الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (230)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل فيما دلّ عليه هذا القول من الله تعالى ذكره؛ فقال بعضهم: دلّ على أنه إن طلق الرجل امرأته التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما: الطّلاقُ مَرّتانِ فإن امرأته تلك لا تحلّ له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، يعني به غير المطلق. وقال آخرون: بل دلّ هذا القول على ما يلزم مسرح امرأته بإحسان بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما:"الطّلاقُ مَرّتانِ". قالوا: وإنما بين الله تعالى ذكره بهذا القول عن حكم قوله: "أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ "وأعْلَمَ أنه إن سرح الرجل امرأته بعد التطليقتين فلا تحلّ له المسرّحة كذلك إلا بعد زوج... عن مجاهد: "فإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ "قال: عاد إلى قوله: "فإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ". والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال: أو سئل فقيل: هذا قول الله تعالى ذكره: الطّلاقُ مرّتانِ فأين الثالثة؟ قال: «فإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ». فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن الثالثة إنما هي قوله: "أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ". فإذ كان التسريح بالإحسان هو الثالثة، فمعلوم أن قوله: "فإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ" من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل، وأنه إنما هو بيان عن الذي يحلّ للمسرح بالإحسان إن سرّح زوجته بعد التطليقتين، والذي يحرم عليه منها، والحال التي يجوز له نكاحها فيها، وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته.

فإن قال قائل: فأيّ النكاحين عنى الله بقوله: "فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ"؛ النكاح الذي هو جماع أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟ قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلاً نكاح تزويج لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحلّ للأول، وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحلّ للأول بإجماع الأمة جميعا. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن تأويل قوله: "فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ" نكاحا صحيحا، ثم يجامعها فيه، ثم يطلقها.

فإن قال: فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره، فما الدلالة على أن معناه ما قلت؟ قيل: الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه. وبعد، فإن الله تعالى ذكره قال: "فإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ"؛ فلو نكحت زوجا غيره بعقب الطلاق قبل انقضاء عدتها، كان لا شك أنها ناكحة نكاحا بغير المعنى الذي أباح الله تعالى ذكره لها ذلك به، وإن لم يكن ذكر العدة مقرونا بقوله: "فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ" لدلالته على أن ذلك كذلك بقوله: "وَالمُطَلّقاتُ يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ" وكذلك قوله: "فَإنْ طَلّقَها فَلا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ" وإن لم يكن مقرونا به ذكر الجماع والمباشرة والإفضاء فقد دلّ على أن ذلك كذلك بوحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه ذلك على لسانه لعباده.

حدثني عبيد الله بن إسماعيل الهباري، وسفيان بن وكيع، وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوّجت رجلاً غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحلّ لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَحِلّ لِزَوْجِها الأوّلِ حتى يَذُوقَ الاَخَرُ عُسَيْلَتها وتَذُوقَ عُسْيَلَتَهُ»...

"فإنْ طَلّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَرَاجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقيِما حُدُودَ اللّهِ": فإن طلق المرأة التي بانت من زوجها بآخر التطليقات الثلاث بعد ما نكحها مطلقها الثاني، زوجها الذي نكحها بعد بينونتها من الأوّل "فَلا جُناحَ عَلَيْهِما": فلا حرج على المرأة التي طلقها هذا الثاني من بعد بينونتها من الأوّل، وبعد نكاحه إياها، وعلى الزوج الأول الذي كانت حرمت عليه ببينونتها منه بآخر التطليقات أن يتراجعا بنكاح جديد. "إنْ ظَنّا أنْ يُقيِما حُدُودَ اللّهِ": إن رجوا مطمعا أن يقيما حدود الله. وإقامتهما حدود الله: العمل بها، وحدود الله: ما أمرهما به، وأوجب بكل واحد منهما على صاحبه، وألزم كل واحد منهما بسبب النكاح الذي يكون بينهما. وقد بينا معنى الحدود ومعنى إقامة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وكان مجاهد يقول: إن ظنا أن نكاحهما على غير دُلْسَة.

وقد وجه بعض أهل التأويل قوله "إنْ ظَنّا" إلى أنه بمعنى: إن أيقنا. وذلك ما لا وجه له، لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله تعالى ذكره. فإذ كان ذلك كذلك، فما المعنى الذي به يوقن الرجل والمرأة أنهما إذا تراجعا أقاما حدود الله؟ ولكن معنى ذلك كما قال تعالى ذكره: "إنْ ظَنّا" بمعنى طمعا بذلك ورجواه. "وَتِلْكَ حُدودُ الله يُبَيّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ": هذه الأمور التي بينها لعباده في الطلاق والرجعة والفدية والعدة والإيلاء وغير ذلك مما يبينه لهم في هذه الآيات، حدود الله معالم فصول حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، "يُبَيّنُها": يفصلها، فيميز بينها، ويعرفهم أحكامها لقوم يعلمونها إذا بينها الله لهم، فيعرفون أنها من عند الله، فيصدقون بها، ويعملون بما أودعهم الله من علمه، دون الذين قد طبع الله على قلوبهم، وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها، ولا يصدّقون بأنها من عند الله، فهم يجهلون أنها من الله، وأنها تنزيل من حكيم حميد. ولذلك خص القوم الذي يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون، إذ كان الذين يجهلون أنها من عنده قد آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تصديق كثير منهم بها، وإن كان بينها لهم من وجه الحجة عليهم ولزوم العمل لهم بها، وإنما أخرجها من أن تكون بيانا لهم من وجه تركهم الإقرار والتصديق به.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فلا جناح عليهما أن يتراجعا} يخرج على الترخيص؛ وذلك، والله أعلم، أن الطلاق يحرمها عليه، ويبينها منه، كما تحرم عليه هي بأنواع الحرم، فأخبر صلى الله عليه وسلم وأباح له النكاح بعد وقوع الحرمة. إن هذه الحرمة ليست كغيرها من الحرم التي لا ترتفع أبدا، والله أعلم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

{لقوم يعلمون} إنما خص العلم بذكر البيان وإن كان بيانا لغيرهم، لأنهم الذين ينتفعون ببيان الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لم يعتد به. ويجوز أيضا أن يكونوا خصوا بالذكر تشريفا لهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الرجلُ يَشُقُّ عليه أن ينكحَ زوجتَه غيرُه، فمنعه عن اختيار الفراق بغاية الفراق بُغْية المنع لما بيَّن أنها لا تحل له إن فارقها إلا بأن تفعل غاية ما يشق عليه وهو الزواج الثاني لِيَحْذَرَ الطلاق ما أمكنه.

{إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: يعني لا يعودان بعد ذلك إلى الفراق ثانياً إذا علما حاجة أحدهما إلى صاحبه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت فما تقول في النكاح المعقود بشرط التحليل؟ قلت: ذهب سفيان والأوزاعي وأبو عبيد ومالك وغيرهم إلى أنه غير جائز، وهو جائز عند أبي حنيفة مع الكراهة. وعنه أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: « أنه لعن المحلل والمحلل له» وعن عمر رضي الله عنه: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وعن عثمان رضي الله عنه: لا نكاح إلا نكاح رغبة غير مدالسة. {فَإِن طَلَّقَهَا} الزوج الثاني. {أَن يَتَرَاجَعَا} أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج {إِن ظَنَّا} إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية. ولم يقل: إن علماً أنهما يقيمان، لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله عز وجل. ومن فسر الظن ههنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى، لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن: علمت أنه يقوم، ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يظن ظناً.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

{لقوم يعلمون}: لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده. والعالم يحفظ ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فإن طلقها} أي الثالثة التي تقدم التخيير فيها بلفظ التسريح فكأنه قال: فإن اختار الطلاق البات بعد المرتين إما في العدة من الطلاق الرجعي أو بعد الرجعة بعوض أو غيره ولا فرق في جعلها ثالثة بين أن تكون بعد تزوج المرأة بزوج آخر أو لا.

قال الحرالي: فردد معنى التسريح الذي بينه في موضعه بلفظ الطلاق لما هيأها بوجه إلى المعاد، وذلك فيما يقال من خصوص هذه الأمة وإن حكم الكتاب الأول أن المطلقة ثلاثاً لا تعود أبداً فلهذا العود بعد زوج صار السراح طلاقاً... {فلا تحل له}

و لما كان إسقاط الحرف والظرف يوهم أن الحرمة تختص بما استغرق زمن البعد فيفهم أن نكاحه لها في بعض ذلك الزمن يحل قال: {من بعد} أي في زمن ولو قل من أزمان ما بعد استيفاء الدور الذي هو الثلاث بما أفاده إثبات الجار، وتمتد الحرمة {حتى} أي إلى أن {تنكح} أي تجامع بذوق العسيلة التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم... وأشار بقوله: {زوجاً} إلى أن شرط هذا الجماع أن يكون حلالاً في عقد صحيح {غيره} أي المطلق، وفي جعل هذا غاية للحل زجر لمن له غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثاً لأن كل ذي مروة يكره أن يفترش امرأته آخر ومجرد العقد لا يفيد هذه الحكمة وذلك بعد أن أثبت له سبحانه وتعالى من كمال رأفته بعباده الرجعة في الطلاق الرجعي مرتين لأن الإنسان في حال الوصال لا يدري ما يكون حاله بعده ولا تفيده الأولى كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك بعدها وفي الثانية يضعف ذلك جداً ويقرب الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق بعدها إلا قلة التأمل ومحض الخرق بالعجلة المنهي عنها

فإن طلقها} أي الثاني وتعبيره بإن التي للشك للتنبيه على أنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل العقد بخروجه عن دائرة الحدود المذكورة. لأن النكاح كما قال الحرالي عقد حرمة مؤبدة لا حد متعة مؤقتة فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللاً في السنة وعند الأئمة لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد...

{فلا جناح عليهما} أي على المرأة ومطلقها الأول {أن يتراجعا} بعقد جديد بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله: {والمطلقات يتربصن} وهذه مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح {إن ظنا} أي وقع في ظن كل منهما {أن يقيما حدود الله} أي الذي له الكمال كله التي حدها لهما في العشرة.

قال الحرالي: لما جعل الطلاق سراحاً جعل تجديد النكاح مراجعة كل ذلك إيذاناً بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير...

ولما كان الدين مع سهولته ويسره شديداً لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة لأن الجزئي الواحد قد يتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا من نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيماً للحدود قوله: {وتلك} أي الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم {حدود الله} أي العظيمة بإضافتها إليه سبحانه وتعالى وبتعليقها بالاسم الأعظم {يبينها} أي يكشف اللبس عنها بتنوير القلب {لقوم} فيهم نهضة وجد في الاجتهاد وقيام وكفاية {يعلمون} أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} [الأنفال: 29] {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282].

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} الإشارة بتلك إلى الأحكام في الآية أو الآيتين بينهما في كتابه لأهل العلم بفائدتها وما فيها من المصلحة، ومن علم المصلحة في شيء كان مندفعا بطبعه إلى العمل به وإقامته على الوجه الذي تتحقق به الفائدة منه، يبينها لهؤلاء الذين يعلمون الحقائق لأنهم هم الذين يقيمونها لا من جهل ذلك فيأخذ بظاهر قول المفتي أو القاضي ولا يجعل لحسن النية وإخلاص القلب مدخلا في عمله، فيرجع إلى المرأة ويضمر لها السوء ويبغيها الانتقام...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن الطلقة الثالثة -كما تبين- دليل على فساد أصيل في هذه الحياة لا سبيل إلى إصلاحه من قريب -إن كان الزوج جادا عامدا في الطلاق- وفي هذه الحالة يحسن أن ينصرف كلاهما إلى التماس شريك جديد. فأما إن كانت تلك الطلقات عبثا أو تسرعا أو رعونة، فالأمر إذن يستوجب وضع حد للعبث بهذا الحق، الذي قرر ليكون صمام آمن، وليكون علاجا اضطراريا لعلة مستعصية، لا ليكون موضعا للعبث والتسرع والسفاهة. ويجب حينئذ أن تنتهي هذه الحياة التي لا تجد من الزوج احتراما لها، واحتراسا من المساس بها...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

تفريع مرتب على قوله: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] وما بينهما بمنزلة الاعتراض، على أن تقديمه يكسبه تأثيراً في تفريع هذا على جميع ما تقدم؛ لأنه قد علم من مجموع ذلك أن بعد المرتين تخييراً بني المراجعة وعدمها، فرتب على تقدير المراجعة المعبر عنها بالإمساك {فإن طلقها} وهو يدل بطريق الاقتضاء على مقدر أي فإن راجعها فطلقها لبيان حكم الطلقة الثالثة. وقد تهيأ السامع لتلقي هذا الحكم من قوله: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] إذ علم أن ذلك بيان لآخر عدد في الرجعي وأن ما بعده بتات، فذكر قوله: {فإن طلقها} زيادة في البيان، وتمهيد لقوله: {فلا تحل له من بعد} إلخ. فالفاء إما عاطفة لجملة {فإن طلقها} على جملة {فإمساك} [البقرة: 229] باعتبار ما فيها من قوله {فإمساك}، إن كان المراد من الإمساك المراجعة ومن التسريح عدمها، أي فإن أمسك المطلق أي راجع ثم طلقها، فلا تحل له من بعد، وهذا هو الظاهر، وإما فصيحة لبيان قوله: {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229]، إن كان المراد من التسريح إحداث الطلاق، أي فإن ازداد بعد المراجعة فسرح فلا تحل له من بعد، وإعادة هذا على هذا الوجه ليرتب عليه تحريم المراجعة إلا بعد زوج، تصريحاً بما فهم من قوله: {الطلاق مرتان} ويكون التعبير بالطلاق هنا دون التسريح للبيان وللتفنن على الوجهين المتقدمين، ولا يعوزك توزيعه عليهما، والضمير المستتر راجع للمطلق المستفاد من قوله: {الطلاق مرتان} والضمير المنصوب راجع للمطلقة المستفادة من الطلاق أيضاً، كما تقدم في قوله: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} [البقرة: 229].

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

في الآيات السابقة بين الله سبحانه وتعالى طريقة إيقاع الطلاق، وأنه يكون على دفعات لا دفعة واحدة، حتى لا يضيق الرجل على نفسه، ولا يغلق بابا قد فتحه الله سبحانه وتعالى له، ولعل الله سبحانه وتعالى يحدث من بعد ذلك أمرا {و من يتق الله يجعل له مخرجا 2} (الطلاق).

و بين سبحانه الطلاق الذي يكون للرجل فيه أن يستأنف حياة زوجية، ثم بين سبحانه وتعالى الحكم إذا كان الطلاق بافتداء المرأة نفسها من الرجل على براءة من صداقها أو بمال تدفعه، أو بإسقاط حقوق مالية نشأت عن الزواج، أو نشأت حال قيام الحياة الزوجية...

و إن ذلك التذييل الكريم [يعني قوله تعالى {و تلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون}] يستفاد منه ثلاثة أمور:

أولها: بيان أن الأحكام الخاصة بالطلاق هي حدود حدها الشرع، من يتجاوزها فقد تجاوز ماله إلى ما ليس له، وترك الحلال إلى الحرام، وترك الحق إلى الباطل، وفي ذلك حث على الطاعة، وتحريض على التزام ما أمر الله سبحانه وتعالى.

ثانيها: الإشارة إلى أن هذه الأحكام هي المصلحة الحق، وأن الناس إن تجاوزوها فقد تركوا الخير إلى الشر والنفع إلى الضرر.

الأمر الثالث: حث الناس على تعرف حكم الشارع وغاياته، فإن مقاصد الشارع لا يعرفها على وجهها إلا الذين من شأنهم أن يعلموا، ويصلوا إلى لب الحقائق، ومرامي الحكام الشرعية القاصية والدانية، والله بكل شيء محيط...

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (230)

قوله تعالى : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) إذا وقع الزوج في الطلقة الثالثة بانت منه المرأة بينونة كبرى فلا يحل له بعد ذلك أن ينكحها حتى ينكحها زوج ثان نكاحا صحيحا . والمقصود بذلك أن يكون النكاح مستتما لأوصاف العقد من أركان وشروط ليكون عقدا صحيحا . وأن يكون الوطء من الزوج الثاني مشروعا ، فلا يصح وطء المرأة وهي محرمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء ، أو يكون الزوج نفسه محرما أو صائما أو معتكفا ، فإن هذا الوطء الحرام لا يحل المرأة للأول .

والمراد يكون النكاح الثاني وافيا هو أن تحصل المواقعة من الزوج الثاني للمطلقة ثلاثا ، بحيث يقع الجمع ويذوق كل منهما عسيلة الآخر كما ورد في الحديث الشريف ، أما مجرد العقد من الثاني عليها من غير وطء فإنها لا تحل بذلك للأول . فقد روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول الله ( ص ) في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا فتتزوج غيره فيطلقها قبل أن يدخل بها فيريد الأول أن يراجعها قال : " لا حتى يذوق الآخر عسيلتها " . وفي حديث من رواية البخاري عن السيدة عائشة أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت زوجا فطلقها قبل أن يمسّها ، فسئل رسول الله ( ص ) : أتحل للأول ؟ فقال : " لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول " . وروى البخاري أيضا عن السيدة عائشة قال : دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي ( ص ) فقالت : إن رفاعة طلقني البتة ، وإن عبد الرحمان بن الزبير تزوجني ، وإنما عنده مثل الهدية ، وأخذت هدية من جلبابها وخالد بن سعيد ابن العاص بالباب لم يؤذن له ، فقال : يا أبا بكر ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله ( ص ) فما زاد رسول الله ( ص ) عن التبسم ، فقال رسول الله ( ص ) : " كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " والمراد بالعسيلة الجماع . فقد روي عن النبي ( ص ) قال : " ألا إن العسيلة الجماع " .

ونعرض في هذا الصدد مسألة هامة جديرة بالبيان وهي نكاح المحلل ، وذلك من الأنكحة الفاسدة التي نهت عنها الشريعة ، وتوعدت من يتورط فيها باللعن والتوبيخ على أنه تيس مستعار . وفي هذا أخرج ابن ماجه عن عقبة بن عامر أن رسول الله ( ص ) قال : " ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : هو المحلل ، لعلن الله المحلل والمحلل له " .

وذكر عن ابن عباس قال : سئل رسول الله ( ص ) عن نكاح المحلل ، قال : " لا ، إلا نكاح رغبة ، لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ، ثم يذوق عسيلتها " وذكر أيضا أن رجلا جاء إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا ، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه هل تحل للأول ، فقال : لا نكاح إلا نكاح رغبة ، كنّا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ( ص ) .

وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود أن رسول الله ( ص ) قال : " لعن الله المحلل والمحلل له " .

وروى البيهقي بإسناده ، أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما . وروي مثل ذلك عن علي وابن عباس وغيرهما من الصحابة .

وروى عن عمر أنه قال : لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما .

وقوله : ( فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) وتفصيل ذلك أنه إذا طلق الرجل زوجته الطلقة الثالثة ، فاعتدّت ، ثم تزوجها رجل ثان زواجا صحيحا تاما ، ثم طلقها واعتدت عدتها المشروعة ، جاز لها ولزوجها الأول أن يتراجعا فيما بينهما وهو أن يتناكحا بعقد جديد . وذلك إذا علم الزوجان أنهما سوف يتعاشران بالمعروف ويقيمان الحياة بينهما بالخير والصلاح وعلى هدى من تعاليم الله وشرعه ؛ ولذلك قال سبحانه : ( إن ظنا أن يقيما حدود الله ) وللمستزيد من الأحكام في هذه المسائل أن يراجع ذلك في مظانه من كتب الفقه .

وقوله : ( وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) وحدود الله هي أحكامه وشرائعه المتعلقة بمسائل النكاح والطلاق وما يحقق للزوجين والأسرة حياة ملؤها الطمأنينة والرضى والود والتفاهم ؛ كيلا يكون ثمة خلل أو تنافر أو مباغضات ما أمكن . وهذه الأحكام والشرائع يبينها الله لتكون مفسرة واضحة للعالمين خاصة ، أما الجاهلون فلا شأن لهم في هذا التبيين ؛ لأنهم لا يعونه ولا يستطيعون الوقوف عليه . وليس لهم من سبيل إلا أن يستمعوا للعالمين من الناس فيأخذوا عنهم العلم والأحكام ؛ لذلك قال سبحانه عن حدوده : ( يبينها لقوم يعلمون ) . {[317]}


[317]:-- تفسير الطبري جـ 2 ص 292 وفتح القدير جـ 1 ص 238.