التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ} (186)

الجُملة معطوفة على الجمل السابقة المتعاطفة أي { لتكملوا العدة ولتكبروا . . . ولعلكم تشكرون } [ البقرة : 185 ] ، ثم التَفَت إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وحده لأنه في مقام تبليغ فقال : { وإذا سألك عبادي عني } ، أي العباد الذين كان الحديث معهم ، ومقتضى الظاهر أن يقال { ولعلكم تشكرون وتدعون فأستجيب لكم إلاّ أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيمُ شأن النبي بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى ، والإشارةُ إلى جواب من عسى أن يكونوا سألوا النبي عن كيفية الدعاء هل يكون جهراً أو سراً ، وليكون نظم الآية مؤذناً بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال : وإذا سألوا عن حقهم عليَّ فإني قريب منهم أجيب دعوتهم ، وجُعل هذا الخير مرتباً على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا : هل لنا جزاء على ذلك ؟ وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي عن ذلك أدباً مع الله تعالى فلذلك قال تعالى : { وإذا سألك } الصريح بأن هذا سيقع في المستقبل . واستعمال مثل هذا الشرط مع مادة السؤال لقصد الاهتمام بما سيذكر بعده استعمال معروف عند البلغاء قال علقمة :

فَإنْ تسأَلوني بالنِّساءِ فإنّني *** خَبير بِأَدْواءِ النساءِ طَبِيبُ

والعلماء يفتتحون المسائل المهمة في كتبهم بكلمة ( فإن قلت ) وهو اصطلاح « الكشاف » . ويؤيد هذا تجريد الجواب من كلمة قل التي ذكرت في مواقع السؤال من القرآن نحو { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت } [ البقرة : 189 ] ، { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } [ البقرة : 220 ] ، مع ما في هذا النظم العجيب من زيادة إخراج الكلام في صورة الحكم الكلي إذ جاء بحكم عام في سياق الشرط فقال { سألك عبادي } وقال : { أجيب دعوة الداع } ولو قيل وليدعوني فأستجيب لهم لكان حكماً جزئياً خاصاً بهم ، فقد ظهر وجه اتصال الآية بالآيات قبلها ومناسبتها لهن وارتباطها بهن من غير أن يكون هنالك اعتراض جملة .

وقيل إنها جملة معترضة اقترنت بالواو بين أحكام الصيام للدلالة على أن الله تعالى مجازيهم على أعمالهم وأنه خبير بأحوالهم ، قيل إنه ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء .

والعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الآيات كلها في بيان أحكام الصوم ولوازمه وجزائه وهو من شعار المسلمين ، وكذلك اصطلاح القرآن غالباً في ذكر العباد مضافاً لضمير الجلالة ، وأما قوله تعالى : { ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } [ الفرقان : 17 ] بمعنى المشركين فاقتضاه أنه في مقام تنديمهم على استعبادهم للأصنام .

وإنما قال تعالى : { فإني قريب } ولم يقل : فقل لهم إني قريب إيجازاً لظهوره من قوله : { وإذا سألك عبادي عني } ، وتنبيهاً على أن السؤال مفروض غير واقع منهم بالفعل ، وفيه لطيفة قرآنية وهي إيهام أن الله تعالى تولَّى جوابهم عن سؤالهم بنفسه إذ حذف في اللفظ ما يدل على وساطة النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء .

واحتيج للتأكيد بإنَّ ، لأن الخبر غريب وهو أن يكون تعالى قريباً مع كونهم لا يرونه . و { أجيبُ } خبر ثان لإنَّ وهو المقصود من الإخبار الذي قبله تمهيداً له لتسهيل قبوله .

وحذفت ياء المتكلم من قوله « دعان » في قراءة نافع وأبي عَمرو وحمزة والكسائي ؛ لأن حذفها في الوقف لغة جمهور العرب عدا أهل الحجاز ، ولا تحذف عندهم في الوصل لأن الأصل عدمه ولأن الرسم يبنى على حال الوقف ، وأثبت الياء ابن كثير وهشام ويعقوب في الوصل والوقف ، وقرأ ابن ذكوان وعاصم بحذف الياء في الوصل والوقف وهي لغة هذيل ، وقد تقدم أن الكلمة لو وقعت فاصلة لكان الحذف متفقاً عليه في قوله تعالى : { وإياي فارهبون } [ البقرة : 40 ] في هذه السورة .

وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجوُّ الإجابة ، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته ، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان .

والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عباده غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان ، لأن الخبر لا يقتضي العموم ، ولا يقال : إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم ، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربط للدعاء بالإجابة ، لأنه لم يقل : إن دعوني أجبتهم .

وقوله : { فليستجيبوا لي } تفريع على { أجيبُ } أي إذا كنت أجيب دعوة الداعي فليجيبوا أوامري ، واستجاب وأجاب بمعنى واحد . وأصل أجاب واستجاب أنه الإقبال على المنادي بالقدوم ، أو قولٌ يدل على الاستعداد للحضور نحو ( لَبيك ) ، ثم أطلق مجازاً مشهوراً على تحقيق ما يطلبه الطالب ، لأنه لما كان بتحقيقه يقطع مسألتَه فكأنَّه أجاب نداءه .

فيجوز أن يكون المراد بالاستجابة امتثال أمر الله فيكون { وليؤمنوا بي } عطفاً مغايراً والمقصود من الأمر الأول الفعل ومن الأمر الثاني الدوام ، ويجوز أن يراد بالاستجابة ما يشمل استجابة دعوة الإيمان ، فذِكْر { وليؤمنوا } عطف خاص على عام للاهتمام به .

وقوله : { لعلهم يرشدون } تقدم القول في مِثله . والرشد إصابة الحق وفعله كنصر وفَرِح وضَرب ، والأشهر الأول .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ} (186)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وإذا سألك " المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي ، ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك . واختلف في سبب نزولها ، فقال مقاتل : إن عمر رضي اللّه عنه واقع امرأته بعد ما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى ، وجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتما ، وكان ذلك قبل نزول الرخصة ، فنزلت هذه الآية : " إذا سألك عبادي عني فإني قريب " . وقيل : لما وجب عليهم في الابتداء ترك الأكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم ، فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم ، على ما يأتي بيانه{[1598]} . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا ، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام ، وغلظ كل سماء مثل ذلك ؟ فنزلت هذه الآية . وقال الحسن : سببها أن قوما قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت . وقال عطاء وقتادة : لما نزلت : " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم{[1599]} " [ غافر : 60 ] قال قوم : في أي ساعة ندعوه ؟ فنزلت .

الثانية : قوله تعالى : " فإني قريب " أي بالإجابة . وقيل بالعلم . وقيل : قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام .

الثالثة : قوله تعالى : " أجيب دعوة الداعي إذا دعان " أي أقبل عبادة من عبدني ، فالدعاء بمعنى العبادة ، والإجابة بمعنى القبول . دليله ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( الدعاء هو العبادة قال ربكم ادعوني أستجب لكم ) فسمي الدعاء عبادة ، ومنه قوله تعالى : " إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين{[1600]} " [ غافر : 60 ] أي دعائي . فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسماه عبادة ، ووعد بأن يستجيب لهم . روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء ، كان اللّه إذا بعث نبيا قال : ادعني أستجب لك ، وقال لهذه الأمة : ادعوني أستجب لكم ، وكان اللّه إذا بعث النبي قال له : ما جعل عليك في الدين من حرج ، وقال لهذه الأمة : ما جعل عليكم في الدين من حرج ، وكان اللّه إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه ، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ) . وكان خالد الربعي يقول : عجبت لهذه الأمة في " ادعوني أستجب لكم " [ غافر : 60 ] أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة ، وليس بينهما شرط . قال له قائل : مثل ماذا ؟ قال مثل قوله : " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات{[1601]} " [ البقرة : 25 ] فههنا شرط ، وقوله : " وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق{[1602]} " [ يونس : 2 ] فليس فيه شرط العمل ، ومثل قوله : " فادعوا الله مخلصين له الدين{[1603]} " [ غافر : 14 ] فههنا شرط ، وقوله : " ادعوني أستجب لكم " ليس فيه شرط . وكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك . فإن قيل : فما للداعي قد يدعو فلا يجاب ؟ فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في الآيتين " أجيب " " أستجب " لا يقتضي الاستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل ، ولا بكل مطلوب على التفصيل ، فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى : " ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين{[1604]} " [ الأعراف : 55 ] وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد ، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له . وأنواع الاعتداء كثيرة ، يأتي بيانها هنا وفي " الأعراف " إن شاء اللّه تعالى . وقال بعض العلماء : أجيب إن شئت ، كما قال : " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء{[1605]} " [ الأنعام : 41 ] فيكون هذا من باب المطلق والمقيد . وقد دعا النبي صلى اللّه عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة ، على ما يأتي بيانه في " الأنعام " إن شاء اللّه تعالى . وقيل : إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعاء الداعين في الجملة ، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما شاء وكيف شاء " ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له " [ الأحقاف : 5 ] الآية . وقد يجيب السيد{[1606]} عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله . فالإجابة كانت حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة ؛ لأن أجيب وأستجب خبر لا ينسخ فيصير المخبر كذابا . يدل على هذا التأويل ما روى ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الإجابة ) . وأوحى اللّه تعالى إلى داود : أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم . وقال قوم : إن اللّه يجيب كل الدعاء ، فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا ، وإما أن يكفر عنه ، وإما أن يدخر له في الآخرة ، لما رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللّه بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها ) . قالوا : إذن نكثر ؟ قال : ( لله أكثر ) . خرجه أبو عمر بن عبد البر ، وصححه أبو محمد عبد الحق ، وهو في الموطأ منقطع السند . قال أبو عمر : وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول اللّه تعالى " ادعوني أستجب لكم " [ غافر : 60 ] فهذا كله من الإجابة . وقال ابن عباس : كل عبد دعا استجيب له ، فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه ، وإن لم يكن رزقا له في الدنيا ذخر له . قلت : وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلك على صحة ما تقدم من اجتناب الاعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه : ( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ) وزاد مسلم : ( ما لم يستعجل ) . رواه عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل - قيل : يا رسول اللّه ، ما الاستعجال ؟ قال - يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر{[1607]} عند ذلك ويدع الدعاء ) . وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عيه وسلم قال : ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي ) . قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : يحتمل قوله ( يستجاب لأحدكم ) الإخبار عن [ وجوب ]{[1608]} وقوع الإجابة ، والإخبار عن جواز وقوعها ، فإذا كان بمعنى الإخبار عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة . فإذا قال : قد دعوت فلم يستجب لي ، بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء ، وعري الدعاء من جميعها . وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا به خاصة ، ويمنع من ذلك قول الداعي : قد دعوت فلم يستجب لي ؛ لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط .

قلت : ويمنع من إجابة الدعاء أيضا أكل الحرام وما كان في معناه ، قال صلى اللّه عليه وسلم : ( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنَّى يستجاب لذلك ) وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته ، فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به . فمن شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا اللّه ، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره ، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب ، فإن اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ، وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام ، وألا يمل من الدعاء . ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا ، كما قال : ( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ) فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ، ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم . وقال سهل بن عبدالله التستري : شروط الدعاء سبعة : أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال . وقال ابن عطاء : إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا ، فإن وافق أركانه قوي ، وإن وافق أجنحته طار في السماء ، وإن وافق مواقيته فاز ، وإن وافق أسبابه أنجح . فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع ، وأجنحته الصدق ، ومواقيته الأسحار ، وأسبابه الصلاة على محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : شرائطه أربع : أولها حفظ القلب عند الوحدة ، وحفظ اللسان مع الخلق ، وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحل ، وحفظ البطن من الحرام . وقد قيل : إن من بين شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن ، كما أنشد بعضهم :

ينادي ربه باللحن ليثٌ *** كذاك إذا دعاه لا يجيب

وقيل لإبراهيم بن أدهم : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟ قال : لأنكم عرفتم اللّه فلم تطيعوه ، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته ، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به ، وأكلتم نعم اللّه فلم تؤدوا شكرها ، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها ، وعرفتم النار فلم تهربوا منها ، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه ، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له ، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا ، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس . قال علي رضي اللّه عنه لنوف البكالي : يا نوف ، إن اللّه أوحى إلى داود أن مر بني إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأيد نقية ، فإني لا أستجيب لأحد منهم ، ما دام لأحد من خلقي مظلمة . يا نوف ، لا تكونن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا{[1609]} ، فإن داود قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلا استجيب له فيها ، إلا أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا ، أو صاحب عرطبة ، وهي الطنبور ، أو صاحب كوبة ، وهي الطبل . قال علماؤنا : ولا يقل الداعي : اللهم اعطني إن شئت ، اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة ، ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء . وأيضا فإن في قوله : " إن شئت " نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته ، كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل ، لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه ، وأما المضطر إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله . روى الأئمة واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له ) . وفي الموطأ : ( اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ) . قال علماؤنا : قوله ( فليعزم المسألة ) دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ، ولا يقنط من رحمة اللّه ، لأنه يدعو كريما . قال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن اللّه قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس ، قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ، قال فإنك من المنظرين . وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة ، وذلك كالسحر ووقت الفطر ، وما بين الأذان والإقامة ، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء ، وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض ، وعند نزول المطر والصف في سبيل اللّه . كل هذا جاءت به الآثار ، ويأتي بيانها في مواضعها . وروى شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له : يا شهر ، ألا تجد القشعريرة ؟ قلت : نعم . قالت : فادع اللّه فإن الدعاء مستجاب عند ذلك . وقال جابر بن عبد الله : دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرفت السرور في وجهه . قال جابر : ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة .

الرابعة : قوله تعالى : " فليستجيبوا لي " قال أبو رجاء الخراساني : فليدعوا لي . وقال ابن عطية : المعنى فليطلبوا أن أجيبهم . وهذا هو باب استفعل أي طلب الشيء إلا ما شذ مثل استغنى اللّه . وقال مجاهد وغيره : المعنى فليجيبوا إليّ فيما دعوتهم إليه من الإيمان ، أي الطاعة والعمل ويقال : أجاب واستجاب بمعنى ، ومنه قول الشاعر :

فلم يستجبه عند ذاك مجيب

أي لم يجبه والسين زائدة واللام لام الأمر . وكذا " وليؤمنوا " وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت إن التي للشرط . وقيل : لأنها لا تقع إلا على الفعل .

قوله تعالى : " وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " اللام لام الأمر وجزمت لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير ، فأشبهت إن التي للشرط . وقيل : لأنها لا تقع إلا على الفعل . والرشاد خلاف الغي . وقد رشد يرشد رشدا . ورشد بالكسر يرشد رشدا ، لغة فيه . وأرشده اللّه . والمراشد : مقاصد الطرق . والطريق الأرشد : نحو الأقصد . وتقول : هو لرشدة{[1610]} . خلاف قولك : لزنية . وأم راشد كنية للفأرة وبنو رشدان : بطن من العرب ، عن الجوهري . وقال الهروي : الرُّشد والرَّشد والرشاد : الهدى والاستقامة ، ومنه قوله : " لعلهم يرشدون " .


[1598]:راجع ص 314 من هذا الجزء.
[1599]:راجع ج 15 ص 326.
[1600]:راجع ج 15 ص 326
[1601]:راجع ج 1 ص 238
[1602]:راجع ج 8 ص 306
[1603]:راجع ج 15 ص 299
[1604]:راجع ج 7 ص 222
[1605]:راجع ج 6 ص 423
[1606]:راجع ج 16 ص 183
[1607]:يستحسر: ينقطع عن الدعاء ويمله.
[1608]:زيادة عن الموطأ يقتضها السياق.
[1609]:العريف: الذي يلي أمور طائفة من الناس ويتعرف أمورهم ويبلغها للأمير. والشرطي (كتركى وكجهني): هم أعوان الحاكم. والعشار: من يتولى أخذ أعشار الأموال.
[1610]:بكسر الراء وقد تفتح، ومعناه: إذا كان لنكاح صحيح.