تذهَل : تسلو وتترك الشيء من الدهشة والخوف .
ففي ذلك اليوم يبلغ الأمر من الهول والدهشة أن تذهَل المرضعةُ عن ولدها فتتركه وتحاول أن تنجوَ بنفسها ، وتُسقط الحوامل ما في بطونها من الأجنة من الفزع . وترى الناسَ كأنهم سكارى مع أنهم ليسوا كذلك ، لكن شدة الموقف وعظمة الساعة وما فيها من أهوالٍ جعلتهم بهذا الحال ، { يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً } [ المزمل : 17 ] . إن الهول الذي يشاهدونه والخوفَ من عذاب الله الشديد هو الذي أفقدَهم توازنهم ، وجعلهم في حيرة مذهلة .
{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } الظاهر أن الضمير المنصوب في { تَرَوْنَهَا } للزلزلة لأنها المحدث عنها ، وقيل هو للساعة وهو كما ترى ، و { يَوْمٍ } منتصب بتذهل قدم عليه للاهتمام ، وقيل بعظيم ، وقيل بإضمار اذكر ؛ وقيل هو بدل من { الساعة } [ الحج : 1 ] وفتح لبنائه كما قيل في قوله تعالى : { هذا يَوْمُ يَنفَعُ } [ المائدة : 119 ] على قراءة يوم بالفتح ، وقيل بدل من { زَلْزَلَةَ } [ الحج : 1 ] أو منصوب به إن اغتفر الفصل بين المصدر ومعموله الظرفي بالخبر ، وجملة { تَذْهَلُ } على هذه الأوجه في موضع الحال من ضمير المفعول والعائد محذوف أي تذهل فيها ، والذهول شغل يورث حزناً ونسيانا ، والمرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها وهي بخلاف المرضع بلا هاء فإنها التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به ، وخص بعض نحاة الكوفة أم الصبي بمرضعة بالهاء والمستأجرة بمرضع ويرده قول الشاعر
: كمرضعة أولاد أخرى وضيعت *** بني بطنها هذا الضلال عن القصد
والتعبير به هنا ليدل على شدة الأمر وتفاقم الهول ، والظاهر أن ما موصولة والعائد محذوف أي عن الذي أرضعته ، والتعبير بما لتأكيد الذهول وكون الطفل الرضيع بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا لأنها تعرف شيئيته لكن لا تدري من هو بخصوصه ، وقيل مصدرية أي تذهل عن إرضاعها ، والأول دل على شدة الهول وكمال الانزعاج ، والكلام على طريق التمثيل وأنه لو كان هناك مرضعة ورضيع لذهلت المرضعة عن رضيعها في حال إرضاعها إياه لشدة الهول وكذا ما بعد ، وهذا ظاهر إذا كانت الزلزلة عند النفخة الثانية أو في يوم القيامة حين أمر آدم عليه السلام ببعث بعث النار وبعث الجنة ان لم نقل بأن كل أحد يحشر على حاله التي فارق فيها الدنيا فتحشر المرضعة مرضعة والحامل حاملة كما ورد في بعض الآثار ، وأما إذا قلنا بذلك أو بكون الزلزلة في الدنيا فيجوز أن يكون الكلام على حقيقته ، ولا يضر في كونه تمثيلاً أن الأمر إذ ذاك أشد وأعظم وأهول مما وصف واطم لشيوع ما ذكر في التهويل كما لا يخفي على المنصف النبيل .
وقرئ { تَذْهَلُ } من الإذهال مبنياً للمفعول ، وقرأ ابن أبي عبلة . واليماني { تَذْهَلُ } منه مبنياً للفاعل و «كل » بالنصب أي يوم تذهل الزلزلة ، وقيل : الساعة كل مرضعة { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } أي تلقى ذات جنين جنينها لغير تمام ، وإنما لم يقل وتضع كل حاملة ما حملت على وزان ما تقدم لما أن ذلك ليس نصا في المراد وهو وضع الجنين بخلاف ما في النظم الجليل فإنه نص فيه لأن الحمل بالفتح ما يحمل في البطن من الولد ، وإطلاقه على نحو الثمرة في الشجرة للتشبيه بحمل المرأة ، وللتنصيص على ذلك من أول الأمر لم يقل وتضع كل حاملة حملها كذا قيل .
وتعقب بأن في دعوى تخصيص الحمل بما يحمل في البطن من الولد وان اطلاقه على نحو الثمرة في الشجرة للتشبيه بحثاً ففي البحر الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة .
وفي القاموس الحمل ما يحمل في البطن من الولد جمعه حمال وأحمال وحملت المرأة تحمل علقت ولا يقال حملت به أو قليل وهو حامل وحاملة ، والحمل ثمر الشجر ويكسر أو الفتح لما بطن من ثمره والكسر لما ظهر أو الفتح لما كان في بطن أو على رأس شجرة والكسر لما على ظهر أو رأس أو ثمر الشجر بالكسر ما لم يكبر فإذا كبر فبالفتح جمعه احمال وحمول وحمال اه ، وقيل : المتبادر وضع الجنين بأي عبارة كان التعبير إلا أن ذات حمل أبلغ في التهويل من حامل أو حاملة لإشعاره بالصحبة المشعرة بالملازمة فيشعر الكلام بأن الحامل تضع إذ ذاك الجنين المستقر في بطنها المتمكن فيه هذا مع ما في الجمع بين ما يشعر بالمصاحبة وما يشعر بالمفارقة وهو الوضع من اللطف فتأمل فلمسلك الذهن اتساع .
{ وَتَرَى الناس } بفتح التاء والراء على خطاب كل واحد من المخاطبين برئية الزلزلة والاختلاف بالجمعية والإفراد لما أن المرئي في الأول هي الزلزلة التي يشاهدها الجميع وفي الثاني حال من عدا المخاطب منهم فلا بد من إفراد المخاطب على وجه يعم كل واحد منهم لكن من غير اعتبار اتصافه بتلك الحالة فإن المراد بيان تأثير الزلزلة في المرئي لا في الرائي باختلاف مشاعره لأن مداره حيثية رؤيته للزلزلة لا لغيرها كأنه قيل وتصير الناس سكارى الخ ، وإنما أوثر عليه ما في التنزيل للإيذان بكمال ظهور تلك الحال فيهم وبلوغها من الجلاء إلى حد لا يكاد يخفى على أحد قاله غير واحد .
وجوز بعضهم كون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والأول أبلغ في التهويل ، والرؤية بصرية و { الناس } مفعولها ، وقوله تعالى : { سكارى } حال منه أي يراهم كل واحد مشابهين للسكارى ، وقوله تعالى : { وَمَا هُم بسكارى } أي حقيقة حال أيضاً لكنها مؤكدة والحال المؤكد تقترن بالواو لاسيما إذا كانت جملة اسمية . فلا يقال : إنه إذا كان معنى قوله تعالى : { تَرَى الناس سكارى } على التشبيه يكون { وَمَا هُم بسكارى } بالمعنى المذكور مستغنى عنه ، ولا وجه لجعله حالاً مؤكدة لمكان الواو ، وجوز أن يكون { تَرَى } بمعنى تظن فسكارى مفعول ثان ، وحينئذٍ يجوز أن يكون الكلام على التشبيه والجملة الاسمية في موضع الحال المؤكدة ؛ ويجوز أن يكون على الحقيقة فلا تأكيد هنا ، وأمر إفراد الخطاب وما فيه من المبالغة بحاله ، وأياً ما كان فالمراد في قوله تعالى : { وَمَا هُم بسكارى } استمرار النفي ، وأكد بزيادة الباء للتنبيه على أن ما هم فيه ليس من المعهود في شيء وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله ، وأشير إلى سببه بقوله تعالى : { ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ } أي إن شدة عذابه تعالى تجعلهم كما ترى ، وهو استدراك على ما في الانتصاف راجع إلى قوله تعالى : { وَمَا هُم بسكارى } وزعم أبو حيان أنه استدراك عن مقدر كأنه قيل هذه أي الذهول والوضع ورؤية الناس سكارى أحوال هينة ولكن عذاب الله شديد وليس بهين وهو خلاف الظاهر جداً .
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { تَرَى } بضم التاء وكسر الراء أي ترى الزلزلة الخلق جميع الناس سكارى . وقرأ الزعفراني { تَرَى } بضم التاء وفتح الراء { الناس } بالرفع على إسناد الفعل المجهول إليه ، والتأنيث على تأويل الجماعة . وقرأ أبو هريرة . وأبو زرعة . وابن جرير . وأبو نهيك كذلك إلا أنهم نصبوا { الناس } وترى على هذا متعد إلى ثلاثة مفاعيل كما في «البحر » ؛ الأول : الضمير المستتر وهو نائب الفاعل ، والثاني : { الناس } والثالث : { سكارى } وقرأ أبو هريرة . وابن نهيك { سكارى } بفتح السين في الموضعين وهو جمع تكسير . واحده سكران ، وقال أبو حاتم : هي لغة تميم ، وأخرج الطبراني . وغيره عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { سكارى } كعطشى في الموضعين ، وكذلك روى أبو سعيد الخدري وهي قراءة عبد الله . وأصحابه . وحذيفة وبها قرأ الأخوان . وابن سعدان . ومسعود بن صالح ، وتجمع الصفة على فعلى إذا كانت من الآفات والأمراض كقتلى وموتى وحمقى ، ولكون السكر جارياً مجرى ذلك لما فيه من تعطيل القوى والمشاعر جمع هذا الجمع فهو جمع سكران ، وقال أبو علي الفارسي : يصح أن يكون جمع سكر كزمنى وزمن ، وقد حكى سيبويه رجل سكر بمعنى سكران . وقرأ الحسن والأعرج . وأبو زرعة . وابن جبير والأعمش { سكارى } بضم السين فيهما ، قال الزمخشري : وهو غريب ، وقال أبو الفتح : هو اسم مفرد كالبشرى وبهذا أقتاني أبو علي وقد سألته عنه انتهى .
وإلى كونه اسماً مفرداً ذهب أبو الفضل الرازي فقال : فعلى بضم الفاء من صفة الواحدة من الإناث لكنها لما جعلت من صفات الناس وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الموحد ، وعن أبي زرعة { سكارى } بفتح السين { بسكارى } بضمها ، وعن ابن جبير { سكارى } بفتح السين من غير ألف { بسكارى } بالضم والألف كما في قراءة الجمهور ، والخلاف في فعالى أهو جمع أو اسم جمع مشهور .
ومن باب الإشارة : { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ } وهي مواد الأشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه في مهد الاستعداد { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ } وهي الهيولات { حِمْلِهَا } وهي الصور يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات { وَتَرَى الناس سكارى } الحيرة { وَمَا هُم بسكارى } [ الحج : 2 ] المحبة ، قيل سكر الأعداء من رؤية القهريات . وسكر الموافقين من رؤية بدائع الأفعال .
وسكر المريدين من لمعان الأنوار . وسكر المحبين من كشوف الأسرار . وسكر المشتاقين من ظهور سني الصفات . وسكر العاشقين من مكاشفة الذات . وسكر المقربين من الهيبة والجلال . وسكر العارفين من الدخول في حجال الوصال . وسكر الموحدين من استغراقهم في بحار الأولية . وسكر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام من اطلاعهم على أسرار الأزلية :
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يوم ترونها تذهل كل مرضعة}: تدع البنين لشدة الفزع من الساعة.. {عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها} النساء والدواب حملها من شدة الفزع، {وترى الناس سكارى} من الخوف {وما هم بسكارى} من الشراب، {ولكن عذاب الله شديد}...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله تعالى:"يَوْمَ تَرَوْنَها" يقول جلّ ثناؤه: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة، تذهل من عظمها كل مرضعة مولود عما أرضعت.
ويعني بقوله: "تَذْهَلُ": تنسى وتترك من شدّة كربها...
فتأويل الكلام إذن: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة، تنسى وتترك كلّ والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت...
"وتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَها "قال: ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام. "وتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا": يقول: وتسقط كل حامل من شدّة كرب ذلك حملها.
وقوله: "وَتَرَى النّاسَ سُكارَى" قرأت قرّاء الأمصار وَتَرَى النّاسَ سُكارَى على وجه الخطاب للواحد، كأنه قال: وترى يا محمد الناس سُكارى وما هم بسُكارى... ومعنى الكلام: وترى الناس يا محمد من عظيم ما نزل بهم من الكرب وشدّته سُكارى من الفزع وما هم بسُكارى من شرب الخمر...
"وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ" يقول تعالى ذكره: ولكنهم صاروا سكارى من خوف عذاب الله عند معاينتهم ما عاينوا من كرب ذلك وعظيم هوله، مع علمهم بشدّة عذاب الله.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} قال الحسن: تذهل الأم عن ولدها لغير فطام، وتلقي الحامل ما في بطنها لغير تمام.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
والذهول:الذهاب عن الشيء دهشا وحيرة، وهذا تهويل ليوم القيامة، وتعظيم لما يكون فيه من الشدة...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة
فإن قلت: لم قيل: {مُرْضِعَةٍ} دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي. والمرضع: التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة؛ ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة. {عَمَّا أَرْضَعَتْ} عن إرضاعها، أو عن الذي أرضعته وهو الطفل... "سكارى"... والمعنى: وتراهم سكارى على التشبيه، وما هم بسكارى على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردّهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. وقيل: وتراهم سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.
فإن قلت: لم قيل أوّلا: ترون، ثم قيل: ترى، على الإفراد؟ قلت لأنّ الرؤية أوّلاً علقت بالزلزلة فجعل الناس جميعاً رائين لها، وهي معلقة أخيراً بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
والذهول: الغفلة عن الشيء بطريان ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره.
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
«المرضع»: من لها ولد ترضعه. و«المرضعة»: من ألقمت الثدي للرضيع. وعلى هذا فقوله تعالى: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت} أبلغ من مرضع في هذا المقام. فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة. فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعة لم تذهل عنه إلا لأمر أعظم عندها من اشتغالها بالرضاع.
وتأمل رحمك الله تعالى السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله: {ذات حمل} فإن الحامل قد تطلق على المهيأة للحمل، وعلى من هي في أول حملها ومبادئه. فإذا قيل: ذات حمل لم يكن إلا لمن ظهر حملها وصلح للوضع كاملا، أو سقطا. كما يقال: ذات ولد. فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها. وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع. والله سبحانه وتعالى أعلم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان المراد بالساعة القيام وما والاه، جعل مظروفاً لذلك اليوم الذي هو من ذلك الوقت إلى افتراق الفريقين إلى داري الإبعاد والإسعاد، والهوان والغفران، فقال تعالى: {يوم ترونها} أي الزلزلة أو كل مرضعة، أضمرها قبل الذكر، تهويلاً للأمر وترويعاً للنفس {تذهل} أي تنسى وتغفل حائرة مدهوشة، وهو العامل في "يوم "ويجوز أن يكون عامله معنى الكلام، أي تستعظمون جداً ذلك اليوم عند المعاينة وإن كنتم الآن تكذبون، ويكون ما بعده استئنافاً ودل بالسور على عموم تأثيره لشدة عظمته فقال: {كل مرضعة} أي بالفعل {عما أرضعت} من ولدها وغيره... {وتضع كل ذات حمل حملها} أي تسقطه قبل التمام رعباً وفزعاً...
ولما كان الناس كلهم يرون الزلزلة، ولا يرى الإنسان السكر -إلا من غيره قال في الزلزلة {ترونها} وقال في {السكر}: {وترى الناس سكارى} أي لما هم فيه من الدهش والحيرة والبهت لما شاهدوا من حجاب العز وسلطان الجبروت وسرادق الكبرياء، ثم دل على أن ذلك ليس على حقيقته بقوله، نافياً لما يظن إثباته بالجملة الأولى: {وما هم بسكارى} أي من الخمر.
ولما نفى أن يكونوا سكارى من الخمر، أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة فقال: {ولكن عذاب الله} ذي العز والجبروت {شديد} فهو الذي وجب أن يظن بهم السكر، لأنه أذهب خوفه حولهم، وطير هوله عقولهم.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جملة {يوم ترونها تذهل} الخ... بيان لجملة {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1] لأن ما ذكر في هذه الجملة يبيّن معنى كونها شيئاً عظيماً وهو أنه عظيم في الشرّ والرعب.
ويتعلق {يوم ترونها} بفعل {تذهل} وتقديمُه على عامله للاهتمام بالتوقيت بذلك اليوم وتوقع رؤيته لكل مخاطب من الناس. وأصل نظم الجملة: تذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم تَرون زَلزلة الساعة. فالخطاب لكلّ من تتأتّى منه رُؤية تلك الزَلزلة بالإمكان.
وضمير النصب في {ترونها} يجوز أن يعود على {زلزلة} [الحج: 1] وأطلقت الرؤية على إدراكها الواضح الذي هو كرؤية المرئيات لأنّ الزلزلة تُسمع ولا ترى. ويجوز أن يعود إلى الساعة.
ورؤيتُها: رؤيةُ ما يحدث فيها من المرئيات من حضور الناس للحشر وما يتبعه ومشاهدة أهوال العذاب. وقرينة ذلك قوله {تذهل كل مرضعة} الخ.
والذهول: نسيان ما من شأنه أن لا يُنسى لوجود مقتضى تذكره؛ إما لأنه حاضر أو لأن علمه جديد وإنما ينسى لشاغل عظيم عنه، فذكر لفظ الذهول هنا دون النسيان لأنه أدل على شدّة التشاغل. قاله شيخنا الجدّ الوزير قال: وشفقة الأم على الابن أشد من شفقة الأب، فشفقتها على الرضيع أشد من شفقتها على غيره. وكلّ ذلك يدل بدلالة الأوْلى على ذهول غيرها من النساء والرجال. وقد حصل من هذه الكناية دلالة على جميع لوازم شدّة الهول وليس يلزم في الكناية أن يصرح بجميع اللوازم لأن دلالة الكناية عقليّة وليست لفظية.
والتحقت هاء التأنيث بوصف {مرضعة} للدلالة على تقريب الوصف من معنى الفعل، فإن الفعل الذي لا يوصف بحدثه غير المرأة تَلحقه علامة التأنيث ليفاد بهذا التقريب أنها في حالة التلبّس بالإرضاع، كما يقال: هي ترضع.. ولولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يقال: كلّ مرضع، لأن هذا الوصف من خصائص الأنثى فلا يحتاج معه إلى الهاء التي أصل وضعها للفرق بين المؤنث والمذكر خيفة اللبس...
والمراد: أن ذلك يحصل لكلّ مرضعة موجودة في آخر أيام الدنيا. فالمعنى الحقيقي مراد، فلم يقتض أن يكون الإرضاع واقعاً، فأطلق ذهول المرضع وذات الحمل وأريد ذهول كل ذي علق نفيس عن عِلقه على طريقة الكناية.
وزيادة كلمة (كلّ) للدلالة على أن هذا الذهول يعتري كل مرضع وليس هو لبعض المراضع باحتمال ضعف في ذاكرتها. ثمّ تقتضي هذه الكناية كناية عن تعميم هذا الهول لكل الناس لأن خصوصية هذا المعنى بهذا المقام أنه أظهر في تصوير حالة الفزع والهلع بحيث يذهل فيه من هو في حال شدّة التيقظ لوفرة دواعي اليقظة.
وذلك أن المرأة لشدّة شفقتها كثيرة الاستحضار لما تشفق عليه، وأن المرضع أشد النساء شفقة على رضيعها، وأنها في حال ملابسة الإرضاع أبعد شيء عن الذهول فإذا ذهلت عن رضيعها في هذه الأحوال دلّ ذلك على أن الهول العارض لها هول خارق للعادة. وهذا من بديع الكناية عن شدة ذلك الهول لأن استلزام ذهول المرضع عن رضيعها لشدّة الهول يستلزم شدّة الهول لغيرها بطريق الأوْلى، فهو لزوم بدرجة ثانية، وهذا النوع من الكناية يسمى الإيماء.
و (مَا) في {عما أرضعت} موصولة ما صْدقُها الطفل الرضيع. والعائد محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل، وحذفُ مثله كثير.
والإتيان بالموصول وصلته في تعريف المذهول عنه دون أن يقول عن ابنها للدلالة على أنها تذهل عن شيء هو نصب عينها وهي في عمل متعلّق به وهو الإرضاع زيادة في التكني عن شدة الهول.
وقوله {وتضع كل ذات حمل حملها} هو كناية أيضاً كقوله {تذهل كل مرضعة عما أرضعت}. ووضع الحمل لا يكون إلا لشدة اضطراب نفس الحامل من فرط الفزع والخوف لأنّ الحمل في قرار مكين.
والحمل: مصدر بمعنى المفعول، بقرينة تعلقه بفعل {تضعُ} أي تضع جنينها.
والتعبير ب {ذات حمل} دون التعبير: بحامل، لأنه الجاري في الاستعمال في الأكثر. فلا يقال: امرأة حامل، بل يقال: ذات حمل قال تعالى: {وأُولاتُ الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4]، مع ما في هذه الإضافة من التنبيه على شدة اتصال الحمل بالحامل فيدل على أن وضعها إياه لسبب مفظع.
والقول في حمله على الحقيقة أو على معنى الكناية كالقول في {تذهل كل مرضعة عما أرضعت}.
والخطاب في {ترى الناس} لغير معيّن، وهو كل من تتأتى منه الرؤية من الناس، فهو مساو في المعنى للخطاب الذي في قوله {يوم ترونها}، وإنما أوثر الإفرادُ هنا للتفنن كراهية إعادة الجمع. وعدل عن فعل المضي إلى المضارع في قوله {وترى} لاستحضار الحالة والتعجيب منها كقوله {فتثير سحاباً} [الروم: 48] وقوله {ويصنع الفلك} [هود: 38].
وقرأ الجمهور {سُكارى} بضم السين المهملة وبألف بعد الكاف. ووصف الناس بذلك على طريقة التشبيه البليغ. وقوله بعده {وما هم بسكارى} قرينة على قصد التشبيه وليبني عليه قوله بعده {ولكن عذاب الله شديد}... وسُكارى وسَكرى جمع سكران، وهو الذي اختل شعور عقله من أثر شرب الخمر، وقياس جمعه سكارى...
و {عذاب الله} صادق بعذابه في الدنيا وهو عذاب الفزع والوجَع، وعذاب الرعب في الآخرة بالإحساس بلفح النار وزبْن ملائكة العذاب...
الذهول: هو انصراف جارحة عن مهمتها الحقيقية لهول رأته فتنشغل بما رأته عن تأدية وظيفتها فالذهول- إذن- سلوك لا إرادي قد يكون ذهولا عن شيء تفرضه العاطفة، أو عن شيء تفرضه الغريزة. العاطفة كالأم التي تذهل عن ولدها، وعاطفة الأمومة تتناسب مع حاجة الولد، ففي مرحلة الحمل مثلا تجد الأم تحتاط في مشيتها، وفي حركاتها، خوفا على الجنين في بطنها، وهذه العاطفة من الله جعلها في قلب الأم للحفاظ على الوليد، وإلا تعرض لما يؤذيه أو يودي بحياته. فانظر إلى المرضعة، وكيف تذهل عن رضيعها وتنصرف عنه، وأي هول هذا الذي يشغلها، ويعطل عندها عاطفة الأمومة والحنان ويعطل حتى الغريزة. وقوله تعالى: {وتضع كل ذات حمل حملها} بعد أن تكلم عن المرضع رقى المسألة إلى الحامل، ومعلوم أن الاستمساك بالحمل غريزة قوية لدى الأم حتى في تكوينها الجسماني، فالرحم بمجرد أن تصل إليه البويضة المخصبة ينغلق عليها، كما قال سبحانه وتعالى: {ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} [الحج 5]: فإذا ما جاء وقت الميلاد انفتح له بقدرة الله، فهذه- إذن- مسألة غريزية فوق قدرة الأم ودون إرادتها. إذن: وضع هذا الحمل دليل هول كبير وأمر عظيم يحدث... وقوله تعالى: {ولكن عذاب الله شديد} إنهم لم يروا العذاب بعد، إنها مجرد قيام الساعة وأهوالها أفقدتهم توازنهم، لأن الذي يصدق في أن القيامة تقوم بهذه الصورة يصدق في أن بعدها عذابا في جهنم...