{ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 1 ) }
( الر ) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة .
هذا القرآن كتاب أوحيناه إليك -يا محمد- لتُخرج به البشر من الضلال والغيِّ إلى الهدى والنور -بإذن ربهم وتوفيقه إياهم- إلى الإسلام الذي هو طريق الله الغالب المحمود في كل حال ،
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه . وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة إبراهيم –عليه السلام- ، توخيت فيه أن يكون تفسيرا تحليليا ، خاليا من الآراء السقيمة ، والأقوال الضعيفة . والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه ، نافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تعريف بسورة إبراهيم –عليه السلام-
1- سورة إبراهيم –عليه السلام- هي السورة الرابعة عشرة في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول ، فقد كان بعد سورة نوح –عليه السلام- .
وقد ذكر السيوطي قبلها سبعين سورة من السور المكية( {[1]} ) .
2- وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية في المصحف الكوفي ، وإحدى وخمسون في البصري ، وأربع وخمسون في المدني ، وخمس وخمسون في الشامي .
3- وسميت بهذا الاسم ، لاشتمالها على الدعوات الطيبات التي تضرع بها إبراهيم –عليه السلام- إلى ربه ، ولا يعرف لها اسم آخر سوى هذا الاسم .
4- وجمهور العلماء على أنها مكية ، وليس فيها آية أو آيات غير مكية .
وقال الآلوسي : " أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة . والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك ، وهو الذي عليه الجمهور .
وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين فإنهما نزلتا بالمدينة وهما قوله –تعالى- : [ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار* جهنم يصلونها وبئس القرار ] فإنهما نزلتا في قتلى بدر من المشركين . . ( {[2]} ) .
وسنرى عند تفسيرنا لهاتين الآيتين ، أنه لم يقم دليل يعتمد عليه على أنهما مدنيتان . وأن السورة كلها مكية كما قال جمهور العلماء .
5- هذا ، وبمطالعتنا لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل نراها في مطلعها تحدثنا عن وظيفة القرآن الكريم ، وعن جانب من مظاهر قدرة الله –تعالى- ، وعن سوء عاقبة الكافرين ، وعن الحكمة في إرسال كل رسول بلسان قومه قال –تعالى- : [ الر . كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد* الله الذي لهما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ] . .
[ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، فيضل الله من يشاء ، ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ] .
ثم نراها بعد ذلك تحدثنا عن طرف من رسالة موسى –عليه السلام- مع قومه ، وعن أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وعن نماذج من المحاورات التي دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم .
قال –تعالى- : [ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . . ] .
ثم تضرب السورة الكريمة بعد ذلك مثلا لأعمال الكافرين ، وتصور أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم يوم القيامة ، وتحكي ما يقوله الشيطان لهم في ذلك اليوم . . فتقول :
[ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ] . .
[ وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ] . .
[ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ] .
ثم تسوق السورة مثلا آخر لكلمتي الإيمان والكفر فتقول : [ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ] . .
ثم يحكي ألوانا متعددة من الأدلة على وحدانية الله –تعالى- وعلمه وقدرته ونعمه على عباده فتقول : [ الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار . . . ] .
ثم تسوق بعد ذلك تلك الدعوات الصالحات الجامعات لأنواع الخير ، التي تضرع بها إبراهيم إلى ربه فتقول :
[ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . . . ] .
[ رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء* ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ] .
ثم يختم –سبحانه- هذه السورة الكريمة بآيات فيها ما فيها من أنواع العذاب الذي أعده للظالمين ، وفيها ما فيها من ألوان التحذير من السير في طريق الكافرين والجاحدين فيقول :
[ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء . . . ] .
[ هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذكر أولوا الألباب ] .
6- ومن هذا العرض الإجمالي للسورة الكريمة ، نراها اهتمت بأمور من أبرزها ما يلي :
( أ ) تذكير الناس بنعم خالقهم عليهم ، وتحريضهم على شكر هذه النعم وتحذيرهم من جحودها وكفرها . .
ومن الآيات التي وردت في هذه السورة في هذا المعنى قوله –تعالى- : [ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ] .
وقوله –تعالى- : [ وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار ] .
( ب ) تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من مشركي قريش ، تارة عن طريق ما لقيه الأنبياء السابقون من أقوامهم ، وتارة عن طريق بيان أن العاقبة للمتقين .
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله –تعالى- : [ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ، جاءتهم رسلهم بالبينات ، فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب . . . ] .
وقوله –تعالى- : [ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين . ولنسكننكم الأرض من بعدهم . . . ] .
( ج ) اشتمال السورة الكريمة على أساليب متعددة للترغيب في الإيمان ، وللتحذير من الكفر ، تارة عن طريق ضرب الأمثال ، وتارة عن طريق بيان حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين ، وتارة عن طريق حكاية ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة ، وما يقوله الضعفاء للذين استكبروا وما يقوله الظالمون يوم يرون العذاب . .
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله –تعالى- : [ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء . تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ] .
وقوله –تعالى- : [ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ] .
وقوله –تعالى- : [ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل . . . ] .
هذه بعض الموضوعات التي اهتمت السورة بإبرازها وبتركيز الحديث عنها ، وهناك موضوعات أخرى عنيت السورة بتفصيل الحديث عنها ، ويراها المتدبر لآياتها . .
سورة إبراهيم - عليه السلام - من السور القرآنية التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى - : { الار } .
وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف عند تفسيرنا لسور : آل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد .
وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله . هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، فإن لم تستطيعوا فهاتوا عشر سور من مثله ، فإن عجزتم فهاتوا سورة واحدة من مثله .
قال - تعالى - : { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وقوله { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } تنويه بشأن القرآن الكريم ، وبيان للغرض السامى الذى أنزله الله - تعالى - من أجله .
والظلمات : جمع ظلمة ، والمراد بها : الكفر والضلال ، والمراد بالنور : الإِيمان والهداية .
والباء فى { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } للسببية ، والجار والمجرور متعلق بقوله { لِتُخْرِجَ } .
والصراط : الجادة والطريق ، من سرط الشئ إذا ابتلعه ، وسمى الطريق بذلك ، لأنه يبتلع المارين فيه ، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش .
والمعنى : هذا كتاب جليل الشأن ، عظيم القدر ، أنزلناه إليك يا محمد ، لكى تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال ، إلى نور الإِيمان والعلم والهداية وهذا الإِخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره .
وقوله { إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } بدل من قوله { إِلَى النور } .
أى لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله { العزيز } أى : الذى يَغلب ولا يُغلب { الحميد } أى : المحمود بكل لسان .
وأسند - سبحانه - الإِخراج إلى النبى صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التى تنقل الناس من الكفر إلى الإِيمان ، ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات - كما يقول الإِمام الرازى - ، لأنه ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية ، وشبه الإِيمان بالنور ، لأنه ناية ما ينجلى به طريق هدايته " .
وفى جمع " الظلمات " وإفراد " النور " إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة ، وأما الإِيمان فطريق واحد .
وقوله - سبحانه - : { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة الله - تعالى - ومشيئته ، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط ، أما الهداية فمن الله وحده .
هذه السورة مكية كلها . وقيل : مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة . ويتزاحم في هذه السورة فيض من المعاني الجليلة المؤثرة ، وذلك في ألوان شتى من العبر والمواعظ والمشاهد ، وفي طليعة ذلك : التخويف من يوم القيامة حيث الفظائع والأهوال والبلايا ، وما يتجرعه المشركون والظالمون في النار من سوء الشراب وبشاعة التحريق . ولعل أبرز أخبار السورة وما حوته من مضامين ، الحديث عن خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؛ إذ دعا ربه وهو في مكة أن يجعل هذا البلد ( مكة ) آمنا ، وأن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام ، ثم تضرعه إلى ربه أن يجعل قلوبا من عباده المؤمنين تحن إلى هذا البلد الطاهر فترغب على الدوام في زيارته ومشاهدته بالرغم من جدبه وجفافه وشحة الزرع والثمار فيه . إلى غير ذلك من الأخبار والمواعظ .
{ ألم كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ( 1 ) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ( 2 ) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد } .
( الر ) في موضع رفع على أنه مبتدأ ، وخبره ( كتاب ) . وقد تقدم نظير ذلك من حيث الخلاف في تأويله . وقيل : ( كتاب ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره : هذا كتاب . و ( أنزلناه ) ، جملة فعلية في موضع رفع صفة لكتاب{[2364]} ، والمراد بالكتاب ، القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد ( ص ) . وهو سبحانه يخاطبه فيه بقوله : ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) ( الظلمات ) جمع ظلمة وهي سواد الجو المانع من الرؤية . أو هي ذهاب الضياء بما يستره . و ( النور ) معناه الضياء ، أو البياض الشعاعي الذي تصح معه الرؤية ويمنع معه الظلام . والمقصود بالظلمات هنا الكفر بكل صوره وضروبه ومسمياته ، يستوي في ذلك كفر الوثنيين أو الملحدين أو الوجودين أو أهل الكتاب . ومن أجل ذلك حيث المسميات الكثيرة للكفر جيء بالظلمات على الجمع ، وأفرد النور ، والمراد به الإسلام ؛ فهو الحق الواحد الراسخ الذي لا حق غيره وليس من شيء بعده إلا الضلال . لا جرم أن الإسلام وحده دين الهداية والكمال والعدل المطلق . الدين الذي تستقيم عليه أوضاع البشرية ؛ لأنه دين معتدل ومنسجم ورحيم ووسيط ، يراعي فطرة الإنسان وطبيعة البشر أكمل مراعاة بعيدا عن التخبط أو الإفراط أو التفريط ، أو المغالاة التي اتسمت بها الملل والعقائد والشرائع الأخرى التي سيمت خلالها الإنسانية البلايا والفشل والأمراض وسوء العاقبة .
لقد بعث الله نبيه محمدا ( ص ) هاديا للناس ومرشدا ونذيرا . وفي ذلك ما يخرج الناس من كابوس الكفر الذي يترعرع فيه الشر والباطل ، وتتجرع خلاله البشرية مرارة الظلم والفساد والضلال . يخرجهم من هذه الحمأة الآسنة المنكودة حيث العفن والضيم والمضاضة إلى نور الإسلام بضيائه الساطع المشعشع الذي تتندى خلاله وفي ظلاله نسائم الأمن والراحة والأخوة والرحمة .
قوله : ( بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) ذلك الإخراج من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام إنما هو بإذن الله ؛ أي بتسهيله وتيسيره وتوفيقه ( إلى صراط ) بدل من قوله : ( إلى النور ) والمراد بالصراط هنا : طريق الله المودي إلى الحق في هذه الدنيا والمفْضي إلى النجاة والفوز في الآخرة ، وقد أضيف الصراط إلى العزيز الحميد ؛ لأن الله جل جلاله هو صاحبه ، المبين له ، وكفى بذلك دليلا قاطعا على أن هذا الطريق حق وصدق ومستقيم . و ( العزيز ) معناه القوي الغالب القادر على كل شيء و ( الحميد ) معناه المحمود في أفعاله وفيما أنعمه على مخلوقاته وعباده من النعم ومنها نعمة الإسلام . هذا الدين الذي تنجو به الإنسانية في هذه الدار ويوم تقوم الساعة .