{ فَإِن طَلَّقَهَا } فإن تعقيبه للخلع بعد ذكر الطلقتين يقتضي أن يكون طلقة رابعة لو كان الخلع طلاقاً ، والأظهر أنه طلاق وإليه ذهب أصحابنا وهو قول للشافعية لأنه فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض فحينئذٍ يكون { فَإِن طَلَّقَهَا } متعلقاً بقوله سبحانه { الطلاق مَرَّتَانِ } [ البقرة : 9 22 ] تفسيراً لقوله تعالى : { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } لا متعلقاً بآية الخلع ليلزم المحذور ، ويكون ذكر الخلع اعتراضاً لبيان أن الطلاق يقع مجاناً تارة وبعوض أخرى ، والمعنى فإن طلقها بعد الثنتين أو بعد الطلاق الموصوف بما تقدم . { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ } أي من بعد ذلك التطليق { حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } أي تتزوّج زوجاً غيره ، ويجامعها فلا يكفي مجرد العقد كما ذهب إليه ابن المسيب ، وخطؤه لأن العقد فهم من ( زوجاً ) ، والجماع من ( تنكح ) ، وبتقدير عدم الفهم ، وحمل النكاح على العقد تكون الآية مطلقة إلا أن السنة قيدتها فقد أخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » وعن عكرمة أن هذه الآية نزلت في هذه المرأة واسمها عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك وكان نزل فيها { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } فيجامعها فإن طلقها بعدما جامعها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ، وفي ذلك دلالة على أن الناكح الثاني لا بد أن يكون زوجاً فلو كانت أمة وطلقت ألبتة ثم وطئها سيدها لا تحل للأول . وعلى أنه لو اشتراها الزوج من سيدها أو وهبها سيدها له بعد أن بت طلاقها لم يحل له وطؤها في الصورتين بملك اليمين حتى تنكح زوجاً غيره وعلى أنّ الولي ليس شرطاً في النكاح لأنه أضاف العقد إليها ، والحكمة في هذا الحكم ردع الزوج عن التسرع إلى الطلاق لأنه إذا علم أنه إذا بت الطلاق لا تحل له حتى يجامعها رجل آخر . ولعله عدوه ارتدع عن أن يطلقها ألبتة لأنه وإن كان جائزاً شرعاً لكن تنفر عنه الطباع وتأباه غيرة الرجال .
والنكاح بشرط التحليل فاسد عند مالك وأحمد والثوري والظاهرية وكثيرين ، واستدلوا على ذلك بما أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له »
وأخرج عبد الرزاق عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : «لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما » ، والبيهقي عن سليمان بن يسار «أن عثمان/ رضي الله تعالى عنه رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحللها لزوجها ففرق بينهما ، وقال : لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة » ، وعندنا هو مكروه والحديث لا يدل على عدم صحة النكاح لما أن المنع عن العقد لا يدل على فساده ، وفي تسمية ذلك محللاً ما يقتضي الصحة لأنها سبب الحل ، وحمل بعضهم الحديث على من اتخذه تكسباً أو على ما إذا شرط التحليل في صلب العقد لا على من أضمر ذلك في نفسه فإنه ليس بتلك المرتبة بل قيل : إن فاعل ذلك مأجور .
{ فَإِن طَلَّقَهَا } الزوج الثاني { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي على الزوج الأول والمرأة { أَن يَتَرَاجَعَا } أن يرجع كل منهما إلى صاحبه بالزواج بعد مضي العدة { إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله } إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية التي حدها الله تعالى وشرعها وتفسير الظن بالعلم ههنا قيل : غير صحيح لفظاً ومعنى ، أما معنى فلأنه لا يعلم ما في المستقبل يقيناً في الأكثر ، وأما لفظاً فلأن ( إن المصدرية للتوقع وهو ينافي العلم ، ورد بأن المستقبل قد يعلم ويتيقن في بعض الأمور وهو يكفي للصحة ، وبأن سيبويه أجاز وهو شيخ العربية ما علمت إلا أن يقوم زيد والمخالف له فيه أبو علي الفارسي ، ولا يخفى أن الاعتراض الأول فيما نحن فيه مما لا يجدي نفعاً لأن المستقبل وإن كان قد يعلم في بعض الأمور إلا أن ما هنا ليس كذلك وليس المراجعة مربوطة بالعلم بل الظن يكفي فيها { وَتِلْكَ } إشارة إلى الأحكام المذكورة إلى هنا { حُدُودَ الله } أي أحكامه المعينة المحمية من التعرض لها بالتغيير والمخالفة { يُبَيّنُهَا } بهذا البيان اللائق ، أو سيبينها بناءاً على أن بعضها يلحقه زيادة كشف في الكتاب والسنة ، والجملة خبر على رأي من يجوّزه في مثل ذلك ، أو حال من { حُدُودَ الله } والعالم معنى الإشارة ، وقرئ { نبينها } بالنون على الالتفات { يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي يفهمون ويعملون بمقتضى العلم فهو للتحريض على العمل كما قيل أو لأنهم المنتفعون بالبيان ، أو لأن ما سيلحق بعض الحدود منه لا يعقله إلا الراسخون ، أو ليخرج غير المكلفين .
قوله تعالى : { فإن طلقها } . يعني الطلقة الثالثة .
قوله تعالى : { فلا تحل له من بعد } . أي من بعد الطلقة الثالثة .
قوله تعالى : { حتى تنكح زوجاً غيره } . أي : غير المطلق فيجامعهما ، والنكاح يتناول الوطء والعقد جميعاً ، نزلت في تميمة ، وقيل عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي ، كانت ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثاً .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنه سمعها تقول : " جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي ، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإنما معه مثل هدبة الثوب ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ قالت نعم قال : لا ، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته " .
وروي أنها لبثت ما شاء الله ، ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن زوجي قد مسني ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم كذبت بقولك الأول فلن نصدقك في الآخر . فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع زوجي الأول فإن زوجي الآخر مسني وطلقني ؟ فقال لها أبو بكر : قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه ، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه ، أتت عمر رضي الله عنه وقالت له : مثل ذلك ، فقال لها عمر رضي الله عنه : لا ترجعي إليه ، لئن رجعت له لأرجمنك .
قوله تعالى : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا } . يعني فإن طلقها الزوج الثاني بعد ما جامعها فلا جناح عليهما ، يعني على المرأة وعلى الزوج ، الأول أن يتراجعا يعني بنكاح جديد .
قوله تعالى : { إن ظنا } . أي علما وقيل رجوا ، لأن أحداً لا يعلم ما هو كائن إلا الله عز وجل .
قوله تعالى : { أن يقيما حدود الله } . أي يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة ، وقال مجاهد : معناه إن علما أن نكاحهما على غير دلسة ، وأراد بالدلسة التحليل ، وهو مذهب سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق ، قالوا : إذا تزوجت المطلقة ثلاثاً زوجاً آخر ليحللها للزوج الأول : فإن النكاح فاسد ، وذهب جماعة إلى أنه إن لم يشترط في النكاح مع الثاني أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل ولها صداق مثلها ، غير أنه يكره إذا كان في عزمها ذلك .
أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي ، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي ، أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ ، أنا الحسن بن الفرج ، أخبرنا عمرو بن خالد الحراني ، أنا عبيد الله بن عبد الكريم هو الجوزي عن أبي واصل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لعن المحلل والمحلل له " . وقال نافع : أتى رجل ابن عمر فقال له : إن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً ، فانطلق أخ له من غيره مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول ؟ فقال : لا ، إلا نكاح رغبة ، كنا نعد سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله المحلل والمحلل له " .
قوله تعالى : { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } . يعني يعلمون ما أمرهم الله تعالى به .
قوله تعالى : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) إذا وقع الزوج في الطلقة الثالثة بانت منه المرأة بينونة كبرى فلا يحل له بعد ذلك أن ينكحها حتى ينكحها زوج ثان نكاحا صحيحا . والمقصود بذلك أن يكون النكاح مستتما لأوصاف العقد من أركان وشروط ليكون عقدا صحيحا . وأن يكون الوطء من الزوج الثاني مشروعا ، فلا يصح وطء المرأة وهي محرمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء ، أو يكون الزوج نفسه محرما أو صائما أو معتكفا ، فإن هذا الوطء الحرام لا يحل المرأة للأول .
والمراد يكون النكاح الثاني وافيا هو أن تحصل المواقعة من الزوج الثاني للمطلقة ثلاثا ، بحيث يقع الجمع ويذوق كل منهما عسيلة الآخر كما ورد في الحديث الشريف ، أما مجرد العقد من الثاني عليها من غير وطء فإنها لا تحل بذلك للأول . فقد روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول الله ( ص ) في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا فتتزوج غيره فيطلقها قبل أن يدخل بها فيريد الأول أن يراجعها قال : " لا حتى يذوق الآخر عسيلتها " . وفي حديث من رواية البخاري عن السيدة عائشة أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت زوجا فطلقها قبل أن يمسّها ، فسئل رسول الله ( ص ) : أتحل للأول ؟ فقال : " لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول " . وروى البخاري أيضا عن السيدة عائشة قال : دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي ( ص ) فقالت : إن رفاعة طلقني البتة ، وإن عبد الرحمان بن الزبير تزوجني ، وإنما عنده مثل الهدية ، وأخذت هدية من جلبابها وخالد بن سعيد ابن العاص بالباب لم يؤذن له ، فقال : يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله ( ص ) فما زاد رسول الله ( ص ) عن التبسم ، فقال رسول الله ( ص ) : " كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " والمراد بالعسيلة الجماع . فقد روي عن النبي ( ص ) قال : " ألا إن العسيلة الجماع " .
ونعرض في هذا الصدد مسألة هامة جديرة بالبيان وهي نكاح المحلل ، وذلك من الأنكحة الفاسدة التي نهت عنها الشريعة ، وتوعدت من يتورط فيها باللعن والتوبيخ على أنه تيس مستعار . وفي هذا أخرج ابن ماجه عن عقبة بن عامر أن رسول الله ( ص ) قال : " ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : هو المحلل ، لعلن الله المحلل والمحلل له " .
وذكر عن ابن عباس قال : سئل رسول الله ( ص ) عن نكاح المحلل ، قال : " لا ، إلا نكاح رغبة ، لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ، ثم يذوق عسيلتها " وذكر أيضا أن رجلا جاء إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا ، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه هل تحل للأول ، فقال : لا نكاح إلا نكاح رغبة ، كنّا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ( ص ) .
وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول الله ( ص ) قال : " لعن الله المحلل والمحلل له " .
وروى البيهقي بإسناده ، أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما . وروي مثل ذلك عن علي وابن عباس وغيرهما من الصحابة .
وروى عن عمر أنه قال : لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما .
وقوله : ( فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) وتفصيل ذلك أنه إذا طلق الرجل زوجته الطلقة الثالثة ، فاعتدّت ، ثم تزوجها رجل ثان زواجا صحيحا تاما ، ثم طلقها واعتدت عدتها المشروعة ، جاز لها ولزوجها الأول أن يتراجعا فيما بينهما وهو أن يتناكحا بعقد جديد . وذلك إذا علم الزوجان أنهما سوف يتعاشران بالمعروف ويقيمان الحياة بينهما بالخير والصلاح وعلى هدى من تعاليم الله وشرعه ؛ ولذلك قال سبحانه : ( إن ظنا أن يقيما حدود الله ) وللمستزيد من الأحكام في هذه المسائل أن يراجع ذلك في مظانه من كتب الفقه .
وقوله : ( وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) وحدود الله هي أحكامه وشرائعه المتعلقة بمسائل النكاح والطلاق وما يحقق للزوجين والأسرة حياة ملؤها الطمأنينة والرضى والود والتفاهم ؛ كيلا يكون ثمة خلل أو تنافر أو مباغضات ما أمكن . وهذه الأحكام والشرائع يبينها الله لتكون مفسرة واضحة للعالمين خاصة ، أما الجاهلون فلا شأن لهم في هذا التبيين ؛ لأنهم لا يعونه ولا يستطيعون الوقوف عليه . وليس لهم من سبيل إلا أن يستمعوا للعالمين من الناس فيأخذوا عنهم العلم والأحكام ؛ لذلك قال سبحانه عن حدوده : ( يبينها لقوم يعلمون ) . {[317]}