تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة البينة وهي ){[1]}مدنية .

الآية1 : قوله تعالى : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة } ذكر في حق أهل الكتاب { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } بحرف { ومن } وهو للتبعيض ، ولم يقل أهل الكتاب ، وذكر في حق أهل الشرك{[23905]} والمشركين ؛ لأن أهل الكتاب كانوا فرقا :

منهم من كان آمن برسول الله /649 ب/ صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ، فلما بعث آمن به ، ولزم الإيمان .

ومنهم من كان كافرا به ، فلما بعث ، وأرسل لزم الكفر به ، ولم يؤمن .

فلما كانوا أصنافا وفرقا لذلك قال : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } بحرف { من } .

وأما المشركون فإنهم كانوا صنفا واحدا ، ثم لم يبين بأنهم إذا أتاهم البينة ينفكون أو لا .

وجائز أن يكون قوله تعالى : { لم يكن } إلى قوله { حتى تأتيهم البينة } أي لم يكن بعض أهل الكتاب وبعض المشركين منفكين من الكفرة ؛ لأنه عطف المشركين على أهل الكتاب ، بل كانوا أهل كفر وشرك إلى آخر عمرهم ، وإن أتتهم البينة .

والبينة ، هي ما ( في ){[23906]} خلقة كل أحد مما يدل على ألوهيته ووحدانيته . ويحتمل أن بعضا من الفريقين على الشرك حتى تأتيهم البينة ، وهي معاينة العذاب عند الموت ، كقوله تعالى : { فلما رأوا بأسنا } ( غافر : 84 ) ونحو ذلك .

وذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه : لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين ، وفي حرف أبي : ما كان الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين .

ثم اختلف في قوله تعالى : { منفكين } قال بعضهم : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } خارجين من الدنيا { حتى تأتيهم البينة } .

ثم اختلفوا في البينة التي ذكر أنها تأتيهم ، قال بعضهم : البينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما{[23907]} قال على إثره { رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة } ( الآية : 2 ) وقال بعضهم : ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجج .

فمن جعل قوله : { منفكين } منتهين زائلين يجعل البينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ سمي لأنه به يعرف كل خير وكل إحسان ، وبه يبين الحق والباطل ، وكل شيء من أمر المعاد والمعاش ، وكذلك القرآن ، جاء به .

ومن قال : { منفكين } خارجين من الدنيا يجعل البينة التي ذكر أنها تأتيهم العذاب معاينة جهرا ، كقوله تعالى : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } ( النساء : 159 ) أي خارجين من الدنيا حتى يعاينوا{[23908]} العذاب ، فعند ذلك يؤمنون .


[1]:- في ط ع: سمح.
[23905]:في الأصل وم: الكتاب
[23906]:من م،/ ساقطة من الأصل
[23907]:في الأصل وم: حيث
[23908]:في الأصل وم: يعلموا