روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ} (62)

{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ } أي يثبتون له سبحانه وينسبون إليه بزعمهم { مَا يَكْرَهُونَ } الذي يكرهونه لأنفسهم من البنات ، والتعبير بما عند أبي حيان على إرادة النوع ، وهذا على ما سمعت تكرير لما سبق تثنية للتقريع وتوطئة لقوله تعالى : { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } أي يجعلون لله تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو { أَنَّ لَهُمُ الحسنى } أي العاقبة الحسنى عند الله عز وجل ولا يتعين إرادة الجنة .

وعن بعضهم أن المراد بها ذلك بناءً على أن منهم من يقر بالبعث وهذا بالنسبة لهم أو أنه على الفرض والتقدير كما روي أنهم قالوا : إن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً في البعث فلنا الجنة بما نحن عليه ، قيل : وهو المناسب لقوله تعالى الآتي : { لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار } لظهور دلالته على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة ، فلا يرد أنهم كيف قالوا ذلك وهم منكرون للبعث ، وعن مجاهد أنهم أرادوا بالحسنى البنين وليس بذاك وقال بعض المحققين : المراد بما يكرهون أعم مما تقدم فيشمل البنات وقد علم كراهتهم لها وإثباتها لله تعالى بزعمهم والشركاء في الرياسة فإن أحدهم لا يرضى أن يشرك في ذلك ويزعم الشريك له سبحانه والاستخفاف برسل الله تعالى عليهم السلام فإنهم يغضبون لو استخف برسول لهم أرسلوه في أمر لغيرهم ويستخفون برسل الله تعالى عليهم السلام وأراذل الأموال فإنهم كانوا إذا رأوا ما عينوه لله تعالى من أنعامهم أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها ولو فعل نحو ذلك معهم غضبوا ، وعلى هذا يفسر الجعل بما يعم الزعم والاختيار و { مَا } تعم العقلاء وغيرهم ولا يخلو الكلام عن نوع تكرير ، والمراد من { تَصِفُ * أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } يكذبون وهو من بليغ الكلام وبديعه ، ومثله قولهم : عينها تصف السحر أي ساحرة وقدها يصف الهيف أي هيفاء ، وقول أبي العلاء المعري :

سرى برق المعرة بعد وهن . . . فبات برامة يصف الكلالا

وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تمام الكلام في ذلك ، والظاهر أن { الكذب } مفعول { تَصِفُ } و { أَنَّ لَهُمْ } بدل منه أو بتقدير بأن لهم ولما حذفت الباء صار في موضع نصب عند سيبويه ، وعند الخليل هو في موضع جر ، وجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف كما أشرنا إليه في بيان المعنى ، وجوز أبو البقاء كون { الكذب } بدلاً مما يكرهون وهو كما ترى . وقرأ الحسن . ومجاهد باختلاف { *ألسنهم } بإسقاط التاء وهي لغة تميم ، واللسان يذكر ويؤنث قيل : ويجمع المذكر على ألسنة نحو حمار وأحمرة والمؤنث على ألسن كذراع وأذرع .

وقرأ معاذ بن جبل . وبعض أهل الشام { يَفْتَرِى الكذب } بثلاث ضمات وهو جمع كذوب كصبر وصبور وهو مقيس . وقيل : جمع كاذب نحو شارف وشرف وهو غير مقيس ، ورفعه على أنه صفة الألسنة و { أَنَّ لَهُمُ الحسنى } حينئذٍ مفعول { تَصِفُ } { لاَ جَرَمَ } أي حقاً { أَنَّ لَهُمْ } مكان ما زعموه من الحسنى { النار } التي ليس وراء عذابها عذاب وهي علم في السوأى ، وكلمة { لا } رد لكلام و { جَرَمَ } بمعنى كسب و { أَنَّ لَهُمْ } في موضع نصب على المفعولية أي كسب ما صدر منهم أن لهم ذلك .

وإلى هذا ذهب الزجاج ، وقال قطرب : { جَرَمَ } بمعنى ثبت ووجب و { أَنَّ لَهُمْ } في موضع رفع على الفاعلية له ، وقيل : { لاَ جَرَمَ } بمعنى حقاً و { أَنَّ لَهُمْ } فاعل حق المحذوف ، وقد مر تمام الكلام في ذلك وحلا . وقرأ الحسن . وعيسى بن عمر { أَنَّ لَهُمْ } بكسر الهمزة وجعل الجملة جواب قسم أغنت عنه { لاَ جَرَمَ } وكذا قرءا بالكسر في قوله تعالى : { وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } أي مقدمون معجل بهم إليها على ما روي عن الحسن . وقتادة من أفرطته إلى كذا قدمته وهو معدى بالهمزة من فرط إلى كذا تقدم إليه ، ومنه أنا «فرطكم على الحوض » أي متقدمكم وكثيراً ما يقال للمتقدم إلى الماء لإصلاح نحو دلو فارط وفرط ، وأنشدوا للقطامى :

واستعجلونا وكانوا من صحابتنا . . . كما تعجل فراط لوراد

وقال مجاهد ، وابن جبير . وابن أبي هند : أي متركون في النار منسيون فيها أبداً من أفرطت فلاناً خلفي إذا تركته ونسيته . وقرأ ابن عباس . وابن مسعود . وأبو رجاء . وشيبة . ونافع . وأكثر أهل المدينة { مُّفْرَطُونَ } بكسر الراء اسم فاعل من أفرط اللازم إذا تجاوز أي متجاوزو الحد في معاصي الله تعالى . وقرأ أبو جعفر { مُّفْرَطُونَ } بتشديد الراء وكسرها من فرط في كذا إذا قصر أي مقصرون في طاعة الله تعالى ، وعنه أنه قرأ { مُّفْرَطُونَ } بتشديد الراء وفتحها من فرطته المعدي بالتضعيف من فرط بمعنى تقدم أي مقدمون إلى النار .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ} (62)

{ 62 - 63 } { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وأَنَّهُم مُفْرَطُونَ * تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم }

يخبر تعالى أن المشركين : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } ، من البنات ، ومن الأوصاف القبيحة ، وهو الشرك بصرف شيء من العبادات إلى بعض المخلوقات ، التي هي عبيد لله ، فكما أنهم يكرهون ، ولا يرضون أن يكون عبيدهم -وهم مخلوقون من جنسهم- شركاء لهم فيما رزقهم الله ، فكيف يجعلون له شركاء من عبيده ؟ "

{ وَ } هم مع هذه الإساءة العظيمة ، { تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى } ، أي : أن لهم الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة ، رد عليهم بقوله : { لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ } ، مقدمون إليها ، ماكثون فيها ، غير خارجين منها أبدا .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ} (62)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ويجعلون}، يعني: ويصفون،

{لله ما يكرهون}، من البنات، يقولون: لله البنات،

{وتصف}، يعني: وتقول،

{ألسنتهم الكذب}، ب {أن لهم الحسنى}، البنين وله البنات،

{لا جرم}، قسما حقا،

{أن لهم النار وأنهم مفرطون}، يعني: متروكون في النار؛ لقولهم: لله البنات.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهونه لأنفسهم. "وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ "يقول: وتقول ألسنتهم الكذب وتفتريه، {أنّ لهم الحُسْنَى}... ويجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم، ويزعمون أن لهم الحسنى؛ الذي يكرهونه لأنفسهم، البنات يجعلونهن لله تعالى، وزعموا أن الملائكة بنات الله. وأما الحُسنى التي جعلوها لأنفسهم: فالذكور من الأولاد، وذلك أنهم كانوا يئدون الإناث من أولادهم، ويستبقون الذكور منهم، ويقولون: لنا الذكور ولله البنات. وهو نحو قوله: {ويَجْعَلُونَ لِلّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ وَلهُمْ ما يَشْتَهونَ}...

وقوله: {لا جَرَمَ أن لَهُمُ النّارَ وأنّهُمْ مُفْرَطُونَ} يقول تعالى ذكره: حقّا واجبا أن لهؤلاء القائلين لله البنات، الجاعلين له ما يكرهونه لأنفسهم، ولأنفسهم الحسنى، عند الله يوم القيامة النار...

عن ابن عباس، قوله: "لا جَرَمَ" يقول: بلى... لا بدّ، ولا محالة... حقّا.

وقوله: {وأنّهُمْ مُفْرَطُونَ}، يقول تعالى ذكره: وأنهم مُخَلّفون، متروكون في النار، منسيّون فيها... مُضَيّعون...

وقال آخرون: معنى ذلك: مُعْجَلُون إلى النار مقدّمون إليها. وذهبوا في ذلك إلى قول العرب: أفرطنا فلانا في طلب الماء، إذا قدّموه لإصلاح الدّلاء والأرشية، وتسوية ما يحتاجون إليه عند ورودهم عليه، فهو مُفْرَط...

وقال آخرون: معنى ذلك: مُبْعَدُون في النار...

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي اخترناه، وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم، إنما يقال فيمن قدَم مقدمَا لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدّمه عليه، وليس بمُقَدّم من قُدّم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها، لوارد يرد عليها فيها، فيوافقه مصلحا، وإنما تَقَدّم مَن قُدّم إليها لعذاب يُعجّل له. فإذا كان معنى ذلك، الإفراط الذي هو: تأويل التعجيل، ففسد أن يكون له وجه في الصحة، صحّ المعنى الآخر، وهو: الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك، وذلك أن يُحْكَى عن العرب: ما أفْرَطت ورائي أحدا: أي ما خَلّفته، وما فرطته، أي: لم أخلفه.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

انخدعوا لمَّا لانَ لهم العيشُ، فظنوا أنهم ينجون، وبما يُؤَمِّلونه يحيطون؛ فَحسُنَتْ في أعينهم مقابحُ صفاتهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ}، لأنفسهم من البنات، ومن شركاء في رياستهم، ومن الاستخفاف برسلهم والتهاون برسالاتهم. ويجعلون له أرذل أموالهم، ولأصنامهم أكرمها، {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ}، مع ذلك، {أَنَّ لَهُمُ الحسنى}، عند الله، كقوله: {وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى} [فصلت: 50]...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى}، إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا، وإن كان ثمَّ معاد ففيه أيضا لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم، كقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: 9، 10]، وكقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [فصلت: 50]، وقوله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا [أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا]} [مريم: 77، 78] وقال إخبارا عن أحد الرجلين: أنه {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 35، 36] -فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل، بأن يجازوا على ذلك حسنا وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق: أنه وُجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حِكَم ومواعظ، فمن ذلك: تعملون السيئات ويجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب...

وهذا كقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51]...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى، أتبعه التصريح بعد التلويح بقوله تعالى: {ويجعلون لله}، أي، وهو الملك الأعظم {ما يكرهون}، أي: لأنفسهم، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة، ومن الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم، ثم وصف جراءتهم مع ذلك، الكائنة في محل الخوف، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال: {وتصف}، أي: تقول معتقدة مع القول الصفاء، ولما كان قولاً لا حقيقة له بوجه، أسنده إلى اللسان فقال: {ألسنتهم}، أي: مع ذلك، مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل، {الكذب}، ثم بينه بقوله: {أن لهم الحسنى}، أي عنده، ولا جهل أعظم، ولا حكم أسوأ، من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره، يجعل لك ما تحب، فكأنه قيل: فما لهم عنده؟ فقيل: {لا جرم}، أي: لا ظن ولا تردد في {أن لهم النار}، التي هي جزاء الظالمين، {وأنهم مفرطون}...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وأعجب ما في الأمر أن المشركين، يجعلون لله ما يكرهون من البنات وغير البنات، ثم يزعمون كاذبين أن سينالهم الخير والإحسان جزاء على ما يجعلون ويزعمون! والقرآن يقرر ما ينتظرهم وهو غير ما يزعمون:

(ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى. لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون).

والتعبير يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته، أو كأنها صورة له، تحكيه وتصفه بذاتها. كما تقول قوامه يصف الرشاقة وعينه تصف الحور. لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة مفصح عنها، ولأن هذه العين بذاتها تعبير عن الحور مفصح عنه. كذلك قال: تصف ألسنتهم الكذب، فهي بذاتها تعبير عن الكذب مفصح عنه مصور له، لطول ما قالت الكذب وعبرت عنه حتى صارت رمزا عليه ودلالة له!.

وقولهم: أن لهم الحسنى، وهم يجعلون لله ما يكرهون هو ذلك الكذب الذي تصفه ألسنتهم أما الحقيقة التي يجبههم بها النص قبل أن تكمل الآية، فهي أن لهم النار دون شك ولا ريب، وعن استحقاق وجدارة:

(لا جرم أن لهم النار) وأنهم معجلون إليها غير مؤخرين عنها: (وأنهم مفرطون) والفرط هو ما يسبق، والمفرط ما يقدم ليسبق فلا يؤجل.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

هذا ضغث على إبّالة من أحوالهم في إشراكهم تخالف قصّة قوله تعالى: {ويجعلون لله البنات} [سورة النحل: 57] باعتبار ما يختصّ بهذه القصّة من إضافتهم الأشياء المكروهة عندهم إلى الله مما اقتضته كراهتهم البنات بقوله تعالى: {ولهم ما يشتهون} [سورة النحل: 57]، فكانَ ذلك الجعل ينطوي على خصلتين من دين الشّرك، وهما: نسبة البنوّة إلى الله، ونسبة أخسّ أصناف الأبناء في نظرهم إليه، فخصّت الأولى بالذكر بقوله {ويجعلون لله البنات} مع الإيماء إلى كراهتهم البنات كما تقدّم. وخصّت هذه بذكر الكراهية تصريحاً، ولذلك كان الإتيان بالموصول والصلة {ما يكرهون} هو مقتضى المقام الذي هو تفظيع قولهم وتشنيع استئثارهم. وقد يكون الموصول للعموم فيشير إلى أنهم جعلوا لله أشياء يكرهونها لأنفسهم مثل الشريك في التصرّف؛ وأشياء لا يرضونها لآلهتهم ونسبوها لله كما أشار إليه قوله تعالى: {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [سورة الأنعام: 136]...

ومعنى {تصف} تذكر بشرح وبيان وتفصيل، حتى كأنها تذكر أوصاف الشيء. وحقيقة الوصف: ذكر الصفات والحُلَى. ثم أطلق على القول المبيّن المفصل...

والمراد من هذا الكذب كل ما يقولونه من أقوال خاصتهم ودهمائهم باعتقاد أو تهكّم. فمن الأول قول العاصي بن وائل المحكي في قوله تعالى: {وقال لأوتينّ مالاً وولداً} [سورة مريم: 77] وفي قوله تعالى: {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [سورة فصلت: 50]. ومن الثاني قولهم في البليّة: أن صاحبها يركبها يوم القيامة لكيلا يُعيى...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وجاءت «الحسنى» (وهي مؤنث أحسن)، هنا بمعنى: أفضل الثواب أو أفضل العواقب، وذلك ما يدعيه أُولئك المغرورون الضالون لأنفسهم، مع كل ما جاؤوا به من جرائم!... وهكذا هو تصور كثير من الجبابرة والمنحرفين، فبالرغم من بُعدهم عن اللّه تعالى، يعتبرون أنفسهم أقرب الناس إليه، ويتشدّقون بادّعاءات هزيلة مدعاة للسخرية!...