصل إليهم بسبب أنفسهم وأموالهم ، والغم الثاني ما وصل إليهم بسبب الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه الله تعالى قال : وعندنا أن الله تعالى ما أراد بقوله : { غما بغم } اثنين ، وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها ، أي أن الله عاقبكم بغموم كثيرة ، مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ، ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم ، ومثل إقدامكم على المعصية ، فكأنه تعالى قال : أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زاجرا لكم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى .
المسألة الثالثة : معنى أن الله أثابهم غم بغم : أنه خلق الغم فيهم ، وأما المعتزلة فهذا لا يليق بأصولهم ، فذكروا في علة هذه الإضافة وجوها : الأول : قال الكعبي : إن المنافقين لما أرجفوا أن محمدا عليه الصلاة والسلام قد قتل ولم يبين الله تعالى كذب ذلك القائل ، صار كأنه تعالى هو الذي فعل ذلك الغم ، وهذا كالرجل الذي يبلغه الخبر الذي يغمه ويكون معه من يعلم أن ذلك الخبر كذب ، فإذا لم يكشفه له سريعا وتركه يتفكر فيه ثم أعلمه فإنه يقول له : لقد غممتني وأطلت حزني وهو لم يفعل شيئا من ذلك ، بل سكت وكف عن إعلامه ، فكذا ههنا . الثاني : أن الغم وإن كان من فعل البعد فسببه فعل الله تعالى ، لأن الله طبع العباد طبعا يغتمون بالمصائب التي تنالهم وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون . الثالث : أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى الغم في قلب بعض المكلفين لرعاية بعض المصالح .
ثم قال تعالى : { لكيلا تحزنوا } وفيه وجهان : الأول : أنها متصلة بقوله :
{ ولقد عفا عنكم } كأنه قال : ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا ، لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل غم وحزن ، والثاني : أن اللام متصلة بقوله : { فأثابكم } ثم على هذا القول ذكروا وجوها : الأول : قال الزجاج : المعنى أثابكم غم الهزيمة من غمكم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب مخالفته ، ليكون غمكم بأن خالفتموه فقط ، لا بأن فاتتكم الغنيمة وأصابتكم الهزيمة ، وذلك لان الغم الحاصل بسبب الإقدام على المعصية ينسي الغم الحاصل بسبب مصائب الدنيا . الثاني : قال الحسن : جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلتموهم مغمومين يوم بدر ، لأجل أن يسهل أمر الدنيا في أعينكم فلا تحزنوا بفواتها ولا تفرحوا بإقبالها ، وهذان الوجهان مفرعان على قولنا الباء في قوله : { غما بغم } للمجازاة ، أما إذا قلنا إنها بمعنى «مع » فالمعنى أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا أمر الرسول لوقعنا في غم فوات الغنيمة ، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في هذه الغموم العظيمة التي كل واحد منها أعظم من ذلك الغم أضعافا مضاعفة ، والعاقل إذا تعارض عنده الضرران ، وجب أن يخص أعظمهما بالدفع ، فصارت إثابة الغم على الغم مانعا لكم من أن تحزنوا بسبب فوات الغنيمة ، وزاجرا لكم عن ذلك ، ثم كما زجرهم عن تلك المعصية بهذا الزجر الحاصل في الدنيا ، زجرهم عنها بسبب الزواجر الموجودة في الغنيمة فقال : { والله خبير بما تعملون } أي هو عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم ، قادر على مجازاتها ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وذلك من أعظم الزواجر للعبد عن الإقدام على المعصية ، والله أعلم .
ويستحضر صورة الهزيمة حية متحركة :
( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، والرسول يدعوكم في أخراكم ) . .
كي يعمق وقع المشهد في حسهم ؛ ويثير الخجل والحياء من الفعل ، ومقدماته التي نشأ عنها ، من الضعف والتنازع والعصيان . . والعبارة ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم النفسية في الفاظ قلائل . . فهم مصعدون في الجبل هربا ، في اضطراب ورعب ودهش ، لا يلتفت أحد منهم إلى أحد ! ولا يجيب أحد منهم داعي أحد ! والرسول [ ص ] يدعوهم ، ليطمئنهم على حياته بعد ما صاح صائح : إن محمدا قد قتل ، فزلزل ذلك قلوبهم وأقدامهم . . إنه مشهد كامل في الفاظ قلائل . .
وكانت النهاية أن يجزيهم الله على الغم الذي تركوه في نفس الرسول [ ص ] بفرارهم ، غما يملأ نفوسهم على ما كان منهم ، وعلى تركهم رسولهم الحبيب يصيبه ما أصابه - وهو ثابت دونهم ، وهم عنه فارون - ذلك كي لا يحفلوا شيئا فاتهم ولا أذى أصابهم . فهذه التجربة التي مرت بهم ، وهذا الألم الذي أصاب نبيهم - وهو أشق عليهم من كل ما نزل بهم - وذلك الندم الذي ساور نفوسهم ، وذلك الغم الذي أصابهم . . كل ذلك سيصغر في نفوسهم كل ما يفوتهم من عرض ، وكل ما يصيبهم من مشقة :
( فأثابكم غما بغم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ) . .
والله المطلع على الخفايا ، يعلم حقيقة أعمالكم ، ودوافع حركاتكم :
{ إِذْ تُصْعِدُونَ } متعلق بصرفكم أو بيبتليكم وتعلقه بعفا كما قال الطبرسي : ليس بشيء ، ومثله تعلقه كما قال أبو البقاء ، بعصيتم ؛ أو تنازعتم أو فشلتم ، وقيل : متعلق بمقدر كاذكر ، واستشكل بأنه يصير المعنى اذكر يا محمد إذا تصعدون وفيه خطابان بدون عطف ، فالصواب اذكروا . وأجيب بأن المراد باذكر جنس هذا الفعل فيقدر اذكروا لا اذكر ، ويحتمل أنه من قبيل { الحكيم يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } [ الطلاق : 1 ] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ، وأجاب الشهاب بأن اذكر متضمن لمعنى القول ، والمعنى قل لهم يا محمد حين يصعدون الخ ومثله لا منع فيه كما تقول لزيد : أتقول كذا فإن الخطاب المحكي مقصود لفظه فلا ينافي القاعدة المذكورة وهم غفلوا عنه فتأمل ، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر أيضاً ، والإصعاد الذهاب والإبعاد في الأرض ، وفرق بعضهم بين الإصعاد والصعود بأن الإصعاد في مستوى الأرض والصعود في ارتفاع ، وقيل : لا فرق بين أصعد وصعد سوى أن الهمزة في الأول للدخول نحو أصبح إذا دخل في الصباح والأكثرون على الأول ، وقرأ الحسن فيما أخرجه ابن جرير عنه { تصْعدُونَ } بفتح التاء والعين ، وحمله بعضهم على صعود الجبل ، وقرأ أبو حيوة { تصعِدُونَ } بفتح التاء وتشديد العين وهو إما من تصعد في السلم إذا رقى أو من صعد في الوادي تصعيداً إذا انحدر فيه ، فقد قال الأخفش : أصعد في الأرض إذا مضى وسار وأصعد في الوادي وصعد فيه إذا انحدر ، وأنشد :
فإما تريني اليوم مزجي ظعينتي *** ( أصعد ) طوراً في البلاد وأفرع
فإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي *** لا يدهمنك إفراعي ( وتصعيدي )
وورد عن غير واحد أن القوم لما امتحنوا ذهبوا فراراً في وادي أحد ، وقال أبو زيد : يقال : صعد في السلم صعوداً وصعد في الجبل أو على الجبل تصعيداً ولم يعرفوا فيه صعد ، وقرأ أبيّ { إِذْ تُصْعِدُونَ } في الوادي وهي تؤيد قول من قال : إن الإصعاد الذهاب في مستوى الأرض دون الارتفاع ، وقرىء يصعدون بالياء التحتية وأمر تعلق إذ باذكر عليه ظاهر .
{ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ } أي لا تقيمون على أحد ولا تعرجون وهو من لوى بمعنى عطف وكثيراً ما يستعمل بمعنى وقف وانتظر لأن من شأن المنتظر أن يلوي عنقه ، وفسر أيضاً بلا ترجعون وهو قريب من ذلك ، وذكر الطبرسي أن هذا الفعل لا يذكر إلا في النفي فلا يقال لويت على كذا ، وقرأ الحسن ( تلون ) بواو واحدة بقلب الواو المضمومة همزة وحذفها تخفيفاً . وقرىء { تلْوُونَ } بضم التاء على أنه من ألوى لغة في لوى ، ويلوون بالياء كيصعدون ، قال أبو البقاء ويقرأ { على أَحَدٍ } بضمتين وهو الجبل والتوبيخ عليه غير ظاهر ، ووجهه بعضهم بأن المراد أصحاب أحد أو مكان الوقعة ، وفيه إشارة إلى إبعادهم في استشعار الخوف وجدهم في الهزيمة حتى لا يلتفتون إلى نفس المكان .
{ والرسول يَدْعُوكُمْ فِى } أي يناديكم في ساقتكم أو جماعتكم الأخرى أو يدعوكم من ورائكم فإنه يقال : جاء فلان في آخر الناس وأخرتهم وأخراهم إذا جاء خلفهم ، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للإيذان بأن دعوته صلى الله عليه وسلم كانت بطريق الرسالة من جهته تعالى مبالغة في توبيخ المنهزمين ، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان ينادي إليّ عباد الله ، إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة وكان ذلك حين انهزم القوم وجدوا في الفرار قبل أن يصلوا إلى مدى لا يسمع فيه الصوت فلا ينافي ما تقدم عن كعب بن مالك أنه لما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونادى بأعلى صوته يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم / أشار إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أنصت لأن ذلك كان آخر الأمر حيث أبعد المنهزمون ، والجملة في موضع الحال .
{ أُخْرَاكُمْ فأثابكم } عطف على { صَرَفَكُمْ } [ آل عمران : 152 ] والضمير المستتر عائد على الله تعالى ، والتعبير بالإثابة من باب التهكم على حد قوله :
أو أنها مجاز عن المجازاة أي فجازاكم الله تعالى بما عصيتم { غَمّاً بِغَمّ } أي كرباً بكرب والأكثرون على أنه لا فرق بين الغم والحزن ، والباء إما للمصاحبة والظرف مستقر أي جازاكم غماً متصلاً بغم ؛ والغم الأول : ما حصل لهم من القتل والجرح وغلبة المشركين عليهم ، والغم الثاني : ما حصل لهم من الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وفوت الغنيمة ، وإلى هذا ذهب قتادة والربيع . وقيل : الغم الثاني إشراف أبي سفيان وأصحابه عليهم وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصخرة وحكي ذلك عن السدي ، وقيل : المراد مجرد التكثير أي جازاكم بغموم كثيرة متصل بعضها ببعض ، وإما للسببية والظرف متعلق بأثابكم والغم الأول للصحابة رضي الله تعالى عنهم بالقتل نحوه ، والغم الثاني للرسول صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره أي أثابكم غماً بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له ومخالفتكم أمره ، وقال الحسن بن علي المغربي : الغم الأول للمشركين بما رأوا من قوة المسلمين على طلبهم وخروجهم إلى حمراء الأسد ، والغم الثاني للمؤمنين بما نيل منهم أي فجازاكم بغم أعدائكم المشركين بسبب غم أذاقوه إياكم ، وقيل : الباء على هذا للبدل وكلا القولين بعيد ، والعطف عليه غير ظاهر وأبعد من ذلك ما روي عن الحسن أن الغم الأول للمؤمنين بما أصابهم يوم أحد ، والغم الثاني للمشركين بما نالهم يوم بدر ، والمعنى فجازاكم غماً يوم أحد بالقتل والجرح بسبب غنم أذقتموه المشركين يوم بدر كذلك ، واعترض عليه بأن ما لحق المشركين يوم بدر من جهة المسلمين إنما يوجب المجازاة بالكرامة دون الغم ، وقيل الضمير المستكن في أثابكم للرسول صلى الله عليه وسلم ، وأثابكم بمعنى آساكم أي جعلكم أسوة له متساويين في الحزن فاغتم صلى الله عليه وسلم بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثربكم على عصيانكم تسلية لكم وتنفيساً عنكم ، واعترض عليه بأنه خلاف الظاهر للزوم التفكيك على تقدير أن يكون العطف على { صَرَفَكُمْ } [ آل عمران : 152 ] وعدم ظهور الترتب إلا بتكلف إن كان العطف على { يَدْعُوكُمْ } نعم التعليل عليه بقوله تعالى :
{ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أصابكم } ظاهر إذ المعنى آساكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر ولا ما أصابكم من الشدائد ، وكذا على ما ذهب إليه المغربي ، وأما على الأوجه الأخر فالمعنى لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع ما فات أو ضر آت ، وإنما احتيج إلى هذا التأويل لأن المجازاة بالغم إنما تكون سبباً للحزن لا لعدمه . وقيل : ( لا ) زائدة والمعنى لكي تأسفوا على ما فاتكم من الظفر والغنيمة وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمة عقوبة لكم ، فالتعليل حينئذ ظاهر ولا يخفى أن تأكيد ( لا ) وتكريرها يبعد القول بزيادتها ، وقيل : التعليل على ظاهره و ( لا ) ليست زائدة والكلام متعلق بقوله تعالى : { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } [ آل عمران : 152 ] أي ولقد عفا الله تعالى عنكم لئلا تحزنوا الخ فإن عفو الله تعالى يذهب كل حزن ، ولا يخفى ما فيه ، وربما يقال : إن أمر التعليل ظاهر أيضاً على ما حكي عن السدي من غير حاجة إلى التأويل ولا القول بزيادة لا ، ويوضح ذلك ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال : أصاب الناس غم وحزن على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا فلما اجتمعوا في الشعب وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم أيضاً فأصابهم حزن أنساهم حزنهم في أصحابهم فذلك قوله تعالى : { فأثابكم غَمّاً بِغَمّ } الخ ، وحديث إن المجازاة بالغم إنما تكون سبباً للحزن لا لعدمه غير مسلم على الإطلاق ، وأي مانع من أن يكون غم مخصوص سبباً لزوال غم آخر مخصوص أيضاً ؛ بأن يعظم الثاني فينسى الأول فتدبر .
{ والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها ، وفي «المقصد الأسني » الخبير بمعنى العليم لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيراً ، وفيه ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ تُصْعِدُونَ } في جبل التوجه إلى الحق { وَلاَ تَلْوُونَ } أي لا تلتفتون { على أَحَدٍ } من الأمرين : الدنيا والآخرة { والرسول } أي رسول الواردات { يَدْعُوكُمْ } إليّ عباد الله إليّ عباد الله { فأثابكم غَمّاً بِغَمّ } فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة بغم طلب الحق { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ } من زخارف الدنيا { وَلاَ مَا أصابكم } من صدمات تجلي القهر { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ آل عمران : 153 ] لأنه سبحانه أقرب إليكم منكم .