مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (230)

قوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } .

اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق ، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الذين قالوا : إن قوله { أو تسريح بإحسان } إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله : { فإن طلقها } تفسير لقوله : { تسريح بإحسان } وهذا قول مجاهد ، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون المراد من قوله : { تسريح بإحسان } الطلقة الثالثة ، وذلك لأن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالا ثلاثة أحدها : أن يراجعها ، وهو المراد بقوله : { فإمساك بمعروف } والثاني : أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة ، وهو المراد بقوله : { أو تسريح بإحسان } والثالث : أن يطلقها طلقة ثالثة ، وهو المراد بقوله : { فإن طلقها } فإذا كانت الأقسام ثلاثة ، والله تعالى ذكر ألفاظا ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة ، فأما إن جعلنا قوله : { أو تسريح بإحسان } عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار ، وأهملنا القسم الثالث ، ومعلوم أن الأول أولى .

واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشيء الأجنبي ، ونظم الآية { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } .

فإن قيل : فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين ؟ .

قلنا : السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة ، أما بعدها فلا يبقى شيء من ذلك : فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة ، ثم أتبعه بحكم الخلع ، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله أعلم .

المسألة الثانية : مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط : تعتد منه ، وتعقد الثاني ، ويطؤها ، ثم يطلقها ، ثم تعتد منه ، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب : تحل بمجرد العقد ، واختلف العلماء في أن شرط الوطء بالسنة ، أو بالكتاب ، قال أبو مسلم الأصفهاني : الأمران معلومان بالكتاب وهذا هو المختار .

وقبل الخوض في الدليل لا بد من التنبيه على مقدمة ، قال عثمان بن جني : سألت أبا علي عن قولهم : نكح المرأة ، فقال : فرقت العرب بالاستعمال ، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة ، أرادوا أنه عقد عليها ، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته أرادوا به المجامعة ، وأقول : هذا الذي قاله أبو علي كلام محقق بحسب القوانين العقلية ، لأن الإضافة الحاصلة بين الشيئين مغايرة لذات كل واحد من المضافين ، فإذا قيل : نكح فلان زوجته ، فهذا النكاح أمر حاصل بينه وبين زوجته فهذا النكاح مغاير له ولزوجته ، ثم الزوجة ليست اسما لتلك المرأة بحسب ذاتها بل اسما لتلك الذات بشرط كونها موصوفة بالزوجية ، فالزوجة ماهية مركبة من الذات ومن الزوجية والمفرد مقدم لا محالة على المركب .

إذا ثبت هذا فنقول : إذا قلنا نكح فلان زوجته ، فالناكح متأخر عن المفهوم من الزوجية ، والزوجية متقدمة على الزوجة من حيث إنها زوجة ، تقدم المفرد على المركب ، وإذا كان كذلك لزم القطع بأن ذلك النكاح غير الزوجية ، إذا ثبت هذا كان قوله : { حتى تنكح زوجا غيره } يقتضي أن يكون ذلك النكاح غير الزوجية ، فكل من قال بذلك قال : إنه الوطء ، فثبت أن الآية دالة على أنه لا بد من الوطء ، فقوله : { تنكح } يدل على الوطء ، وقوله : { زوجا } يدل على العقد ، وأما قول من يقول : إن الآية غير دالة على الوطء ، وإنما ثبت الوطء بالسنة فضعيف ، لأن الآية تقتضي نفي الحل ممدودا إلى غاية ، وهي قوله : { حتى تنكح } وما كان غاية للشيء يجب انتهاء الحكم عند ثبوته ، فيلزم انتهاء الحرمة عند حصول النكاح ، فلو كان النكاح عبارة عن العقد لكانت الآية دالة على وجوب انتهاء الحرمة عند حصول العقد ، فكان رفعها بالخبر نسخا للقرآن بخبر الواحد ، وأنه غير جائز ، أما إذا حملنا النكاح على الوطء ، وحملنا قوله : { زوجا } على العقد ، لم يلزم هذا الإشكال ، وأما الخبر المشهور في السنة فما روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي ، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي ابن عمها ، فطلقها ثلاثا ، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : كنت تحت رفاعة فطلقني فبت طلاقي ، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإن ما معه مثل هدبة الثواب ، وأنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » والمراد بالعسيلة الجماع شبه اللذة فيه بالعسل ، فلبثت ما شاء الله ثم عادت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إن زوجي مسني فكذبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : كذبت في الأول فلن أصدقك في الآخر ، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتت أبا بكر فاستأذنت ، فقال : لا ترجعي إليه فلبثت حتى مضى لسبيله ، فأتت عمر فاستأذنت فقال لئن رجعت إليه لأرجمنك ، وفي قصة رفاعة نزل قوله : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } .

أما القياس فلأن المقصود من توقيف حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يفترش زوجته رجل آخر ، ولهذا المعنى قال بعض أهل العلم إنما حرم الله تعالى على نساء النبي أن ينكحن غيره لما فيه من الغضاضة ، ومعلوم أن الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصح جعله مانعا وزاجرا .

المسألة الثالثة : قال الشافعي : إذا طلق زوجته واحدة أو اثنتين ، ثم نكحت زوجا آخر وأصابها ، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة ، وهي التي بقيت له من الطلقات الأولى ، وقال أبو حنيفة : بل يملك عليها ثلاثا كما لو نكحت زوجا بعد الثلاث ، حجة الشافعي أن هذه طلقة ثالثة ، فوجب أن تحصل الحرمة الغليظة ، إنما قلنا إنها طلقة ثالثة لأنها طلقة وجدت بعد الطلقتين ، والطلقة الثالثة موجبة للحرمة الغليظة ، لقوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد } الآية وقوله : { فإن طلقها } أعم من أن يطلقها الطلقة الثالثة مسبوقا بنكاح غيره ، أو غير مسبوق بنكاح غيره فكان الكل داخلا فيه .

المسألة الرابعة : مذهب الشافعي رضي الله عنه : إذا تزوج بالمطلقة ثلاثا للغير على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما ، فهذا نكاح متعة بأجل مجهول ، وهو باطل ولو تزوجها بشرط أن لا يطلقها إذا أحلها للأول ففيه قولان أحدهما : لا يصح والثاني : يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة ، ولو تزوجها مطلقا معتقدا بأنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به ، وقال مالك والثوري وأحمد : هذا النكاح باطل دليلنا أن الآية تدل على أن الحرمة تنتهي بوطء مسبوق بعقد ، وقد وجدت فوجب القول بانتهاء الحرمة وحيث حكمنا بفساد النكاح ، فوطئها هل يقع به التحليل قولان والأصح أنه لا يقع به التحليل .

أما قوله تعالى : { فإن طلقها } فالمعنى : إن طلقها الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة لأنه تعالى قد ذكره بقوله : { حتى تنكح زوجا غيره فلا جناح عليهما } أي على المرأة المطلقة والزوج الأول أن يتراجعا بنكاح جديد ، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع ، لأن الزوجية كانت حاصلة بينهما قبل ذلك ، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح ، فهذا تراجع لغوي ، بقي في الآية مسألتان :

المسألة الأولى : ظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل المراجعة للزوج الأول ، إلا أنه مخصوص بقوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } لأن المقصود من العدة استبراء الرحم ، وهذا المعنى حاصل ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه سعيد بن المسيب في أن التحليل يحصل بمجرد العقد ، لأن الوطء لو كان معتبرا لكانت العدة واجبة ، وهذه الآية تدل على سقوط العدة ، لأن الفاء في قوله : { فلا جناح عليهما أن يتراجعا } تدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن الجواب ما قدمنا .

المسألة الثانية : قال الخليل والكسائي : موضع { أن يتراجعا } خفض بإضمار الخافض ، تقديره : في أن يتراجعا ، وقال الفراء : موضعه نصب بنزع الخافض .

أما قوله تعالى : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : قال كثير من المفسرين { إن ظنا } أي إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدود الله ، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها : أنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد والثاني : أن الإنسان لا يعلم ما في القدر وإنما يظنه والثالث : أنه بمنزلة قوله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } فإن المعتبر هناك الظن فكذا ههنا ، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن ، أي متى حصل هذا الظن ، وحصل لهما العزم على إقامة حدود الله ، حسنت هذه المراجعة ومتى لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة تحرم .

المسألة الثانية : كلمة { إن } في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول : ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة : بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى ، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره ، ثم قال بعد ذلك : { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله تعالى : { وتلك حدود الله } إشارة إلى ما بينها من التكاليف ، وقوله : { يبينها } إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض وعندي أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة ، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة ، فكان المراد والله أعلم أن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى كمال البيان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : { ليبين للناس ما نزل إليهم } .

المسألة الثانية : قرأ عاصم في رواية أبان { نبينها } بالنون وهي نون التعظيم والباقون بالياء على أنه يرجع على اسم الله تعالى .

والمسألة الثالثة : إنما خص العلماء بهذا البيان لوجوه أحدها : أنهم هم الذين ينتفعون بالآيات فغيرهم بمنزلة من لا يعتد به ، وهو كقوله : { فيه هدى للمتقين } والثاني : أنه خصهم بالذكر كقوله : { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } والثالث : يعني به العرب لعلمهم باللسان ، والرابع : يريد من له عقل وعلم ، كقوله : { وما يعقلها إلا العالمون } والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلا عالما بما يكلفه ، لأنه متى كان كذلك فقد أزيح عذر المكلف ، والخامس : أن قوله : { تلك حدود الله } يعني ما تقدم ذكره من الأحكام يبينها الله لمن يعلم أن الله أنزل الكتاب وبعث الرسول ليعملوا بأمره وينتهوا عما نهوا عنه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (230)

221

ثم نمضي مع السياق في أحكام الطلاق :

( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا . . إن ظنا أن يقيما حدود الله . وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) . .

إن الطلقة الثالثة - كما تبين - دليل على فساد أصيل في هذه الحياة لا سبيل إلى إصلاحه من قريب - إن كان الزوج جادا عامدا في الطلاق - وفي هذه الحالة يحسن أن ينصرف كلاهما إلى التماس شريك جديد . فأما إن كانت تلك الطلقات عبثا أو تسرعا أو رعونة ، فالأمر إذن يستوجب وضع حد للعبث بهذا الحق ، الذي قرر ليكون صمام آمن ، وليكون علاجا اضطراريا لعلة مستعصية ، لا ليكون موضعا للعبث والتسرع والسفاهة .

ويجب حينئذ أن تنتهي هذه الحياة التي لا تجد من الزوج احتراما لها ، واحتراسا من المساس بها .

وقد يقول قائل : وما ذنب المرأة تهدد حياتها وأمنها واستقرارها بسبب كلمة تخرج من فم رجل عابث ؟ ولكننا نواجه واقعا في حياة البشر . فكيف يا ترى يكون العلاج ، إن لم نأخذ بهذا العلاج ؟ تراه يكون بأن نرغم مثل هذا الرجل على معاشرة زوجة لا يحترم علاقته بها ولا يوقرها ؟ فنقول له مثلا : إننا لا نعتمد طلاقك هذا ولا نعترف به ولا نقره ! وهذه هي امرأتك على ذمتك فهيا وأمسكها ! . . كلا إن في هذا من المهانة للزوجة وللعلاقة الزوجية ما لا يرضاه الإسلام ، الذي يحترم المرأة ويحترم علاقة الزوجية ويرفعها إلى درجة العبادة لله . . إنما تكون عقوبته أن نحرمه زوجه التي عبث بحرمة علاقاتها معه ؛ وأن نكلفه مهرا وعقدا جديدين أن تركها تبين منه في الطلقتين الأوليين ؛ وأن نحرمها عليه في الطلقة الثالثة تحريما كاملا - إلا أن تنكح زوجا غيره - وقد خسر صداقها وخسر نفقته عليها ؛ ونكلفه بعد ذلك نفقة عدة في جميع الحالات . . والمهم أن ننظر إلى واقع النفس البشرية ؛ وواقع الحياة العملية ؛ لا أن نهوم في رؤى مجنحة ليست لها أقدام تثبت بها على الأرض ، في عالم الحياة !

فإذا سارت الحياة في طريقها فتزوجت بعد الطلقة الثالثة زوجا آخر . ثم طلقها هذا الزوج الآخر . . فلا جناح عليها وعلى زوجها الأول أن يتراجعا . . ولكن بشرط :

( إن ظنا أن يقيما حدود الله ) . .

فليست المسألة هوى يطاع ، وشهوة تستجاب . وليسا متروكين لأنفسهما وشهواتهما ونزواتهما في تجمع أو افتراق . إنما هي حدود الله تقام . وهي إطار الحياة الذي إن أفلتت منه لم تعد الحياة التي يريدها ويرضى عنها الله .

( وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) . .

فمن رحمته بالعباد أنه لم يترك حدوده غامضة ولا مجهولة . إنما هو يبينها في هذا القرآن . يبينها لقوم يعلمون فالذين يعلمون حق العلم هم الذين يعلمونها ويقفون عندها ؛ وإلا فهو الجهل الذميم ، وهي الجاهلية العمياء !

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (230)

{ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

يقول تعالى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا } أي : الطلقة الثالثة { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } أي : نكاحا صحيحا ويطؤها ، لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا ، ويدخل فيه العقد والوطء ، وهذا بالاتفاق .

ويشترط{[143]}  أن يكون نكاح الثاني ، نكاح رغبة ، فإن قصد به تحليلها للأول ، فليس بنكاح ، ولا يفيد التحليل ، ولا يفيد وطء السيد ، لأنه ليس بزوج ، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها ، ثم فارقها وانقضت عدتها { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي : على الزوج الأول والزوجة { أَنْ يَتَرَاجَعَا } أي : يجددا عقدا جديدا بينهما ، لإضافته التراجع إليهما ، فدل على اعتبار التراضي .

ولكن يشترط في التراجع أن يظنا { أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } بأن يقوم كل منهما ، بحق صاحبه ، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق ، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة ، فهنا لا جناح عليهما في التراجع .

ومفهوم الآية الكريمة ، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله ، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية ، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا ، لأن جميع الأمور ، إن لم يقم فيها أمر الله ، ويسلك بها طاعته ، لم يحل الإقدام عليها .

وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان ، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور ، خصوصا الولايات ، الصغار ، والكبار ، نظر في نفسه{[144]} ، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك ، ووثق بها ، أقدم ، وإلا أحجم .

ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة قال : { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } أي : شرائعه التي حددها وبينها ووضحها .

{ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } لأنهم هم المنتفعون بها ، النافعون لغيرهم .

وفي هذا من فضيلة أهل العلم ، ما لا يخفى ، لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده ، خاصا بهم ، وأنهم المقصودون بذلك ، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده ، معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها .


[143]:- في ب: ويتعين.
[144]:- في ب: أن ينظر.