أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النحل غير ثلاث آيات في آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية .

بسم الله الرحمان الرحيم

{أتى أمر الله فلا تستعجلوه} كانوا يستعجلون ما أو عدهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قيام الساعة ، أو إهلاك الله تعالى إياهم كما فعل يوم بدر استهزاء وتكذيبا ، ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت ، والمعنى أن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع ، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه . { سبحانه تعالى عما يشركون } تبرأ وجل عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم . وقرأ حمزة و الكسائي بالتاء على وفق قوله : { فلا تستعجلوه } والباقون بالياء على تلوين الخطاب ، أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم ، لما روي أنه لما نزلت أتى أمر الله فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت { فلا تستعجلوه } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النحل

وتسمى كما أخرج ابن أبي حاتم سورة النعم قال ابن الفرس : لما عدد الله تعالى فيها هن النعم على عباده وأطلق جمع القول بأنها مكية وأخرج ذلك ابن مردوية عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم وأخرج النحاس من طريق مجاهد عن الحبر أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أحد وفي رواية عنه أنه كلها مكية إلا قوله تعالى : ( ولا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ) إلى قوله سبحانه : ( بأحسن ما كانوا يعملون ) وروي أمية الأزدي

عن جابر بن زيد أن أربعين آية منها نزلت بمكة وبقيتها نزلت بالمدينة وهي مائة وثمان وعشرون آية قال الطبرسي وغيره : بلا خلاف والذي ذكره الدائي في كتاب العدد أنها تسعون وثلاث وقيل أربع وقيل خمس في سائر المصاحف وتحتوي على المنسوخ قيل على أربع آيات بإجماع وعلى آية واحدة على مختلف فيها وسيظهر لك حقيقة الأمر في ذلك إن شاء الله تعالى ، ولما ذكر في آخر السورة السابقة ، المستهزءون المكذبون له صلى الله عليه وسلم ابتدئ هنا بعد قوله تعالى :

{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } بقوله عز وجل : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } المناسب لذلك على ما ذكر غير واحد في معناه وسبب نزوله . وفي «البحر » في بيان وجه الارتباط أنه تعالى لما قال : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 92 ] كان ذلك تنبيهاً على حشرهم يوم القيامة وسؤلهم عما فعلوه في الدنيا فقيل : { أتى أَمْرُ الله } فإن المراد به على قول الجمهور يوم القيامة ، وذكر الجلال السيوطي أن آخر الحجر شديدة الالتئام بأول هذه فإن قوله سبحانه : { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } [ الحجر : 99 ] الذي هو مفسر بالموت ظاهر المناسبة بقوله سبحانه هنا : { أتى أَمْرُ الله } وانظر كيف جاء في المتقدمة { يَأْتِيَكَ } بلفظ المضارع وفي المتأخرة { أتى } بلفظ الماضي لأن المستقبل سابق على الماضي كما تقرر في محله ، والأمر واحد الأمور وتفسيره بيوم القيامة كما قال في «البحر » وفسر بما يعمه وغيره من نزول العذاب الموعود للكفرة ، وعن ابن جريج تفسيره بنزول العذاب فقط فقال : المراد بالأمر هنا ما وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من النصر والظفر على الأعداء والانتقام منهم بالقتل والسبي ونهب الأموال والاستيلاء على المنازل والديار ، وأخرج ابن جرير . وغيره عن الضحاك أن المراد به الأحكام والحدود والقرائض ، وكأنه حمله على ما هو أحد الأوامر وفيما ذكره بعد إذ لم ينقل عن أحد أنه استعجل فرائض الله تعالى وحدوده سبحانه ، والتعبير عن ذلك بأمر الله للتهويل والتفخيم ، وفيه إيذان بأن تحققه في نفسه وإتيانه منوط بحكمه تعالى النافذ وقضائه الغالب ، وإتيانه عبارة عن دنوه واقترابه على طريقة نظم المتوقع في سلك الواقع ، وجوز أن يكون المراد إتيان مباديه فالماضي باق على حقيقته ، ولعل ما أخرجه ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الأمر بخروج النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد لما ذكر وبعضهم أبقى الفعل على معناه الحقيقي وزعم أن المعنى أتى أمر الله وعداً فلا تستعجلوه وقوعاً وهو كما ترى ، وظاهر صنيع الكثير يشعر باختيار أن الماضي بمعنى المضارع على طريق الاستعارة بتشبيه المستقبل المتحقق بالماضي في تحقق الوقوع والقرينة عليه قوله سبحانه( {[519]} ) فإنه لو وقع ما استعجل . وهو الذي يميل إليه القلب ، والضمير المنصوب في { تَسْتَعْجِلُوهُ } على ما هو الظاهر عائد على الأمر لأنه هو المحدث عنه ، وقيل : يعود على الله سبحانه أي فلا تستعجلوا الله تعالى بالعذاب أو بإتيان يوم القيامة كقوله تعالى : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } [ الحج : 47 ] وهو خلاف الظاهر ، لكن قيل : إن ذلك أوفق بما بعد ، والخطاب للكفرة خاصة ويدل عليه قراءة ابن جبير { فَلا } على صيغة نهي الغائب ، واستعجالهم وإن كان بطريق الاستهزاء لكنه حمل على الحقيقة ونهوا بضرب من التهكم لا مع المؤمنين سواء أريد بأمر الله تعالى ما قدمنا أو العذاب الموعود للكفرة خاصة ، أما الأول : فلأنه لا يتصور من المؤمنين استعجال الساعة أو ما يعمها من العذاب حتى يعمهم النهي عنه ، وأما الثاني : فلأن الاستعجال من المؤمنين حقيقة ومن الكفرة استهزاء فلا ينظمها صيغة واحدة والالتجاء إلى إرادة معنى مجازي يعمهما معاً غير أن يكون هناك نكتة سرية تعسف لا يليق بشأن التنزيل .

وادعى بعضهم عموم الخطاب واستدل بما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزل قوله تعالى : { اقتربت الساعة } [ القمر : 1 ] قال الكفار فيما بينهم : أن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى تنظروا ما هو كائن ، فلما تأخرت قالوا : ما نرى شيئاً فنزلت { اقتربت لِلنَّاسِ حسابهم } [ الأنبياء : 1 ] فأشفقوا وانتظروا قربها فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت { أتى أَمْرُ الله } فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع الناس رؤسهم فلما نزل { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } اطمأنوا ثم قال صلى الله عليه وسلم : «بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه إن كادت لتسبقني » ولا دلالة فيه على ذلك لأن مناط اطمأنانهم إنما هو وقوفهم على أن المراد بالإتيان هو الإتيان الإدعائي لا الحقيقي الموجب لاستحالة الاستعجال المستلزمة لامتناع النهي عنه لما أن النهي عن الشيء يقتضي إمكانه في الجملة ، ومدار ذلك الوقوف إنما هو النهي عن الاستعجال المستلزم لإمكانه المقتضي عدم وقوع المستحيل بعد ، ولا يختلف ذلك باختلاف المستعجل كائناً من كان بل فيه دلالة واضحة على عدم العموم لأن المراد بأمر الله إنما هو الساعة وصدور استعجالها عن المؤمنين مستحيل . نعم يجوز تخصيص الخطاب بهم على تقدير كون أمر الله تعالى العذاب الموعود للكفرة خاصة ، لكن الذي يقضي به الإعجاز التنزيلي أنه خاص بالكفرة كذا قاله أبو السعود .

وبحث فيه من وجوه ، أما أولاً : فلأن الذي لا يتصور من المؤمنين الاستعجال بمعنى طلب الوقوع عاجلاً لاعده عاجلاً وسياق ما روى يدل على الأخير ، فإنه لما سمعوا صدر الكلام حملوه على الظاهر فاضطربوا فقيل لهم : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } أي لا تعدوه عاجلاً ، على أن عدم تصور المعنى الأول أيضاً منهم في حيز المنع لجواز أن يستعجلوه لتشفي صدورهم وإذهاب غيظ قلوبهم والاستهزاء بهم والضحك منهم ، وأما ثانياً : فلأن الجمع بين الحقيقة والمجاز لعله مذهب ذلك القائل ، وأما ثالثاً : فلأن القول بكون القراءة على صيغة نهي الغائب دالة على أن الخطاب مخصوص بالكفرة ممنوع والسند ظاهر ، وأما رابعاً : فلأن نفي دلالة ما روي على العموم الخطاب غير موجه لعموم لفظ الناس ، وأما خامساً : فلأن قوله : بل فيه دلالة واضحة على عدم العموم لأن المراد بأمر الله تعالى إنما هو الساعة إلى آخره ، يرد عليه أنه لا دلالة فيه أصلاً على عدم العموم فضلاً أن تكون واضحة ، وقد عرفت ما في قوله : وقد عرفت وأما سادساً : فلأن حصره المراد بالأمر في الساعة مخالف لما ذكره في تفسير قوله : { أتى أَمْرُ الله } حيث قال : أي الساعة( {[520]} ) أو ما يعمها وغيرها من العذاب فبعد هذا التصريح كيف يدعي ذلك الحصر ؟ وفي بعض الأبحاث نظر .

وقال بعض الفضلاء : قد يقال : إن المراد بالناس في الخبر المؤمنون لما في خبر آخر أخرجه ابن مردويه عن الحبر قال : «لما نزلت { أتى أَمْرُ الله } ذعر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } فسكنوا » . وهذا أيضاً على ما قيل لا يقتضي كون الخطاب للمؤمنين لجواز أن يقال : إنهم لما سمعوا أول الآية ذعروا واضطربوا لظن أنه وقع فلما سمعوا خطاب الكفرة بقوله سبحانه : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } اطمأنت قلوبهم وسكنوا ، وقد يورد على دعوى أن صدور استعجال الساعة من المؤمنين مستحيل أن ذلك حق لو كان استعجالهم على طرز استعجال الكفرة لها وليس ذلك بمسلم فإنه يجوز أن يراد باستعجالهم اضطرابهم وتهيؤهم لها المنزل منزلة الاستعجال الحقيقي ، واستدل على كون الخذاب للكفرة بقوله سبحانه وتعالى : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } فإنه على ذلك التقدير يظهر ارتباطه بما قبله وذلك بأن يقال حينئذ : لما كان استعجالهم ذلك من من نتائج إشراكهم المستتبع لنسبة الله تعالى إلى ما لا يليق به سبحانه من العجز والاحتياج إلى الغير واعتقادهم أن أحداً يحجزه عن إمضاء وعيده أو انجاز وعده قيل بطريق الاستئناف ذلك على معنى تنزه وتقدس بذاته وجل عن إشراكهم المؤدي إلى صدور أمثال هذه الأباطيل عنهم أو عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم بوجه من الوجوه وقد كانوا يقولون على ما في بعض الروايات : إن صح مجيء ذلك فالأصنام تخلصنا عنه بشفاعتها لنا ، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد إشراكهم واستمراره والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم للإعراض عنهم وطرحهم عن رتبة الخطاب وحكاية شنائعهم للغير وهذا لا يتأتى على تقدير تخصيص الخطاب بالمؤمنين وقيل في وجه الارتباط على ذلك التقدير : أنه تعالى لما نهاهم عن الاستعجال ذكر ما يتضمن أن إنذاره سبحانه وإخباره تعالى للتخويف والإرشاد وأن قوله جل وعلا : { أتى أَمْرُ الله } إنما هو لذلك فيستعد كل أحد لمعاده ويشتغل قبل السفر بتهيئة زاده فلذلك عقب بذلك دون عطف ، وقد أشار بعضهم إلى ارتباط ذلك باعتباره ما بعده فيكون ما ذكر مقدمة واستفتاحاً له ، وأيضاً فإن قوله تعالى : { أتى أَمْرُ الله } تنبيه وإيقاظ لما يرد بعده من أدلة التوحيد اه ، وأنت تعلم أن الارتباط على ما قرر أولاً أظهر منه على هذا التقرير فافهم ، ثم إن { مَا } تحتمل الموصولية والمصدرية والاحتمال الثاني أظهر ، ولا بد على الاحتمال الأول من اعتبار ما أشرنا إليه وإلا فلا يظهر التنزيه عن الشريك .

وقرأ حمزة . والكسائي { تُشْرِكُونَ } بتاء الخطاب على وفق { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } وقرأ باقي السبعة . والأعرج . وأبو جعفر . وأبو رجاء . والحسن . بياء الغيبة ، وقد تقدم أن في الكلام حينئذ التفاتاً وهو مبني على أن الخطاب السابق للكفرة أما إذا كان للمؤمنين أو لهم وللكفرة فلا يتحد معنى الضميرين حتى يكون التفات ولا التفات أيضاً على قراءة { تُشْرِكُونَ } بالتاء سواء كان الخطاب الأول للكفرة أو لهم وللمؤمنين . نعم في ذلك على قدير عموم الخطاب تغليبان على ماقيل الأول تغليب المؤمنين على غيرهم ف يالخطاب والثاني تغليب غيرهم عليهم في نسبة الشرك ، وعلى قراءة { يستعجلوه ، ويشركون } بالتحتية فيهما لا التفات ولا تغليب .

( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { أتى أَمْرُ الله } وهو القيامة الكبرى التي يرتفع فيها حجب التعينات ويضمحل السوى ، ولما كان صلى الله عليه وسلم مشاهداً لذلك في عين الجمع قال { أتى } ولما كان ظهورها على التفصيل بحيث تظهر للكل لا يكون إلا بعد حين قال : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } لأن هذا ليس وقت ظهوره ، ثم أكد شهوده لوجه الله تعالى وفناء الخلق في القيامة بقوله : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النحل : 1 ] بإثبات وجود الغير .


[519]:- قوله والقرينة عليه قوله سبحانه الخ كذا يخطه ولعله سقط مه (فلا تستعجلوه) مقول القول بدليل ما ذكره من التعليل اهـ.
[520]:- قال تعالى: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) اهـ منه.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه .

أما بعد : فقد سبق لي –بحمد الله وتوفيقه- أن قمت بتفسير سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ، وإبراهيم ، والحجر .

وهأنذا أقدم للقارئ الكريم تفسير سورة " النحل " ، وقد حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وإرشادات حكيمة ، ومجادلات بالتي هي أحسن .

وقد مهدت لتفسيرها بكلمة ، بينت فيها زمان نزولها ، وعدد آياتها . وسبب تسميتها بهذا الاسم ، والمقاصد الإجمالية التي اشتملت عليها .

والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، ونافعا لعباده ، وشفيعا لنا يوم نلقاه –سبحانه- .

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

المؤلف

د . محمد سيد طنطاوي

تعريف بسورة النحل

1- سورة النحل هي السورة السادسة عشرة في ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سور : الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ، وإبراهيم ، والحجر .

أما في ترتيب النزول ، فكان ترتيبها التاسعة والستين ، وكان نزولها بعد سورة الكهف( {[1]} ) .

2- وعدد آياتها ثمان وعشرون ومائة آية .

3- وسميت بسور النحل ، لقوله –تعالى- فيها [ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا . . . ]( {[2]} ) .

وتسمى –أيضا- بسورة النعم ، لأن الله –تعالى- عدد فيها أنواعا من النعم التي أنعم بها على عباده .

4- وسورة النحل من السور المكية : أي التي كان نزولها قبل الهجرة النبوية الشريفة .

قال القرطبي : " وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده . وقيل : هي مكية إلا قوله –تعالى- [ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . . ] الآية . نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد . . " ( {[3]} ) .

وقال الآلوسي : وأطلق جمع القول بأنها مكية ، وأخرج ذلك ابن مردويه عن ابن عباس ، وابن الزبير –رضي الله عنهم- وأخرجه النحاس من طريق مجاهد عن الحبر أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها ، فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف النبي –صلى الله عليه وسلم- من غزوة أحد( {[4]} ) .

والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة النحل كلها مكية ، وذلك لأن الروايات التي ذكروها في سبب نزول قوله –تعالى- ، [ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . . ] إلخ السورة . فيها مقال . فقد ذكر الإمام ابن كثير عند سردها ، أن بعضها مرسل وفيه مبهم ، وبعضها في إسناده ضعف . . ( {[5]} ) .

5- ( أ ) وإذا ما قرأنا سورة النحل بتدبر وتفكر ، نراها في مطلعها تؤكد أن يوم القيامة حق ، وأنه آت لا ريب فيه ، وأن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله الخالق لكل شيء .

قال –تعالى- : [ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ، أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ] .

( ب ) ثم تسوق ألوانا من الأدلة على وحدانية الله وقدرته ، عن طريق خلق السموات والأرض وخلق الإنسان والحيوان ، وعن طريق إنزال الماء من السماء ، وتسخير الليل والنهار ، والشمس والقمر والنجوم . . وغير ذلك من النعم التي لا تحصى .

استمع إلى بعض هذه الآيات التي تحكي جانبا من هذه النعم فتقول : [ خلق السموات والأرض بالحق ، تعالى عما يشركون . خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين . والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع تأكلون . ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون . وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم ] .

ثم تقول : [ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون . وعلامات وبالنجم هم يهتدون . أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون . وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الله لغفور رحيم ] .

( ج ) وبعد أن توبخ السورة المشركين لتسويتهم بين من يخلق ومن لا يخلق تحكي جانبا من أقاويلهم الباطلة التي وصفوا بها القرآن الكريم ، وتصور استسلامهم لقضاء الله العادل فيهم يوم الحساب ، فتقول : [ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا : أساطير الأولين . ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ، ألا ساء ما يزرون ] .

إلى أن تقول : [ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ، بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون . فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين ] .

( د ) وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترهيب بالترغيب ، وفي عقده المقارنات بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين ، جاءت الآيات بعد ذلك لتبشير المتقين بحسن العاقبة .

جاء قوله –تعالى- : [ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ، ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ] .

( ه ) ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى حكاية أقوال المشركين حول مسألتين من أخطر المسائل ، وهما مسألة الهداية والإضلال ، ومسألة البعث بعد الموت بعد أن حكت ما قالوه في شأن القرآن الكريم .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكي أقوالهم ثم يرد عليها بما يبطلها فيقول : [ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ماعبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ، كذلك فعل الذين من قبلهم ، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين . ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة ، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ، وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ليبين لهم الذين يختلفون فيه ، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ] .

( و ) ثم تهدد السورة الكريمة أولئك الجاحدين لنعم الله ، الماكرين للسيئات ، بأسلوب يستثير النفوس ويبعث الرعب في القلوب ، وتدعوهم إلى التأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض ، لعل هذا التفكر يكون سببا في هدايتهم ، وتخبرهم بأن الله –تعالى- هو الذي نهاهم عن الشرك ، وهو الذي أمرهم بإخلاص العبادة له .

استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البديع فيقول : [ أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض ، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون . أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين . أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم . أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجلا لله وهم داخرون . ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون . يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون . وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ] .

( ز ) ثم انتقلت السورة إلى سرد أنواع من جهالات المشركين ، ومن سوء تفكيرهم ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويشكروا الله –تعالى- على توفيقه إياهم على الدخول في الإسلام .

لقد ذكرت السورة الكريمة ألوانا متعددة من جهالات الكافرين ، ومن ذلك قوله –تعالى- : [ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ، تالله لتسألن عما كنتم تفترون . ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ] .

[ ويجعلون لله ما يكرهون ، وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ] .

( ح ) هكذا تصور سورة النحل ما كان عليه المشركون من غباء وغفلة وسوء تفكير ، ثم تعود –سورة النعم- مرة أخرى إلى الحديث عن نعم الله –تعالى- على عباده ، فتتحدث عن نعمة الكتاب ، وعن نعمة الماء . وعن نعمة الأنعام ، وعن نعمة الثمار والفواكه ، وعن نعمة العسل المتخذ من بطون النحل وعن نعمة التفاضل في الأرزاق ، وعن نعمة الأزواج والبنين والحفدة .

قال –تعالى- : [ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون . وإن لكم في الأنعام لعبرة ، نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ] .

إلى أن يقول –سبحانه- : [ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات ، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ] .

( ط ) ثم تسوق السورة الكريمة مثلين مشتملين على الفرق الشاسع ، بين المؤمن والكافر ، وبين الإله الحق والآلهة الباطلة ، فتقول : " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ، هل يستوون ؟ الحمد لله ، بل أكثرهم لا يعلمون ، وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ، وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ] .

( ي ) وبعد إيراد هذين المثلين البليغين ، تعود سورة النعم إلى الحديث عن أنواع أخرى من نعم الله على خلقه ، لكي يشكروه عليها ، ويستعملوها فيما خلقت له فتتحدث عن نعمة إخراج الإنسان من بطن أمه ، وعن نعمة البيوت التي هي محل سكن الإنسان ، وعن نعمة الظلال ، وعن نعمة الجبال ، وعن نعمة الثياب .

قال –تعالى- : [ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ] . [ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ، أثاثاً ومتاعا إلى حين . والله جعل لكم مما خلق ظلالا ، وجعل لكم من الجبال أكناناً ، وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ] .

( ك ) ثم بعد أن تصور السورة الكريمة أحوال المشركين يوم القيامة عندما يرون العذاب ، وتحكي ما يقولون عندما يرون شركاءهم ، وتقرر أن الله يبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وأن الرسول –صلى الله عليه وسلم- سيكون شهيدا على من بعث إليهم .

بعد كل ذلك تسوق السورة عددا من الآيات الآمرة بمكارم الأخلاق والناهية عن منكراتها فتقول : [ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلكم تذكرون . وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ، إن الله يعلم ما تفعلون ] .

( ل ) وبعد هذه التوجيهات السامية المشتملة على الترغيب والترهيب ، وعلى الأوامر والنواهي . تتحدث آيات السورة عن آداب تلاوة القرآن وعن الشبهات التي أثارها المشركون حوله مع الرد عليها بما يدحضها ، وعن حكم من تلفظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، فتقول : [ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ] .

ثم تقول : [ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ] .

ثم تقول : [ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ] .

( م ) ثم تعود السورة الكريمة لضرب الأمثال ، فتسوق مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم بالنعم فلم يقابلوها بالشكر ، فانتقم الله –تعالى- منهم . كما تسوق جانبا من حياة سيدنا إبراهيم كمثال للشاكرين الذين استعملوا نعم الله فيما خلقت له .

استمع إلى قوله –تعالى- : [ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ] .

ثم إلى قوله –تعالى- : [ إن إبراهيم كان أمة قانتا حنيفا ولم يك من المشركين . شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين . ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ] .

( ن ) وأخيرا تختتم السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة لأحكم الأساليب وأكملها وأجملها وأنجعها في الدعوة إلى الله –تعالى- وفي معاملة الناس فتقول : [ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ، ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ] .

6- وبعد ، فهذا عرض إجمالي لأهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، ومنه نرى :

( أ ) عنايتها الفائقة بإقامة الأدلة على وحدانية الله –تعالى- وعلى صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته ، وعلى أن يوم القيامة حق ، وعلى أن القرآن من عند الله –عز وجل .

( ب ) كما نرى تفصيلها القول في بيان آلاء الله –تعالى- على خلقه ، وقد سبحت السورة في هذا الجانب سبحا عظيما ، فذكّرت الإنسان بنعمة خلقه ، وبنعمة تسخير الأنعام والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والماء ، والجبال ، والأشجار . . كل ذلك وغيره لمنفعته ومصلحته .

( ج ) كما نلمس اهتمامها بضرب الأمثال للمؤمن والكافر ، والشاكر والجاحد والإله الحق والآلهة الباطلة . . وذلك لأن في ضرب الأمثال تقريبا للبعيد وتوضيحا للخفي ، بأسلوب من شأنه أن يكون أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس وأدعى إلى التدبر والتفكر .

( د ) كما ندرك حرصها على إيراد أقوال المشركين وشبههم ! ثم الرد عليها بطريقة تقنع العقول ، وترضي العواطف ، بأن الإسلام هو الدين الحق ، وبذلك يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم .

( ه ) كما نحس –عند قراءتها- بعنايتها بتوجيه المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، وأمهات الفضائل ، كالعدل ، والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، والوفاء ، والصبر ، والشكر . . . وبنهيهم عن الرذائل كالغدر والجحود ، ونقض العهود ، والاستكبار ، والظلم .

وأخيرا فإن المتأمل في هذه السورة –أيضاً- يراها حافلة بأسلوب الترغيب والترهيب ، والتبشير والإنذار ، والوعد والوعيد .

الوعيد للكافرين بسوء المصير إذا ما لجوا في ضلالهم وطغيانهم كما في قوله –تعالى- : [ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ] .

والوعد للمؤمنين بالحياة الطيبة في الدارين ، كما في قوله –تعالى- : [ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ] .

والآن فلنبدأ في التفسير التحليلي لسورة النعم ، ونسأل الله –تعالى- أن يرزقنا التوفيق والسداد .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

افتتحت السورة الكريمة ، بتهديد الكافرين الذين كانوا ينكرون البعث ، وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب ، ويستبعدون نصر الله - تعالى - لأوليائه ، فقال - تعالى - : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } والفعل { أتى } هنا ، بمعنى قرب ودنا بدليل { فلا تستعجلوه } ، لأن المنهى عن الاستعجال يقتضى أن الأمر الذى استعجل حصوله لم يحدث بعد .

والمراد بأمر الله : ما اقتضته سنته وحكمته - سبحانه - من إثابة المؤمنين ونصرهم ، وتعذيب الكافرين ودحرهم .

والفاء فى قوله { فلا تستعجلوه } للتفريع . والاستعجال : طلب حصول الشئ قبل وقته . والضمير المنصوب فى { تستعجلوه } يعود على { أمر الله } ، لأنه هو المتحدث عنه ، أو على { الله } - تعالى - ، فلا تستعجلوا الله فيما قضاه وقدره .

والمعنى : قرب ودنا مجئ أمر الله - تعالى - وهو إكرام المؤمنين بالنصر والثواب ، وإهانة الكافرين بالخسران والعقاب ، فلا تستعجلوا - أيها المشركون - هذا الأمر ، فإنه آت لا ريب فيه ، ولكن فى الوقت الذى يحدده الله تعالى - ويشاؤه .

وعبر عن قرب إتيان أمر الله - تعالى - بالفعل الماضى { أتى } للإِشعار بتحقق هذا الإِتيان ، وللتنويه بصدق المخبر به ، حتى لكأن ما هو واقع عن قريب ، قد صار فى حكم الواقع فعلا . وفى إبهام أمر الله ، إشارة إلى تهويله وتعظيمه ، لإِضافته إلى من لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء .

قوله { فلا تستعجلوه } زيادة فى الإِنذار والتهديد ، أى : فلا جدوى من استعجالكم ، فإنه نازل بكم سواء استعجلتم أم لم تستعجلوا .

والظاهر أن الخطاب هنا للمشركين ، لأنهم هم الذين كانوا يستعجلون قيام الساعة ، ويستعجلون نزول العذاب بهم ، وقد حكى القرآن عنهم ذلك فى آيات :

منها قوله - تعالى - : { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَي الساعة لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ } ومنها قوله - سبحانه - : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } وقال بعض العلماء : و " يجوز أن يكون الخطاب هنا شاملا للمؤمنين ، لأن عذاب الله - تعالى - وإن كان الكافرون يستعجلونه ، تهكما به ، لظنهم أنه غير آت ، فإن المؤمنين يضمرون فى نفوسهم استبطاءه ، ويحبون تعجيله للكافرين " .

وقوله : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } جملة مستأنفة ، قصد بها إبطال إشراكهم ، وزيادة توبيخهم وتهديدهم .

أى : تنزه الله - تعالى - وتعاظم بذاته وصفاته ، عن إشراك المشركين ، المؤدى بهم إلى الأقوال الفاسدة ، والأفعال السيئة ، والعاقبة الوخيمة ، والعذاب المهين . وقوله : { يشركون } : قراءة الجمهور ، وفيها التفات من الخطاب فى قوله { فلا تستعجلوه } إلى الغيبة ، تحقيرا لشأن المشركين ، وحطا من درجتهم عن رتبة الخطاب ، وحكاية لشنائعهم التى يتبرأ منها العقلاء .

وقرأ حمزة والكسائى { تشركون } تبعا لقوله - تعالى - { فلا تستعجلوه } وعلى قراءتهما لا التفات فى الآية .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.
[3]:- سورة المائدة: الآيتان 15، 16.
[4]:- سورة الجن: الآيتان 1، 2.
[5]:- سورة البقرة: الآيتان 23، 24.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية . وقيل : مكية باستثناء آيات ثلاث . وتسمى سورة النعم ؛ لما عدد الله فيها من نعمه على العباد ، كخلق الأنعام للناس ليكون لهم فيها دفء ومنافع وطعام . ولهم فيها جمال إذا راحوا أو سرحوا . ومن نعمه إنزال الماء من السماء ليكون لهم منه شراب وسوم ومختلف الزروع والثمرات . ومن نعمه عليهم أيضا تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والجبال . وفي ذلك من أصناف النعم والمنافع ما لا يحصى . إلى غير ذلك من ضروب القصص والأخبار والحقائق في الطبيعة والأحياء والمجتمع . ومن جملة ذلك : التنديد بما كانت تتلطخ به تصورات الجاهليين من إحساس مستقبح عن الأنثى ؛ إذ كانوا يتوارون من بعضهم لفرط امتعاضهم وضيقهم من ولادة الأنثى . هذا الشعور الظالم البغيض قد ندد به الإسلام واستفظعه استفظاعا .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون } ( أتى ) ، بمعنى يأتي . فقد أقام الماضي مقام المستقبل ، لتحقيق إثبات الأمر وصدقه . يعني عبّر بصيغة الماضي ليدل على التحقيق والوقوع لا محالة{[2489]} . والمراد بأمر الله : قيام الساعة ، وذلك وعيد من الله للمشركين الظالمين بأن الساعة قد اقتربت وأن عذابهم قد دنا أجله . وذلك رد على استسخارهم الحقير ؛ فقد كانوا لجهالتهم وسفاهتهم يستعجلون قيام الساعة ونزول العذاب بهم . وذلك على سبيل الاستهزاء والتكذيب . والمعنى : أنه قرب قيام الساعة وما فيها من بالغ العقاب لكم فلا تطلبوا مجيء الساعة والعذاب قبل وقتهما المكتوب .

قوله : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) ينزه الله نفسه عن الشرك والشركاء والأنداد . وما ، في قوله : ( عما ) تحتمل كونها مصدرية . والتقدير : سبحانه وتعالى عن إشراكهم . وتحتمل كونها موصولة بمعنى الذي . والتقدير : سبحانه وتعالى عن الشركاء والأضداد والأنداد ؛ فهو خالق كل شيء ، وله ملكوت كل شيء ليس له في ذلك نديد{[2490]} .


[2489]:- البيان للأنباري جـ 2 ص 74.
[2490]:- تفسير الرازي جـ19 ص 223 وتفسير النسفي جـ2 ص 280 وفتح القدير جـ3 ص 147.