التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} (2)

جملة { يوم ترونها تذهل } الخ . . . بيان لجملة { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } [ الحج : 1 ] لأن ما ذكر في هذه الجملة يبيّن معنى كونها شيئاً عظيماً وهو أنه عظيم في الشرّ والرعب .

ويتعلق { يوم ترونها } بفعل { تذهل . } وتقديمُه على عامله للاهتمام بالتوقيت بذلك اليوم وتوقع رؤيته لكل مخاطب من الناس . وأصل نظم الجملة : تذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم تَرون زَلزلة الساعة . فالخطاب لكلّ من تتأتّى منه رُؤية تلك الزَلزلة بالإمكان .

وضمير النصب في { ترونها } يجوز أن يعود على { زلزلة } [ الحج : 1 ] وأطلقت الرؤية على إدراكها الواضح الذي هو كرؤية المرئيات لأنّ الزلزلة تُسمع ولا ترى . ويجوز أن يعود إلى الساعة .

ورؤيتُها : رؤيةُ ما يحدث فيها من المرئيات من حضور الناس للحشر وما يتبعه ومشاهدة أهوال العذاب . وقرينة ذلك قوله { تذهل كل مرضعة } الخ .

والذهول : نسيان ما من شأنه أن لا يُنسى لوجود مقتضى تذكره ؛ إما لأنه حاضر أو لأن علمه جديد وإنما ينسى لشاغل عظيم عنه ، فذكر لفظ الذهول هنا دون النسيان لأنه أدل على شدّة التشاغل . قاله شيخنا الجدّ الوزير قال : وشفقة الأم على الابن أشد من شفقة الأب ، فشفقتها على الرضيع أشد من شفقتها على غيره . وكلّ ذلك يدل بدلالة الأوْلى على ذهول غيرها من النساء والرجال . وقد حصل من هذه الكناية دلالة على جميع لوازم شدّة الهول وليس يلزم في الكناية أن يصرح بجميع اللوازم لأن دلالة الكناية عقليّة وليست لفظية .

والتحقت هاء التأنيث بوصف { مرضعة } للدلالة على تقريب الوصف من معنى الفعل ، فإن الفعل الذي لا يوصف بحدثه غير المرأة تَلحقه علامة التأنيث ليفاد بهذا التقريب أنها في حالة التلبّس بالإرضاع ، كما يقال : هي ترضع . . ولولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يقال : كلّ مرضع ، لأن هذا الوصف من خصائص الأنثى فلا يحتاج معه إلى الهاء التي أصل وضعها للفرق بين المؤنث والمذكر خيفة اللبس . وهذا من دقائق مسائل نحاة الكوفة وقد تلقاها الجميع بالقبول ونظمها ابن مالك في أرجوزته « الكافية » بقوله :

وما من الصفات بالأنثى يخص *** عن تاء استغنى لأنّ اللفظ نص

وحيث معنى الفعل تنوي التاء زد *** كذي غدت مُرضعة طِفلاً وُلِد

والمراد : أن ذلك يحصل لكلّ مرضعة موجودة في آخر أيام الدنيا . فالمعنى الحقيقي مراد ، فلم يقتض أن يكون الإرضاع واقعاً ، فأطلق ذهول المرضع وذات الحمل وأريد ذهول كل ذي علق نفيس عن عِلقه على طريقة الكناية .

وزيادة كلمة ( كلّ ) للدلالة على أن هذا الذهول يعتري كل مرضع وليس هو لبعض المراضع باحتمال ضعف في ذاكرتها . ثمّ تقتضي هذه الكناية كناية عن تعميم هذا الهول لكل الناس لأن خصوصية هذا المعنى بهذا المقام أنه أظهر في تصوير حالة الفزع والهلع بحيث يذهل فيه من هو في حال شدّة التيقظ لوفرة دواعي اليقظة .

وذلك أن المرأة لشدّة شفقتها كثيرة الاستحضار لما تشفق عليه ، وأن المرضع أشد النساء شفقة على رضيعها ، وأنها في حال ملابسة الإرضاع أبعد شيء عن الذهول فإذا ذهلت عن رضيعها في هذه الأحوال دلّ ذلك على أن الهول العارض لها هول خارق للعادة . وهذا من بديع الكناية عن شدة ذلك الهول لأن استلزام ذهول المرضع عن رضيعها لشدّة الهول يستلزم شدّة الهول لغيرها بطريق الأوْلى ، فهو لزوم بدرجة ثانية ، وهذا النوع من الكناية يسمى الإيماء .

و ( مَا ) في { عما أرضعت } موصولة ما صْدقُها الطفل الرضيع . والعائد محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل ، وحذفُ مثله كثير .

والإتيان بالموصول وصلته في تعريف المذهول عنه دون أن يقول عن ابنها للدلالة على أنها تذهل عن شيء هو نصب عينها وهي في عمل متعلّق به وهو الإرضاع زيادة في التكني عن شدة الهول .

وقوله { وتضع كل ذات حمل حملها } هو كناية أيضاً كقوله { تذهل كل مرضعة عما أرضعت } . ووضع الحمل لا يكون إلا لشدة اضطراب نفس الحامل من فرط الفزع والخوف لأنّ الحمل في قرار مكين .

والحمل : مصدر بمعنى المفعول ، بقرينة تعلقه بفعل { تضعُ } أي تضع جنينها .

والتعبير ب { ذات حمل } دون التعبير : بحامل ، لأنه الجاري في الاستعمال في الأكثر . فلا يقال : امرأة حامل ، بل يقال : ذات حمل قال تعالى : { وأُولاتُ الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } [ الطلاق : 4 ] ، مع ما في هذه الإضافة من التنبيه على شدة اتصال الحمل بالحامل فيدل على أن وضعها إياه لسبب مفظع .

والقول في حمله على الحقيقة أو على معنى الكناية كالقول في { تذهل كل مرضعة عما أرضعت } .

والخطاب في { ترى الناس } لغير معيّن ، وهو كل من تتأتى منه الرؤية من الناس ، فهو مساو في المعنى للخطاب الذي في قوله { يوم ترونها } ، وإنما أوثر الإفرادُ هنا للتفنن كراهية إعادة الجمع . وعدل عن فعل المضي إلى المضارع في قوله { وترى } لاستحضار الحالة والتعجيب منها كقوله { فتثير سحاباً } [ الروم : 48 ] وقوله { ويصنع الفلك } [ هود : 38 ] .

وقرأ الجمهور { سُكارى } بضم السين المهملة وبألف بعد الكاف . ووصف الناس بذلك على طريقة التشبيه البليغ . وقوله بعده { وما هم بسكارى } قرينة على قصد التشبيه وليبنى عليه قوله بعده { ولكن عذاب الله شديد } .

وقرأه حمزة والكسائي { سَكرى } بوزن عَطشى في الموضعين . وسُكارى وسَكرى جمع سكران . وهو الذي اختل شعور عقله من أثر شرب الخمر ، وقياس جمعه سكارى . وأما سَكرَى فهو محمول على نَوْكى لما في السكر من اضطراب العقل . وله نظير وهو جمع كسلان على كُسالى وكَسلى .

وجملة { وما هم بسكارى } في موضع الحال من الناس .

و { عذاب الله } صادق بعذابه في الدنيا وهو عذاب الفزع والوجَع ، وعذاب الرعب في الآخرة بالإحساس بلفح النار وزبْن ملائكة العذاب .

وجملة { وما هم بسكارى } في موضع الحال من النّاس .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ} (2)

قوله تعالى : " يوم ترونها " الهاء في " ترونها " عائدة عند الجمهور على الزلزلة ، ويقوي هذا قوله عز وجل : " تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها " والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا . وقالت فرقة : الزلزلة في يوم القيامة ، واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه ، وفيه : ( أتدرون أي يوم ذلك . . . ) الحديث . وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري .

قوله : " تذهل " أي تشتغل ، قاله قطرب . وأنشد :

ضرباً{[11401]} يُزِيلُ الهام عن مَقِيلِه *** ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليله

وقيل : تنسى . وقيل : تلهو ، وقيل : تسلو ، والمعنى متقارب . " عما أرضعت " قال المبرد : " ما " بمعنى المصدر ، أي تذهل عن الإرضاع . قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا ؛ إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع . إلا أن يقال : ما ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول . ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك . ويقال : هذا كما قال الله عز وجل : " يوما يجعل الولدان شيبا " {[11402]}[ المزمل : 17 ] . وقيل : تكون مع النفخة الأولى . وقيل : تكون مع قيام الساعة ، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية . ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة ، كما قال تعالى : " مستهم البأساء والضراء وزلزلوا " {[11403]} [ البقرة : 214 ] . وكما قال عليه السلام : ( اللهم اهزمهم وزلزلهم ) . وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح . وتسمية الزلزلة ب " شيء " إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها ، فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة ، إذ اليقين يشبه الموجدات . وإما على المآل ؛ أي : هي إذا وقعت شيء عظيم . وكأنه لم يطلق الاسم الآن ، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شيء عظيم ، ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس ، كما قال :

قوله تعالى : " وترى الناس سكارى " أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع . " وما هم بسكارى " من الخمر . وقال أهل المعاني : وترى الناس كأنهم سكارى . يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله " وترى الناس " بضم التاء ، أي تظن ويخيل إليك . وقرأ حمزة والكسائي " سكرى " بغير ألف . الباقون " سكارى " وهما لغتان لجمع سكران ، مثل كسلى وكسالى . والزلزلة : التحريك العنيف . والذهول . الغفلة عن الشيء بطروء{[11404]} ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره . قال ابن زيد : المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها .


[11401]:في الأصول: !بضرب! والتصويب عن سيرة ابن هشام. وقبله: نحن قتلناكم على تأويله *** كما قتلناكم على تنزيله. والرجز لعبد الله بن رواحة، ارتجزه وهو يقود ناقة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في عمرة القضاء. (راجع سيرة ابن هشام).
[11402]:راجع ج 19 ص 47.
[11403]:راجع ج 3 ص 33 فما بعد.
[11404]:في الأصول: "بطريان"