وفي هذا البيت دلائل واضحة على حُرمته وفريد شرفه وفضله ، منها قيام إبراهيم للصلاة فيه ، وأن من دخله كان آمنا لا يتعرض له أحد بسوء .
روي عن عمر بن الخطاب قال : " لو ظفرت بقاتل الخطّاب ما مسَسْته حتى يخرج " . وقال أبو حنيفة : من وجب قتله فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرض له حتى يخرج منه ، ويجب العمل على إخراجه .
وقد اتفق العرب جميعا على تعظيم الكعبة في الجاهلية وأقرّ ذلك الإسلام . والحج إلى البيت واجب على المستطيع ، وتختلف الاستطاعة باختلاف الأشخاص ، والبعد عن البيت أو القرب منه ، وكلٌّ مكلف أدرى بنفسه في ذلك .
والحج فريضة ، في العمر مرة ، عندما تتوافر القدرة من الصحة والأمن الكافي . وهو مؤتمر المسلمين السنوي العام ، يتلاقون فيه عند البيت الذي بدأت منه الملة الحنيفية على يد إبراهيم وصدرت من عنده دعوة محمد . لذا جعله الله أول بيت خالص في الأرض لعبادته .
أما من كفر وتمرد على أمر الله وجحد دينه ، فإنه الخاسر . ذلك أن الله غني عن العالمين ، لا يحتاجهم ، ولا يصله شيء من عبادتهم إلا ما يطهر أنفسهم ويقيم مجتمعهم .
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " ولله على الناس حج البيت . . . " بكسر الحاء ، والباقون بالفتح .
ثم فسر الهدى بقوله : { فيه آيات بينات } وقوله : { مقام إبراهيم * } أي أثر قدمه عليه الصلاة والسلام في الحجر حيث قام لتغسل{[18348]} كنته{[18349]} رأسه الشريف - أعربه{[18350]} أبو حيان بدلاً أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر { إن } في قوله : { للذي ببكة } فكأنه قيل : إن أول بيت وضع للناس لمقام{[18351]} إبراهيم ، وأعربه غيره{[18352]} بدل بعض من قوله { آيات } وهو وحده آيات لعظمه{[18353]} ولتعدد ما فيه من تأثير القدم ، وحفظه إلى هذا الزمان مع كونه منقولاً ، وتذكيره{[18354]} بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل{[18355]} عليهما الصلاة والسلام .
ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس يعول{[18356]} في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى : { ومن دخله } أي{[18357]} فضلاً عن{[18358]} أهله { كان آمناً } أي عريقاً{[18359]} في الأمن ، {[18360]}أو فأمنوه{[18361]} بأمان الله ، وتحويل العبارة عن " وأمن داخله{[18362]} " لأن هذا أدل على المراد{[18363]} من تمكن الأمن ، وفيه بشارة بدخول الجنة .
ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من{[18364]} إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمخالفتهم إياه بعد دعواهم{[18365]} بهتاناً أنه على دينهم ، وكانت{[18366]} المخالفة في الواجب أدل قال سبحانه وتعالى : { ولله } أي الملك الذي له الأمر كله { على الناس } أي عامة ، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في
{ استطعما{[18367]} أهلها{[18368]} }[ الكهف :77 ] في الكهف{[18369]} ، وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم { حج البيت } أي زيارته زيارة{[18370]} عظيمة ، وأظهر أيضاً تنصيصاً عليه وتنويهاً بذكره تفخيماً لقدره ، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة ، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم{[18371]} وأماكنهم{[18372]} وحلالهم{[18373]} ، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج ، ثم مَن بالتخفيف{[18374]} بقوله مبدلاً من الناس ، تأكيداً بالإيضاح بعد الإبهام وحملاً على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة : { من استطاع } أي منهم { إليه سبيلاً } فمن حجه كان مؤمناً .
ولما كان من الواضح أن التقدير : ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفاً بالوجوب ، وبالمروق من الدين إن جحد ، عطف عليه{[18375]} قوله : { ومن كفر } أي بالنعمة أو بالدين { فإن الله } اي الملك الأعلى { غني } ولما كان غناه مطلقاً {[18376]}دل عليه{[18377]} بقوله موضع عنه : { عن العالمين * } أي طائعهم وعاصيهم ، صامتهم وناطقهم ، رطبهم ويابسهم ، فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا على دينه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم ، فثبتت بذلك براءته منهم ، والآية{[18378]} من الاحتباك لأن إثبات فرضه أولاً يدل على كفر من{[18379]} أباه ، وإثبات{[18380]} { ومن كفر } ثانياً يدل على {[18381]}إيمان من حجه{[18382]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.