{ ألم يأتكم رسل منكم } : الاستفهام للتوبيخ والرسل جمع رسول من أوحى الله تعالى إليه شرعه وأمره بإبلاغه للناس ، هذا من الإِنس أما من الجن فهم من يتلقون عن الرسل من الإِنس ويبلغون ذلك إخوانهم من الجن ، ويقال لهم النُّذُر .
{ يقصون عليكم آياتي } : يخبرونكم بما فيها من الحجج متتبعين ذلك حتى لا يتركوا شيئاً إلا بلغوكم إياه وعرفوكم به .
{ وينذركم لقاء يومكم } : أي يخوفونكم بما في يومكم هذا وهو يوم القيامة من العذاب والشقاء .
وقوله تعالى : { يا معشر الجن والإِنس } إخبار منه تعالى بأنه يوم القيامة ينادي الجن والإِنس موبخاً لهم فيقول : { ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا } أي ألم يأتكم رسل من جنسكم تفهمون عنهم ويفهمون عنكم { يقصون عليكم آياتي } أي يتلونها عليكم ويخبرونكم بما تحمله آياتي من حجج وبراهين لتؤمنوا بي وتعبدوني وحدي دون سائر مخلوقاتي ، وينذرونكم أي يخوفونكم ، لقاء يومكم هذا الذي أنتم الآن فيه وهو ويوم القيامة والعرض على الله تعالى . وما يتم فيه من جزاء على الأعمال خيرها وشرها ، وأن الكافرين هم أصحاب النار . فأجابوا قائلين : شهدنا على أنفسنا - وقد سبق أن غرتهم الحياة الدنيا فواصلوا الكفر والفسق والظلم - { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } .
ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته ، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها معاداة من ضرت معاداته ، فقال مبدلاً من الأولى{[31247]} إتماماً للتقريع والتوبيخ والتشنيع : { يا معشر الجن } قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم { والإنس } وبكتهم بقوله محذراً للسامعين الآن ومستعطفاً لهم إلى التوبة : { ألم يأتكم رسل } ولما صار القبيلان بتوجيه{[31248]} الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد قال : { منكم } وإن كان الرسل من الإنس خاصة .
ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالباً لإثبات تمام القدرة الذي هو من لوازمه بدليل { يعلم سركم وجهركم }[ الأنعام : 3 ] ، { أليس الله بأعلم بالشاكرين }[ الأنعام : 53 ] { وعنده مفاتح الغيب }[ الأنعام : 59 ] وغيرها ، ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون إلاّ للعالم ، كان القص - الذي هو تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال{[31249]} { يقصون } بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل { عليكم آياتي } أي يتبعون بالعلامات التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب{[31250]} إلى مواضع شبهكم ، فيحلونها حلاً{[31251]} مقطوعاً به { وينذرونكم } أي يخوفونكم { لقاء يومكم هذا } أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلباً حثيثاً وأنتم صائرون{[31252]} إليه في سفن الأيام ومراكب الآثام{[31253]} وأنتم لا تشعرون سيراً سريعاً { قالوا } معذرين من أنفسهم بالذل والخضوع { شهدنا } بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما فعلنا نحن من القبائح { على أنفسنا } أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا بدليل الآية الأخرى قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين{[31254]} }[ الزمر : 71 ] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا ، بحيث إنهم اغتروا بها مع دناءتها{[31255]} لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال{[31256]} : { وغرتهم } أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم { الحياة الدنيا } أي الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية{[31257]} في نفسها لفنائها ، عن اتباع الرسل دأب الجاهل في الرضى بالدون{[31258]} والدابة في القناعة بالحاضر ، فشهادتهم ضارة بهم ، ولكن لم يستطيعوا{[31259]} كتمانها ، بل { وشهدوا } أي في هذا الموطن من مواطن القيامة الطوال { على أنفسهم } أيضاً بما هو أصرح{[31260]} في الضرر عليهم من هذا ، وهو { أنهم كانوا }{[31261]} جبلة وطبعاً{[31262]} { كافرين * } أي غريقين في الكفر ، ويجوز أن يكون الغرور بأنهم ظنوا{[31263]} أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن الاعتراف{[31264]} بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب{[31265]} حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة ، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم ، وشهدوا على أنفسهم بالكفر ، فما زادهم ذلك إلا وبالاً وحزناً ونكالاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.