روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ} (36)

{ وَمَن يَعْشُ } أي يتعام ويعرض { عَن ذِكْرِ الرحمن } وهو القرآن ، وإضافته إلى الرحمن للإيذان بنزوله رحمة للعالمين ، وجوز أن يكون مصدراً أضيف إلى المفعول أي من يعش عن أن يذكر الرحمن ، وأن يكون مصدراً أضيف إلى الفاعل أي عن تذكير الرحمن عباده سبحانه ، وقرأ يحيى بن سلام البصري { يَعْشُ } بفتح الشين كيرض أي يعم يقال : عشى كرضى إذا حصلت الآفة في بصره وعشا كغزا إذا نظر نظر العشي لعارض قال الحطيئة :

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره *** تجد خير نار عندها خير موقد

أي تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء ولو لم يكن كذلك لم يكن لكلمة الغاية موقع وأظهر منه في المقصود قول حاتم :

أعشو إذا ما جارتي برزت *** حتى يواري جارتي الخدر

لأنه قيد بالوقت وأتى بالغاية وما هو خلقي لا يزول ، وقال بعضهم : لم أر أحداً يجيز عشوت عنه إذا أعرضت وإنما يقال تعاشيت وتعاميت عن الشيء إذا تغافلت عنه كأنك لم تره ويقال : عشوت إلى النار إذا استدللت عليها ببصر ضعيف ، وهو مما لا يلتفت إليه ومثله عشى وعشا عرج بكسر الراء لمن به الآفة وعرج بفتحها لمن مشى مشية العرجان من غير عرج على ما في الكشاف ، وفيه خلاف لأهل اللغة ففي القاموس يقال : عرج أي بالفتح إذا أصابه شيء في رجله وليس بخلقه فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة ، وقرأ زيد بن علي { يعشو } بإثبات الواو وخرج ذلك الزمخشري على أن من موصولة لا شرطية جازمة ، وجوز أن تكون شرطية والمدة إما للإشباع أو على لغة من يجزم المعتل الآخر بحذف الحركة على ما حكاه الأخفش ، ووز كون الفعل مجزوماً بحذف النون والواو ضمير الجمع ، وقد روعي فيه معنى من ، وتخريج الزمخشري مبني على الفصيح المطرد المتبادر .

{ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً } أي نتح له شيطاناً ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض وهو القشر الأعلى .

{ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } دائماً لا يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه وهذا عقاب على الكفر بالختم وعدم الفلاح كما يقال : إن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد اكتساب السيآت ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . والسلمي . والأعمش ويعقوب . وأبو عمرو بخلاف عنه . وحماد عن عاصم . وعصمة عن الأعمش وعن عاصم . والعليمي عن أبي بكر { *يقيض } بالياء على إسناده إلى ضمير { مُّقْتَدِرِ الرحمن } ، وقرأ ابن عباس يقيض بالياء والبناء للمفعول { شيطان } بالرفع والفعل في جميع القراءات مجزوم ولم نسمع أنه قرىء بالرفع ، وفي الكشاف حق من قرأ { مِنْ } بالواو أن يرفعه أي بناء على تخريجه ذلك على أن من موصولة ، وجوز على ذلك أيضاً أن يكون { يقيض } مرفوعاً لكنه سكن تخفيفاً .

وفي البحر يجوز أن تكون { صَلَحَ مِنْ } موصولة وجزم { نُقَيّضْ } تشبيهاً للموصول باسم الشرط وإذا كان ذلك مسموعاً في الذي وهو لم يكن اسم شرط قط فالأولى أن يكون فيما استعمل موصولاً لا وشرطاً ، قال الشاعر :

لا تحفرن بئراً تريد اخاً بها *** فإنك فيها أنت من دونه تقع

كذاك الذي يبغي على الناس ظالما *** تصبه على رغم عواقب ما صنع

انشدهما ابن الأعرابي وهو مذهب للكوفيين ، وله وجه من القياس وهو أنه كما شبه الموصول باسم الشرط فدخلت الفاء في خبره فكذلك يشبه به فينجزم الخبر إلا أن دخول الفاء منقاس إذا كان الخبر مسبباً عن الصلة بشروطه المذكورة في النحو وهذا لا يقيسه البصريون .