تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الجمعة وهي كلها مدنية

الآية 1 قوله تعالى : { يسبح لله ما في السماوات وما في لأرض } قال : { يسبح لله } ولم يقل : يسبح الله ؛ وقد جرت [ العادة ]{[21189]} في الناس التسبيح بالألف كقولهم : سبحان الله ، وسبحان ربي العظيم . فكان حق هذا القول على ما جرت به العادة في اللسان أن يقول : يسبح الله ما في السماوات وما في الأرض .

ولكنه يجوز أن يكون هذا من نوع ما يجري فيه اللفظان جميعا كما يقال : شكره ، وشكر له ، ونصحه ، ونصح له والتسبيح يحتمل أوجها ثلاثة :

أحدها : تسبيح الخلقة : أنك إذا نظرت إلى كل شيء على الإشارة إليه والتعيين دلك جوهره وخلقته على /568- أ/ وحدانية الله تعالى وعلى تعاليه عن الأشياء وبراءته من جميع العيوب والآفات ، فدلك من كل شيء تسبيحه

والثاني : تسبيح المعرفة ؛ ووجه ذلك أن يجعل الله تعالى بلطفه في كل شيء حقيقة المعرفة ليعرف الله ، وينزه{[21190]} وإن كان لا تبلغه عقولنا .

ألا ترى إلى قوله { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ؟ [ الإسراء : 44 ] .

ولكن عندنا بواسطة إحداث نوع حياة فيه ؛ إذ المعرفة بدون الحياة ، لا تتحقق .

والوجه الثالث : هو أن يكون التسبيح تسبيح ضرورة وتلقين ؛ ووجهه أن الله تعالى يجري التسبيح على ذلك الجوهر من غير أن تكون له حقيقة المعرفة كما أظهر من آياته وأعلامه على عصا موسى ، وكما أجرى السفينة على وجه الماء ، وإن لم يكن لهما حقيقة المعرفة ، وذلك تسبيح كل شيء ، والله أعلم .

وقوله تعالى : { الملك } يعني الملك الذي له ملك الملوك ، والذي له الملك في الحقيقة .

وقوله تعالى : { القدوس } له تأويلان :

أحدهما : الطاهر من كل عيب وآفة وحاجة ، والطاهر مما يحتمله غيره .

والثاني : المبارك ؛ يعني به تنال كل بركة وخير ، ويجوز أن يجمع في المبارك معنى التنزيه من العيوب ومعنى البركة ، لأنك إذا [ وصفته بالبركة فقد ]{[21191]} وصفته بالبراءة من كل عيب ، وأضفت إليه كل بركة ويمن .

كما روي في الخبر أن قوله [ صلى الله عليه وسلم ]{[21192]} : ( سبحان الله نصف الميزان ، والحمد لله ملء الميزان . . . ) [ أحمد4/ 260 ] .

وكان معناهما عندنا : أن قوله : ( سبحان الله ) يختص بتبرئته من العيوب ، ( والحمد لله ) ينتظم معنى التنزيه من العيوب ومعنى إضافة النعم كلها إليه . فإذا كان فيه هذان المعنيان جميعا جاز أن يمتلئ به الميزان . ولما اختص : ( سبحان الله ) بتطهيره من العيوب ، ولم يتعده إلى غيره أخذ نصف الميزان ، والله أعلم .

وكذلك هذا الاختلاف في تأويل قوله : { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } [ المائدة : 21 ] .

وقوله تعالى : { العزيز الحكيم } : { العزيز } يعني الغالب القاهر ، لا يعجزه شيء ، أو يجوز أن يكون { العزيز } مقابل الذليل [ والذليل ]{[21193]} ينتظم كل فقر وحاجة وضعف ، فالواجب أن ينتظم العزيز ، إذا كان ضدا له ومقابلا كل شرف ومكرمة وغنى وقوة ، والله الموفق .

و{ الحكيم } قالوا : هو الذي يضع الأشياء مواضعها ؛ فالله تعالى حكيم حين{[21194]} وضع الأشياء مواضعها التي جعلها الله مواضع لها ، أو{ الحكيم } هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير ، وهو معنى المصيب أيضا ، والله أعلم .


[21189]:من م، ساقطة من الأصل.
[21190]:في الأصل وم: وينزهه
[21191]:من م، ساقطة من الأصل.
[21192]:ساقطة من الأصل وم.
[21193]:من م، ساقطة من الأصل
[21194]:في الأصل وم: حيث.