مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (5)

قوله تعالى { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور }

اعلم أنه تعالى لما قال : { وإن تولوا } يعني عن عبادته وطاعته { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } بين بعده أن التولي عن ذلك باطنا كالتولي عنه ظاهرا فقال : { ألا إنهم } يعني الكفار من قوم محمد صلى الله عليه وسلم يثنون صدورهم ليستخفوا منه .

واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار شيئين : الأول : أنهم يثنون صدورهم يقال : ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته ، وفي الآية وجهان :

الوجه الأول : روي أن طائفة من المشركين قالوا : إذا أغلقنا أبوابنا وأرسلنا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد ، فكيف يعلم بنا ؟ وعلى هذا التقدير : كان قوله : { يثنون صدورهم } كناية عن النفاق ، فكأنه قيل : يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى ، ثم نبه بقوله : { ألا حين يستغشون ثيابهم } على أنهم يستخفون منه حين يستغشون ثيابهم .

الوجه الثاني : روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه ، والتقدير كأنه قيل : إنهم يتصرفون عنه ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم ، لئلا يسمعوا كلام رسول الله وما يتلو من القرآن ، وليقولوا في أنفسهم ما يشتهون من الطعن . وقوله : { ألا } للتنبيه ، فنبه أولا على أنهم ينصرفوا عنه ليستخفوا ثم كرر كلمة { ألا } للتنبيه على ذكر الاستخفاء لينبه على وقت استخفائهم ، وهو حين يستغشون ثيابهم ، كأنه قيل : ألا إنهم ينصرفون عنه ليستخفوا من الله ، ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم ، ثم ذكر أنه لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله : { يعلم ما يسرون وما يعلنون } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (5)

{ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ 5 } .

المفردات :

يثنون صدورهم : يطوون قلوبهم على ما فيها من نوايا .

ليستخفوا منه : ليستروا أنفسهم عنه سبحانه .

يستغشون ثيابهم : يوارون أنفسهم بثيابهم .

التفسير :

3 { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ . . . } الآية .

أي : إن هؤلاء الكافرين الكارهين لدعوة التوحيد يحنون ظهورهم ، وينكسون رءوسهم ، كأنهم يحاولون طي صدورهم على بطونهم حين سماع القرآن ؛ ليستخفوا منه صلى الله عليه وسلم حين تلاوته ، فلا يراهم حين نزول هذه القوارع على رءوسهم .

روى ابن جرير وغيره : أن ابن شداد قال : كان أحدهم إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ ثنى صدره : كيلا يراه أحد .

جاء في تفسير الآلوسي ما يأتي :

قيل : نزلت في المنافقين ، كان أحدهم إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره ، وتغشى بثوبه ؛ لئلا يراه .

وقيل : نزلت في الأخنس بن شريق ، وكان رجلا حلو المنطق ، حسن السياق للحديث ، يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة ، ويضمر في قلبه ما يضادها ، وقيل : كان الرجل من الكفار يدخل بيته ، ويرخي ستره ، ويحني ظهره ، ويتغشى بثوبه ، ثم يقول : هل يعلم الله ما في قلبي فنزلت هذه الآية . . . ا ه .

ويمكن أن تشمل الآية الكريمة جميع هؤلاء ، كما تشمل كل من يتستر ويستخفي بعمل الشر ظانا أنه لن ينكشف أمره ، ولن يظهر للناس سوء فعله .

{ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .

أي : إن ثنى صدورهم ، وتنكيس رءوسهم ؛ ليستخفوا من الداعي إلى توحيد ربهم ؛ لا يغني عنهم شيئا ؛ فإنه سبحانه وتعالى يعلم السر والجهر ، ويعلم ما يضمرونه وما يعلنونه .

{ إنه عليم بذات الصدور } : إنه سبحانه وتعالى محيط بما تضمره النفوس من خفايا ، وما يدور بها من أسرار ، وهذه الجملة تعليلية ؛ لتأكيد ما قبلها من علمه سبحانه وتعالى بالسر والعلن .

والمراد بذات الصدور : أسرار الصدور وخواطر القلوب ، وكل ما يدور في داخل الإنسان .

فالله سبحانه خالق الإنسان ، مطلع على خطرات نفسه ، محيط علمه بظاهره وباطنه .

قال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } . ( ق : 16 ) .