التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (235)

عطف على الجملة التي قبلها ، فهذا من الأحكام المتعلقة بالعدة ، وقد تضمنت الآيات التي قبلها أحكام عدة الطلاق وعدة الوفاة ، وأن أمد العدة محترم ، وأن المطلقات إذا بلغن أجلهن جاز أن يفعلن في أنفسهن ما أردن من المعروف ، فعلم من ذلك أنهن إذا لم يبلغنه لا يجوز ذلك فالتزوج في مدة الأجل حرام ، ولما كان التحدث في التزوج إنما يقصد منه المتحدث حصول الزواج ، وكان من عادتهم أن يتسابقوا إلى خطبة المعتدة ومواعدتها ، حرصاً على الاستئثار بها بعد انقضاء العدة فبينت الشريعة لهم تحريم ذلك ، ورخصت في شيء منه ولذلك عطف هذا الكلام على سابقه .

والجناح الإثم وقد تقدم في قوله تعالى : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } [ البقرة : 158 ] .

وقوله : { ما عرضتم به } ما موصولة ، وما صْدَقها كلام ، أي كلام عرضتم به ، لأن التعريض يطلق على ضرب من ضروب المعاني المستفادة من الكلام ، وقد بينه بقوله : { من خطبة النساء } فدل على أن المراد كلام .

ومادة فعَّل فيه دالة على الجعل مثل صوَّر ، مشتقة من العرض بضم العين وهو الجانب أي جعل كلامه بجانب ، والجانب هو الطرف ، فكأن المتكلم يحيد بكلامه من جادة المعنى إلى جانب . ونظير هذا قولهم جَنَبَه ، أي جعله في جانب . فالتعريض أن يريد المتكلم من كلامه شيئاً ، غير المدلول عليه بالتركيب وضعاً ، لمناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود ، مع قرينة على إرادة المعنى التعريضي ، فعلم ألابد من مناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود ، وتلك المناسبة : إما ملازمة أو مماثلة ، وذلك كما يقول العافى لرجل كريم : جئت لأسلم عليك ولأنظر وجهك ، وقد عبر عن إرادتهم مثل هذا أمية بن أبي الصلت في قوله :

إذَا أَثَنى عليكَ المرءُ يوماً *** كفاهُ عن تَعَرُّضه الثَّنَاء

وجعل الطيبي منه قوله تعالى : { وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ] . فالمعنى التعريضي في مثل هذا حاصل من الملازمة ، وكقول القائل « المسلم من سلم المسلمون من لسانه » في حضرة من عرف بأذى الناس ، فالمعنى التعريضي حاصل من علم الناس بمماثلة حال الشخص المقصود للحالة التي ورد فيها معنى الكلام ، ولما كانت المماثلة شبيهة بالملازمة لأن حضور المماثل في الذهن يقارن حضور مثيله صح أن نقول إن المعنى التعريضي بالنسبة إلى المركبات شبيه بالمعنى الكنائي بالنسبة إلى دلالة الألفاظ المفردة ، وإن شئت قلت : المعنى التعريضي من قبيل الكناية بالمركب فخص باسم التعريض كما أن المعنى الكنائي من قبيل الكناية باللفظ المفرد ، وعلى هذا فالتعريض من مستتبعات التراكيب ، وهذا هو الملاقى لما درج عليه صاحب « الكشاف » في هذا المقام ، فالتعريض عنده مغاير للكناية من هذه الجهة وإن كان شبيهاً بها ، ولذلك احتاج إلى الإشارة إلى الفرق بينهما ، فالنسبة بينهما عنده التباين .

وأما السكاكي فقد جعل بعض التعريض من الكناية وهو الأصوب ، فصارت النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي ، وقد حمل الطيبي والتفتازاني كلام « الكشاف » على هذا ، ولا إخاله يتحمله .

وإذ قد تبين لك معنى التعريض ، وعلمت حد الفرق بينه وبين الصريح فأمثلة التعريض والتصريح لا تخفى ، ولكن فيما أثر من بعض تلك الألفاظ إشكال لا ينبغي الإغضاء عنه في تفسير هذه الآية .

إن المعرض بالخطبة تعريضه قد يريده لنفسه وقد يريده لغيره بوساطته ، وبين الحالتين فرق ينبغي أن يكون الحكم في المتشابه من التعريض ، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ابنة قيس ، وهي في عدتها من طلاق زوجها عمرو بن حفص آخر الثلاث « كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك » أي لا تستبدي بالتزوج قبل استئذاني وفي رواية « فإذا حللت فآذنيني » وبعد انقضاء عدتها خطبها لأسامة بن زيد ، فهذا قول لا خطبة فيه وإرادة المشورة فيه واضحة .

ووقع في « الموطأ » : أن القاسم بن محمد كان يقول في قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها : « إنك عليَّ لكريمة وإني فيك لراغب » .

فأما إنك عليَّ لكريمة فقريب من صريح إرادة التزوج بها وما هو بصريح ، فإذا لم تعقبه مواعدة من أحدهما فأمره محتمل ، وأما قوله إني فيك لراغب فهو بمنزلة صريح الخطبة وأمره مشكل ، وقد أشار ابن الحاجب إلى إشكاله بقوله : « قالوا ومثل إني فيك لراغب أكثر هذه الكلمات تصريحاً فينبغي ترك مثله » ويذكر عن محمد الباقر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض لأم سلمة في عدتها من وفاة أبي سلمة ، ولا أحسب ما روي عنه صحيحاً .

وفي « تفسير ابن عرفة » : « قيل إن شيخنا محمد بن أحمد بن حيدرة كان يقول : « إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط وأما إذا وقع التعريض منهما فظاهر المذهب أنه كصريح المواعدة » .

ولفظ النساء عام لكن خص منه ذوات الأزواج ، بدليل العقل ويخص منه المطلقات الرجعيات بدليل القياس ودليل الإجماع ، لأن الرجعية لها حكم الزوجة بإلغاء الفارق ، وحكى القرطبي الإجماع على منع خطبة المطلقة الرجعية في عدتها ، وحكى ابن عبد السلام عن مذهب مالك جواز التعريض لكل معتدة : من وفاة أو طلاق ، وهو يخالف كلام القرطبي ، والمسألة محتملة لأن للطلاق الرجعي شائبتين ، وأجاز الشافعي التعريض في المعتدة بعد وفاة ومنعه في عدة الطلاق ، وهو ظاهر ما حكاه في « الموطأ » عن القاسم بن محمد .

وقوله : { أو أكننتم في أنفسكم } الإكنان الإخفاء . وفائدة عطف الإكنان على التعريض في نفي الجناح ، مع ظهور أن التعريض لا يكون إلاّ عن عزم في النفس ، فنفي الجناح عن عزم النفس المجرد ضروري من نفي الجناح عن التعريض ، أنَّ المراد التنبيه على أن العزم أمر لا يمكن دفعه ولا النهي عنه ، فلما كان كذلك ، وكان تكلم العازم بما عزم عليه جبلة في البشر ، لضعف الصبر على الكتمان ، بين الله موضع الرخصة أنه الرحمة بالناس ، مع الإبقاء على احترام حالة العدة ، مع بيان علة هذا الترخيص ، وأنه يرجع إلى نفي الحرج ، ففيه حكمة هذا التشريع الذي لم يبين لهم من قبل .

وأخر الإكنان في الذكر للتنبيه على أنه أفضل وأبقى على ما للعدة من حرمة ، مع التنبيه على أنه نادر وقوعه ، لأنه لو قدمه لكان الانتقال من ذكر الإكنان إلى ذكر التعريض جارياً على مقتضى ظاهر نظم الكلام في أن يكون اللاَّحق زائد المعنى على ما يشمله الكلام السابق ، فلم يتفطن السامع لهذه النكتة ، فلما خولف مقتضى الظاهر علم السامع أن هذه المخالفة ترمي إلى غرض ، كما هو شأن البليغ في مخالفة مقتضى الظاهر ، وقد زاد ذلك إيضاحاً بقوله عقبه : { علم الله أنكم ستذكرونهن } أي علم أنكم لا تستطيعون كتمان ما في أنفسكم ، فأباح لكم التعريض تيسيراً عليكم ، فحصل بتأخير ذكر { أو أكننتم } فائدة أخرى وهي التمهيد لقوله : { علم الله أنكم ستذكرونهن } وجاء النظم بديعاً معجزاً ، ولقد أهمل معظم المفسرين التعرض لفائدة هذا العطف ، وحاول الفخر توجيهه بما لا ينثلج له الصدر{[186]} ووجهه ابن عرفة بما هو أقرب من توجيه الفخر ، ولكنه لا تطمئن له نفس البليغ{[187]} .

فقوله : { ولكن لا تواعدوهن سراً } استدراك دل عليه الكلام ، أي علم الله أنكم ستذكرونهن صراحة وتعريضاً ؛ إذ لا يخلو ذو عزم من ذكر ما عزم عليه بأحد الطريقين ، ولما كان ذكر العلم في مثل هذا الموضع كناية عن الإذن كما تقول : علمت أنك تفعل كذا تريد : إني لا أؤاخذك لأنك لو كنت تؤاخذه ، وقد علمت فعله ، لآخذته كما قال : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم } [ البقرة : 187 ] هذا أظهر ما فسر به هذا الاستدراك وقيل : هذا استدراك على كلام محذوف أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن ، أي لا تصرحوا وتواعدوهن ، أي تعدوهن ويعدنكم بالتزوج .

والسر أصله ما قابل الجهر ، وكنى به عن قربان المرأة قال الأعشى :

ولا تقربنَّ جارة إنَّ سِرَّها *** عليك حرام فانكحن أو تأبدوا

وقال امرؤ القيس :

ألا زعمتْ بسباسَةُ الحي أنني *** كبرْتُ وأن لا يحسن السر أمثالي

والظاهر أن المراد به في هاته الآية حقيقته ، فيكون { سراً } منصوباً على الوصف لمفعول مطلق أي وعداً صريحاً سراً ، أي لا تكتموا المواعدة ، وهذا مبالغة في تجنب مواعدة صريح الخطبة في العدة .

وقوله : { إلا أن تقولوا قولاً معروفاً } استثناء من المفعول المطلق أي إلا وعداً معروفاً ، وهو التعريض الذي سبق في قوله : { فيما عرضتم به } فإن القول المعروف من أنواع الوعد إلا أنه غير صريح ، وإذا كان النهي عن المواعدة سراً ، علم النهي عن المواعدة جهراً بالأولى ، والاستثناء على هذا في قوله : { إلا أن تقولوا قولاً معروفاً } متصل ، والقول المعروف هو المأذون فيه ، وهو التعريض ، فهو تأكيد لقوله : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به } الآية .

وقيل : المراد بالسر هنا كناية ، أي لا تواعدوهن قرباناً ، وكنى به عن النكاح أي الوعد الصريح بالنكاح ، فيكون { سراً } مفعولاً به لتواعدوهن ، ويكون الاستثناء منقطعاً ، لأن القول ليس من أنواع النكاح ، إذ النكاح عقد بإيجاب وقبول ، والقول خطبة : صراحة أو تعريضاً وهذا بعيد : لأن فيه كناية على كناية ، وقيل غير ذلك مما لا ينبغي التعريج عليه ، فإن قلتم حظر : صريح الخطبة والمواعدة ، وإباحة التعريض بذلك يلوح بصور التعارض ، فإن مآل التصريح والتعريض واحد ، فإذا كان قد حصل بين الخاطب والمعتدة العلم بأنه يخطبها وبأنها توافقه ، فما فائدة تعلق التحريم والتحليل بالألفاظ والأساليب ، إن كان المفاد واحداً قلت : قصد الشارع من هذا حماية أن يكون التعجل ذريعة إلى الوقوع فيما يعطل حكمة العدة ، إذ لعل الخوض في ذلك يتخطى إلى باعث تعجل الراغب إلى عقد النكاح على المعتدة بالبناء بها ؛ فإن دبيب الرغبة يوقع في الشهوة ، والمكاشفة تزيل ساتر الحياء فإن من الوازع الطبيعي الحياء الموجود في الرجل ، حينما يقصد مكاشفة المرأة بشيء من رغبته فيها ، والحياء في المرأة أشد حينما يواجهها بذلك الرجل ، وحينما تقصد إجابته لما يطلب منها ، فالتعريض أسلوب من أساليب الكلام يؤذن بما لصاحبه من وقار الحياء فهو يقبض عن التدرج إلى ما نهي عنه ، وإيذانه بهذا الاستحياء يزيد ما طبعت عليه المرأة من الحياء فتنقبض نفسها عن صريح الإجابة ، بله المواعدة فيبقى حجاب الحياء مسدولاً بينهما وبرقع المروءة غير منضى وذلك من توفير شأن العدة فلذلك رخص في التعريض تيسيراً على الناس ، ومنع التصريح إبقاء على حرمات العدة .

وقوله : { ولا تعزموا عقدة النكاح } العزم هنا عقد النكاح لا التصميم على العقد ، ولهذا فعقدة النكاح منصوب على المفعول به ، والمعنى : لا تعقدوا عقدة النكاح ، أخذ من العزم بمعنى القطع والبت ، قاله النحاس وغيره ، ولك أن تجعله بمعناه المشهور أي لا تصمموا على عقدة النكاح ، ونهي عن التصميم لأنه إذا وقع وقع ما صمم عليه . وقيل : نهى عن العزم مبالغة ، والمراد النهي عن المعزوم عليه ، مثل النهي من الاقتراب في قوله : { تلك حدود الله فلا تقربوها } [ البقرة : 187 ] وعلى هذين الوجهين فعقدة النكاح منصوب على نزع الخافض ، كقولهم ضربة الظهر والبطن ، وقيل ضمن عزم معنى أبرم قاله صاحب « المغني » في الباب الثامن .

والكتاب هنا بمعنى المكتوب أي المفروض من الله وهو العدة المذكورة بالتعريف للعهد .

والأجل المدة المعينة لعمل ما ، والمراد به هنا مدة العدة المعينة بتمام ، كما أشار إليه قوله : { فإذا بلغن أجلهن } [ البقرة : 234 ] آنفاً .

والآية صريحة في النهي عن النكاح في العدة وفي تحريم الخطبة في العدة وفي إباحة التعريض .

فأما النكاح أي عقده في العدة ، فهو إذا وقع ولم يقع بناء بها في العدة فالنكاح مفسوخ اتفاقاً ، وإنما اختلفوا هل يتأبد به تحريم المرأة على العاقد أو لا ؟ فالجمهور على أنه لا يتأبد ، وهو قول عمر بن الخطاب ، ورواية ابن القاسم عن مالك في « المدونة » ، وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أنه يتأبد ، ولا يعرف مثله عن غير مالك .

وأما الدخول في العدة ففيه الفسخ اتفاقاً ، واختلف في تأبيد تحريمها عليه فقال عمر بن الخطاب ومالك والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل بتأبد تحريمها عليه ، ولا دليل لهم على ذلك إلا أنهم بنوه على أصل المعاملة بنقيض المقصود الفاسد ، وهو أصل ضعيف ، وقال علي وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والشافعي : بفسخ النكاح ولا يتأبد التحريم ، وهو بعد العدة خاطب من الخطاب ، وقد قيل : إن عمر رجع إليه وهو الأصح ، وعلى الزوج مهرها بما استحل منها ، وقد تزوج رويشد الثقفي طليحة الأسدية في عدتها ففرق عمر بينهما وجعل مهرها على بيت المال ، فبلغ ذلك علياً فقال : « يرحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت المال ، إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما للسنة » قيل له : « فما تقول أنت » ؟ قال : « لها الصداق بما استحل منها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما » واستحسن المتأخرون من فقهاء المالكية للقاضي إذا حكم بفسخ نكاح الناكح في العدة ألا يتعرض في حكمه للحكم بتأبيد تحريمها ، لأنه لم يقع التنازع في شأنه لديه ، فينبغي له أن يترك التعريج عليه ، لعلهما أن يأخذا بقول من لا يرون تأبيد التحريم .

وأما الخطبة في العدة والمواعدة فحرام مواجهة المرأة بها ، وكذلك مواجهة الأب في ابنته البكر ، وأما مواجهة ولي غير مجبر فالكراهة ، فإذا لم يقع البناء في العدة بل بعدها ، فقال مالك : يفرق بينهما بطلقة ولا يتأبد تحريمها ، وروى عنه ابن وهب : فراقها أحب إليَّ ، وقال الشافعي : الخطبة حرام ، والنكاح الواقع بعد العدة صحيح .

{ واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فى أَنفُسِكُمْ فاحذروه واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ }

عطف على الكلام السابق في قوله : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } إلى قوله : { حتى يبلغ الكتاب أجله } وابتدىء الخطاب باعلموا لما أريد قطع هواجس التساهل والتأول ، في هذا الشأن ، ليأتي الناس ما شرع الله لهم عن صفاء سريرة من كل دخل وحيلة ، وقدم تقدم نظيره في قوله : { واعلموا أنكم ملاقوه } [ البقرة : 223 ] .

وقوله : { واعلموا أن الله غفور حليم } تذييل ، أي فكما يؤاخذكم على ما تضمرون من المخالفة يغفر لكم ما وعد بالمغفرة عنه كالتعريض لأنه حليم بكم ، وهذا دليل على أن إباحة التعريض رخصة كما قدمنا ، وأن الذريعة تقتضي تحريمه ، لولا أن الله علم مشقة تحريمه على الناس للوجوه التي قدمناها ، فلعل المراد من المغفرة هنا التجاوز لا مغفرة الذنب ؛ لأن التعريض ليس بإثم ، أو يراد به المعنى الأعم الشامل لمغفرة الذنب والتجاوز عن المشاق ، وشأن التذييل التعميم .


[186]:- قال الفخر : لما اباح التعريض وحرم التصريح في الحال قال: أو أكننتم وفي أنفسكم أي أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل فالآية الأولى تحريم للتصريح في الحال والآية الثانية إباحة للعزم على التصريح في المستقبل.
[187]:- قال: فائدة عطف أو أكننتم الإشعار بالتسوية بين التعريض وبين ما في النفس في الجواز أي هما سواء في رفع الحرج عن صاحبهما.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (235)

قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء }إلى قوله{ معروفا } فيه تسع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ولا جناح " أي لا إثم ، والجناح الإثم ، وهو أصح في الشرع وقيل : بل هو الأمر الشاق ، وهو أصح في اللغة ، قال الشماخ :

إذا تعلو براكبها خليجا *** تذكِّر ما لديه من الجُنَاحِ

وقوله تعالى : " عليكم فيما عرضتم به " المخاطبة لجميع الناس ، والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة ، أي لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة . والتعريض : ضد التصريح ، وهو إفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره وهو من عرض الشيء وهو جانبه ، كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره . وقيل : هو من قولك عرضت الرجل ، أي أهديت إليه تحفة ، وفي الحديث : أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا ؛ أي : أهدوا لهما . فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه .

الثانية : قال ابن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز ، وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز ، وكذلك ما أشبهه ، وجوز ما عدا ذلك . ومن أعظمه قربا إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : ( كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك ) . ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعا لأنها كالزوجة . وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم . وروي في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين : الأول : أن يذكرها لوليها يقول له لا تسبقني بها . والثاني : أن يشير بذلك إليها دون واسطة ، فيقول لها : إني أريد التزويج ، أو إنك لجميلة ، إنك لصالحة ، إن الله لسائق إليك خيرا ، إني فيك لراغب ، ومن يرغب عنك ، إنك لنافقة{[2187]} ، وإن حاجتي في النساء ، وإن يقدر الله أمرا يكن . هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب . وقال ابن عباس : لا بأس أن يقول : لا تسبقيني بنفسك ، ولا بأس أن يهدي إليها ، وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه ، قاله إبراهيم .

وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج ، وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين ، قالت سكينة بنت حنظلة استأذن علي محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال : قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتي من علي وموضعي في العرب . قلت : غفر الله لك يا أبا جعفر ، إنك رجل يؤخذ عنك ، تخطبني في عدتي ، قال : إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علي . وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبى سلمة فقال : ( لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي ) كانت تلك خطبة ، أخرجه الدارقطني . والهدية إلى المعتدة جائزة ، وهي من التعريض . قاله سحنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم . وكره مجاهد أن يقول لها : لا تسبقيني بنفسك ورآه من المواعدة سرا . قال القاضي أبو محمد بن عطية : وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه وإلا فهو خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم .

الثالثة : قوله تعالى : " من خطبة النساء " الخطبة ( بكسر الخاء ) : فعل الخاطب من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول . يقال : خطبها يخطبها خطبا وخطبة . ورجل خطاب كثير التصرف في الخطبة ، ومنه قول الشاعر :

بَرَّحَ بالعينين خَطَّابُ الكُثَبْ *** يقول إني خاطب وقد كذب

وإنما يخطب عُسّاً من حَلَبْ{[2188]}*

والخطيب : الخاطب . والخطيبى : الخطبة . قال : عدي بن زيد يذكر قصد جذيمة الأبرش لخطبة الزباء :

لِخَطِيبَيّ التي غَدَرَتْ وخانت *** وهن ذواتُ غائلةٍ لُحِينَا

والخِطْبُ : الرجل الذي يخطب المرأة . ويقال أيضا : هي خطبه وخطبته التي يخطبها . والخطبة فعلة كجلسة وقعدة : والخطبة ( بضم الخاء ) هي الكلام الذي يقال في النكاح وغيره . قال النحاس : والخطبة ما كان لها أول وآخر ، وكذا ما كان على فعلة نحو الأكلة والضغطة .

الرابعة : قوله تعالى : " أو أكننتم في أنفسكم " معناه سترتم وأضمرتم من التزوج بها بعد انقضاء عدتها . والإكنان : الستر{[2189]} والإخفاء . يقال : كننته وأكننته بمعنى واحد . وقيل : كننته أي صنته حتى لا تصيبه آفة وإن لم يكن مستورا ، ومنه بيض مكنون ودر مكنون . وأكننته أسررته وسترته . وقيل : كننت الشيء ( من الأجرام ) إذا سترته بثوب أو بيت أو أرض ونحوه . وأكننت الأمر في نفسي . ولم يسمع من العرب " كننته في نفسي " . ويقال : أكن البيت الإنسان ، ونحو هذا . فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج المعتدة مع التعريض ومع الإكنان ، ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على وعد . ورخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحها{[2190]} وضعف البشر عن ملكها .

الخامسة : استدلت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حد . وقالوا : لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد ؛ لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح . قلنا : هذا ساقط لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة ، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح ، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف ، والأعراض يجب صيانتها ، وذلك يوجب حد المعرض ؛ لئلا يتطرق{[2191]} الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح .

السادسة : قوله تعالى : " علم الله أنكم ستذكرونهن " أي إما سرا وإما إعلانا في نفوسكم وبألسنتكم ، فرخص في التعريض دون التصريح . الحسن : معناه ستخطبونهن .

السابعة : قوله تعالى : " ولكن لا تواعدوهن سرا " أي : على سر فحذف الحرف ؛ لأنه مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر .

واختلف العلماء في معنى قوله تعالى : " سرا " فقيل : معناه نكاحا ، أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني ، بل يعرض إن أراد ، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية ، هذا قول ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم . " وسرا " على هذا التأويل نصب على الحال ، أي مستسرين . وقيل : السر الزنا ، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج بعدها . قال معناه جابر بن زيد وأبو مجلز لاحق بن حميد ، والحسن وقتادة والنخعي والضحاك ، وأن السر في هذه الآية الزنا ، أي لا تواعدوهن زنا ، واختاره الطبري ، ومنه قول الأعشى :

فلا تقربنّ جارةً إن سرها *** عليك حرام فأنكِحَنْ أو تَأبَّدَا

وقال الحطيئة :

ويحرم سِرُّ جارتهم عليهم *** ويأكل جارُهم أنفَ القِصَاع

وقيل : السر الجماع ، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح فإن ذكر الجماع مع غير الزوج فحش ، هذا قول الشافعي . وقال امرؤ القيس :

ألا زعمت بَسْبَاسَةُ اليوم أنني *** كبرت وألا يحسن السِّرَّ أمثالي

وقال رؤبة :

فكُف عن إسرارها بعد العَسَقْ

أي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك . وقد يكون السر عقدة النكاح ، سرا كان أو جهرا ، قال الأعشى :

فلن يطلبوا سرها للغنى *** ولن يُسْلِمُوها لإزهادها

وأراد أن يطلبوا نكاحها لكثرة مالها ، ولن يسلموها لقلة مالها . وقال ابن زيد : معنى قوله " ولكن لا تواعدوهن سرا " أن لا تنكحوهن وتكتمون ذلك ، فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن ، وهذا هو معنى القول الأول ، فابن زيد على هذا قائل بالقول الأول ، وإنما شذ في أن سمى العقد مواعدة ، وذلك قلق . وحكى مكي والثعلبي عنه أنه قال : الآية منسوخة بقوله تعالى : " ولا تعزموا عقدة النكاح " .

الثامنة : قال القاضي أبو محمد بن عطية : أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها ، وللأب في ابنته البكر ، وللسيد في أمته . قال ابن المواز : وأما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه وإن نزل لم أفسخه . وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها : فراقها أحب إلي ، دخل بها أو لم يدخل ، وتكون تطليقة واحدة ، فإذا حلت خطبها مع الخطاب ، هذه رواية ابن وهب . وروى أشهب عن مالك أنه يفرق بينهما إيجابا ، وقاله ابن القاسم . وحكى ابن الحارث مثله عن ابن الماجشون ، وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبد . وقال الشافعي : إن صرح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح حتى تنقضي العدة فالنكاح ثابت والتصريح لها مكروه لأن النكاح حادث بعد الخطبة . قاله ابن المنذر .

التاسعة : قوله تعالى : " إلا أن تقولوا قولا معروفا " استثناء منقطع بمعنى لكن ، كقوله " إلا خطأ " [ النساء : 92 ] أي لكن خطأ . والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض . وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدة : احبسي علي نفسك فإن لي بك رغبة ، فتقول هي : وأنا مثل ذلك ، وهذا شبه المواعدة .

قوله تعالى :{ ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } فيه تسع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ولا تعزموا عقدة النكاح " قد تقدم القول في معنى العزم ، يقال : عزم الشيء وعزم عليه . والمعنى هنا : ولا تعزموا على عقدة النكاح . ومن الأمر البين أن القرآن أفصح كلام ، فما ورد فيه فلا معترض عليه ، ولا يشك في صحته وفصاحته ، وقد قال الله تعالى : " وإن عزموا الطلاق " [ البقرة : 227 ] وقال هنا : " ولا تعزموا عقدة النكاح " والمعنى : لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة ثم حذف على ما تقدم . وحكى سيبويه : ضرب فلان الظهر والبطن ، أي على . قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه . قال النحاس : ويجوز أن يكون " ولا تعقدوا عقدة النكاح " ؛ لأن معنى " تعزموا " وتعقدوا واحد . ويقال : " تعزموا " بضم الزاي .

الثانية : قوله تعالى : " حتى يبلغ الكتاب أجله " يريد تمام العدة . والكتاب هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة ، سماها كتابا إذ قد حده وفرضه كتاب الله كما قال " كتاب الله عليكم " {[2192]} وكما قال : " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " [ النساء : 103 ] . فالكتاب : الفرض ، أي حتى يبلغ الفرض أجله ، " كتب عليكم الصيام " [ البقرة : 183 ] أي فرض . وقيل : ، في الكلام حذف ، أي حتى يبلغ فرض الكتاب أجله ، فالكتاب على هذا التأويل بمعنى القرآن . وعلى الأول لا حذف فهو أولى ، والله أعلم .

الثالثة : حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله تعالى : " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " وهذا من المحكم المجمع على تأويله ، أن بلوغ أجله انقضاء العدة . وأباح التعريض في العدة بقوله : " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء " الآية . ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك ، واختلفوا في ألفاظ التعريض على ما تقدم . واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا ، أو يواعدها ويعقد بعد العدة ؛ وقد تقدم هذا في الآية التي قبلها . واختلفوا إن عزم العقدة في العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه ، وذلك قبل الدخول وهي :

الرابعة : فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء أن ذلك لا يؤبد تحريما ، وأنه يكون خاطبا من الخطاب ، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة في آخر الباب الذي يليه [ ضرب أجل المفقود ] . وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد في العقد وإن فسخ قبل الدخول ، ووجهه أنه نكاح في العدة فوجب أن يتأبد به التحريم ، أصله إذا بنى بها . وأما إن عقد في العدة ودخل بعد انقضائها وهي :

الخامسة : فقال قوم من أهل العلم : ذلك كالدخول في العدة ، يتأبد التحريم بينهما . وقال قوم من أهل العلم : لا يتأبد بذلك تحريم . وقال مالك : يتأبد التحريم . وقال مرة : وما التحريم بذلك بالبين ، والقولان له في المدونة في طلاق السنة . وأما إن دخل في العدة ، وهي :

السادسة : فقال مالك والليث والأوزاعي : يفرق بينهما ولا تحل له أبدا . قال مالك والليث : ولا بملك اليمين ، مع أنهم جوزوا التزويج بالمزني بها . واحتجوا بأن عمر بن الخطاب قال : لا يجتمعان أبدا . قال سعيد : ولها مهرها بما استحل من فرجها ، أخرجه مالك في موطئه وسيأتي . وقال الثوري والكوفيون والشافعي : يفرق بينهما ولا يتأبد التحريم بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه ، ثم يكون خاطبا من الخطاب . واحتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها ، فكذلك وطؤه إياها في العدة . قالوا : وهو قول علي . ذكره عبد الرزاق . وذكر عن ابن مسعود مثله ، وعن الحسن أيضا . وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق أن عمر رجع عن ذلك وجعلهما يجتمعان . وذكر القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى فقال : لا يخلو الناكح في العدة إذا بنى بها أن يبني بها في العدة أو بعدها ، فإن كان بنى بها في العدة فإن المشهور من المذهب أن التحريم يتأبد ، وبه قال أحمد بن حنبل . وروى الشيخ أبو القاسم في تفريعه أن في التي يتزوجها الرجل في عدة من طلاق أو وفاة عالما بالتحريم روايتين ، إحداهما : أن تحريمه يتأبد على ما قدمناه . والثانية : أنه زان وعليه الحد ، ولا يلحق به الولد ، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة . ووجه الرواية الأولى - وهي المشهورة - ما ثبت من قضاء عمر بذلك ، وقيامه بذلك في الناس ، وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار ، ولم يعلم له مخالف ، فثبت أنه إجماع . قال القاضي أبو محمد : وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره ، وهذا حكم الإجماع . ووجه الرواية الثانية أن هذا وطء ممنوع فلم يتأبد تحريمه ، كما لو زوجت نفسها أو تزوجت متعة أو زنت . وقد قال القاضي أبو الحسن : إن مذهب مالك المشهور في ذلك ضعيف من جهة النظر . والله أعلم . وأسند أبو عمر : حدثنا عبدالوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ عن محمد بن إسماعيل عن نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن أشعث عن الشعبي عن مسروق قال : بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما وقال : لا تنكحها أبدا وجعل صداقها في بيت المال ، وفشا ذلك في الناس فبلغ عليا فقال : يرحم الله أمير المؤمنين ، ما بال الصداق وبيت المال ، إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة . قيل : فما تقول أنت فيهما ؟ فقال : لها الصداق بما استحل من فرجها ، ويفرق بينهما ولا جلد عليهما ، وتكمل عدتها من الأول ، ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء . فبلغ عمر فخطب الناس فقال : أيها الناس ، ردوا الجهالات إلى السنة . قال الكيا الطبري : ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحها وهي في عدة من غيره أن النكاح فاسد . وفي اتفاق عمر وعلي على نفي الحد عنهما ما يدل على أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد ، إلا أنه مع الجهل بالتحريم متفق عليه ، ومع العلم به مختلف فيه . واختلفوا هل تعتد منهما جميعا . وهذه مسألة العدتين وهي :

السابعة : فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من الأول ، وتستأنف عدة أخرى من الآخر ، وهو قول الليث والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق . وروي عن علي كما ذكرنا ، وعن عمر على ما يأتي . وروى محمد بن القاسم وابن وهب عن مالك : إن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرق بينه وبينها ، سواء كانت بالحمل أو بالإقراء أو بالشهور ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة . وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه ، فدل على أنها في عدة من الثاني ، ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه . أجاب الأولون فقالوا : هذا غير لازم لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني ؛ وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين ، لا يدخل أحدهما في صاحبه . وخرج مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة{[2193]} ضربات وفرق بينهما ؛ ثم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الزوج الأول ، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب ، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ، ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبدا . قال مالك{[2194]} : وقال سعيد بن المسيب : ولها مهرها بما استحل من فرجها . قال أبو عمر : وأما طليحة هذه فهي طليحة ، بنت عبيدالله أخت طلحة بن عبيدالله التيمي ، وفي بعض نسخ الموطأ من رواية يحيى : طليحة الأسدية وذلك خطأ وجهل ، ولا أعلم أحدا قاله .

الثامنة : قوله ( فضربها عمر بالمِخْفَقَة وضرب زوجها ضربات ) يريد على وجه العقوبة لما ارتكباه من المحظور وهو النكاح في العدة . وقال الزهري : فلا أدري كم بلغ ذلك الجلد . قال : وجلد عبدالملك في ذلك كل واحد منهما أربعين جلدة . قال : فسئل عن ذلك قبيصة بن ذؤيب فقال : لو كنتم خففتم فجلدتم عشرين ، وقال ابن حبيب في التي تتزوج في العدة فيمسها الرجل أو يقبل أو يباشر أو يغمز أو ينظر على وجه اللذة أن على الزوجين العقوبة وعلى الولي وعلى الشهود ومن علم منهم أنها في عدة ، ومن جهل منهم ذلك فلا عقوبة عليه . وقال ابن المواز : يجلد الزوجان الحد إن كانا تعمدا ذلك ؛ فيحمل قول ابن حبيب على من علم بالعدة ، ولعله جهل التحريم ولم يتعمد ارتكاب المحظور فذلك الذي يعاقب ، وعلى ذلك كان ضرب عمر المرأة وزوجها بالمخفقة ضربات . وتكون العقوبة والأدب في ذلك بحسب حال المعاقب . ويحمل قول ابن المواز على أنهما علما التحريم واقتحما ارتكاب المحظور جرأة وإقداما . وقد قال الشيخ أبو القاسم : إنهما روايتان في التعمد : إحداهما : يحد ، والثانية : يعاقب ولا يحد .

التاسعة : قوله تعالى : " واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه " هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه .


[2187]:- نفقت الأيم: إذا كثر خطابها ورغب فيها.
[2188]:- الكثب بضم ففتح: جمع كثبة، وهي كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك. والعس (بضم العين): القدح الضخم، يريد أن الرجل يجيء بعلة الخطبة وهو يريد القرى. قال ابن الأعرابي: يقال للرجل إذا جاء يطلب القرى بعلة الخطبة: إنه ليخطب كثبة. (عن اللسان).
[2189]:- في جـ: السر.
[2190]:- في ب وهـ: طمحانها.
[2191]:- في ب: يتعرض.
[2192]:- راجع جـ5 ص 311 و ص 123 و ص 373.
[2193]:- المخفقة: الدرة.
[2194]:- زيادة عن الموطأ.