تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الإسراء .

سورة الإسراء مكية ، آياتها إحدى عشرة ومائة آية ، وقال بعضهم : إن فيها ثماني آيات أو اثنتي عشرة آية مدنية .

ابتدأت السورة بتسبيح الله تعالى ، ثم ذكرت الإسراء ، ثم رسالة موسى وما كان من بني إسرائيل . ثم أشارت إلى منزلة القرآن الكريم في الهداية ، وإلى الآيات الكونية في الليل والنهار ، وما يكون للناس يوم القيامة من جزاء على ما يقدمون من أعمال في الدنيا .

بعد هذا بين الله أسباب فساد الأمم ، وحال الأفراد في مساعيهم ، ونتائج أعمالهم في الآخرة . وجاءت الآيات من بعد ذلك بإكرام الوالدين ، وحال الناس بالنسبة لأموالهم ، وجاءت بأوامر عشرة ، فيها بناء المجتمع الفاضل .

ثم رد سبحانه مفتريات المشركين بالنسبة للملائكة ، وبيّن تصريف الحج .

ثم أشار سبحانه إلى ما يستحق من تحميد ، وإلى جحود المشركين ، وشرح أصل الخليقة الإنسانية والشيطانية ، وهدد المشركين بآياته .

كذلك بيّن الكرامة الإنسانية ، وذكّر بعذاب يوم القيامة ، ثم ذكر محاولة المشركين صرف النبي عليه الصلاة والسلام عن دعوته ، وتثبيت الله تعالى له .

وقد أوصى الله نبيه الكريم بعدة وصايا وأدعية ، ثم أشار إلى منزلة القرآن الكريم ، وتكلم عن الروح وأسرارها ، ثم جاء على ذكر إعجاز القرآن ، وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بمثله ، وموقف الناس منه ، وحال المؤمنين الصادقين في إيمانهم .

والعنصر البارز في كيان السورة ، ومحور موضوعاتها الأصيل ، هو شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وموقف قومه في مكة ، والقرآن الذي جاء به ، وطبيعة هذا القرآن ، وما يهدي إليه . وبهذه المناسبة تم الاستطراد إلى طبيعة الرسالة والرسل ، وإلى امتياز الرسالة المحمدية بطابع غير الخوارق الحسية ، وما يتبعها من هلاك المكذبين بها ، وإلى تقرير التبعية الفردية في الهدى والضلال ، والتبعية الجماعية في السلوك العملي في محيط المجتمع . . . كل ذلك بعد أن يعذر الله سبحانه الناس ، فيرسل إليهم الرسل بالتبشير والتحذير والبيان والتفصيل { وكل شيء فصّلناه تفصيلا } .

وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن ، والحق الأصيل فيه ، أنزله الله مفرقا ليقرأه الرسول على القوم على مهل وروية ، بمناسبته ومقتضياته ، فيتلقاه أهل العلم بالخضوع أو التأثر إلى حد البكاء والسجود . ويختم السورة بحمد الله الذي لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، كما بدأها بتسبيحه وتنزيهه .

بسم الله الرحمان الرحيم .

سبحان الله : تنزيها له عن كل ما لا يليق بجلاله .

أسرى : سار ليلا .

المسجد الحرام : مسجد مكة .

المسجد الأقصى : الحرم في بيت المقدس ، وهو أقصى ، أي بعيد بالنظر إلى الحجاز .

تنزيها لله الذي أسرى بعبده محمد في جزء من الليل ، ومن المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس ، ذلك المسجد الذي جعلنا البركة فيه وحوله لسكّانه في معايشهم وقواتهم ، لنُري عبدنا محمدا من أدلتنا ما فيه البرهان الكافي والدليل الساطع على وحدانيتنا وعظم قدرنا . إن الله الذي أسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة ، البصير بما يفعلون .

حادث الإسراء :

كان حادث الإسراء في ليلة 27 من رجب قبل الهجرة بسنة واحدة ، وقد حصل الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالجسد والروح فعلا ، ولو كان الإسراء بالروح فقط لما كان في ذلك شيء من العجب ، ولما قامت ضجة قريش ، وبادروا إلى تكذيبه .

فالرواية تقول إن الرسول الكريم كان نائما في بيت ابنة عمه أم هانئ ، فأُسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانئ ، ثم قام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه ، فقال لها : مالك ؟ قالت : أخشى أن يكذّبك قومك إن أخبرتهم : قال : وإن كذّبوني . فخرج فجلس إليه أبو جهل ، فأخبره رسول الله بحديث الإسراء ، فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤي ، هلُم . فحدّثهم . فاستنكر القوم ذلك ، فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا . وارتد ناس من المسلمين . وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه قال : أوَ قال ذلك ؟ قالوا : نعم . قال : فأنا أشهد لئن قال ذلك لقد صدق . قالوا : فتصدّقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح ؟ قال : نعم ، أنا أصدقه بأبعدَ من ذلك ، أصدقه بخبر السماء . فسُمّيَ الصدّيق . وكان منهم من سافر إلى بيت المقدس ، فطلبوا إليه وصف بيت المقدس فوصفه لهم وصفا دقيقا ، فقالوا أخبرْنا عن عِيرنا ، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ، وقال : تَقْدُم يوم كذا ، فكان كما قال . وفي الليلة ذاتها كان العروج إلى السماء من بيت المقدس .

بيت المقدس بناه العرب الكنعانيون ، واليبوسيون منهم ، على جبل صهيون نحو سنة 2500 قبل الميلاد . وكلمة «صهيون » كنعانية أخذها اليهود وجعلوها شعاراً لهم . والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم . كما تربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد ، وتعيد الحق إلى أهله . والمقصود من هذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله ، واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعا ، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان ، وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من ذلك .

كما أنها تتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تنكشف عنها النظرة الأولى . وهي آية من آيات الله ، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود ، وتنكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري ، والاستعدادات الدينية التي يتهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في أشخاص المختارين من هذا الجنس الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه .

وفي هذه الآية الكريمة يدلنا الله تعالى إلى أن بيت المقدس والشام أجمع هي بلادنا وملك لنا فسارِعوا إلى أخذها . ولم تمض عشرون سنة حتى كانت في حوزة المسلمين وبقيت وستبقى إلى الأبد في أيديهم مهما كانت الغمّة القائمة .

ومهما جمعت إسرائيل من قوة وأسلحة ودعمها الأمريكان والانكليز وغيرهم فإنها سوف تزول ، ولسنا نشك في أن دائرة السوء ستدور عليهم جميعا ، ويذهب هذا الباطل ، وينمحي ذلك الزيف والكذب وتبقى القدس عربية مسلمة ، وتبقى الصخرة المشرفة ومسجد عمر ، { لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون } [ الروم : 4 ] .

 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير

[ سبحان ] أي تنزيه [ الذي أسرى بعبده ] محمد صلى الله عليه وسلم [ ليلا ] نصب على الظرف والإسراء سير الليل وفائدة ذكره الاشارة بتنكيره إلى تقليل مدته [ من المسجد الحرام ] أي مكة [ إلى المسجد الأقصى ] بيت المقدس لبعده منه [ الذي باركنا حوله ] بالثمار والأنهار [ لنريه من آياتنا ] عجائب قدرتنا [ إنه هو السميع البصير ] أي العالم بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله فأنعم عليه بالإسراء المشتمل على اجتماعه بالأنبياء وعروجه إلى السماء ورؤية عجائب الملكوت ومناجاته له تعالى فإنه صلى الله عليه وسلم

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة :

هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات . وآياتها مائة وإحدى عشرة آية . وهذه السورة حافلة بالأخبار والغيبيات والمشاهد . ويأتي في طليعة ذلك كله ما بُدئت به السورة ، وهو الحديث عن الإسراء برسول الله ( ص ) من مكة إلى بيت المقدس ليلا ، وذلك في قوله سبحانه : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) . إن هذا الحديث كريم ومبارك ، وهو هائل وجلل في مدلوله ومعناه . ذلك يتجلى في الملاحظات التالية :

الملاحظة الأولى : وهي التكريم البالغ لرسول الله ( ص ) ، هذا النبي الأمي المفضال ، سيد الأولين والآخرين ، وإمام البشرية في هذه الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين . وليس أدل على ذلك من اجتماع الأنبياء في بيت المقدس في هذه الليلة ليؤدوا الصلاة مجتمعين من خلف إمامهم محمد ( ص ) . لا جرم أن هذه مكرمة قدسية رفافة ، أوتيها نبينا ( ص ) ، فكان بها في الذروة السامقة من سلم الأطهار الأعاظم ، والنبيين الأكارم .

الملاحظة الثانية : أن هذا الحديث الجلل لهو وثيق الصلة بصلب العقيدة الإسلامية نفسها ، وهو من مقتضيات الإيمان في دين الإسلام ، فهو بذلك حقيقة لا تحتمل التحذلق أو مثقال ذرة من شك أو ريبة ، بل ذلك حدث قطعي لا شك فيه ، ولا ينكره أو يرتاب فيه أو يتأوله على غير محمله الصحيح الثابت إلا جاحد زنديق ، ليس له في حساب التقييم إلا أن يكون في عداد المرتدين المارقين .

الملاحظة الثالثة : في هذا الحدث العجيب الأكبر تتجلى مكانة القدس ، قبلة المسلمين الأولى ، ومهبط الوحي للعروج من ثم برسول الله ( ص ) إلى السموات العلا ، ليرى هنالك من آيات الله الكبرى .

وعلى هذا فإن للقدس منزلة عليا في قلوب المسلمين في كل بقاع الدنيا ، في هذا الزمان وفي كل زمان . وهي منزلة كريمة مميزة ، ليست لغيرها من المدن إلا ما كان لمكة أو المدينة المنورة .

ولئن كانت الأوطان في تصور الإسلام تحتل أبلغ الاهتمام والتقدير ، وتستوجب الجهاد واستعمال القوة دون أي بلد من بلدان الإسلام مهما كلف الثمن ، فإن مدينة القدس لهي أسمى وأعظم قداسة من سائر البلدان ؛ فما من عدوان يطرأ عليها متربص دخيل إلا كان عدوانا على عقيدة المسلمين في سائر أوطانهم وديارهم ، وفوق ذلك كله : فإن مدينة القدس تحفّ بها البركة والطهر ، ولا يسكنها أو يرغب في الإقامة فيها من المسلمين إلا كتب له الأجر العظيم من ربه ، وكان في زمرة المرابطين المصابرين .

الملاحظة الرابعة : أن مدينة القدس قد شهدت ألوانا من حملات الطغيان والاعتداءات عليها ، سواء بالاحتلال البغيض ، أو التقتيل ، أو الترهيب ، أو تغيير المعالم وكلِّ أوجه الحضارة فيها . وهي حملات واعتداءات ظالمة ، أفرزتها طبائع المجرمين الظالمين ، الذين ما فتئوا يتآمرون على هذه المدينة الإسلامية ، لسلخها من جسم الإسلام والمسلمين .

مؤامرة وخيانات عاتية وتترى ، قد اجتمعت عليها قوى الشر ، وأساطين الطغيان والكفر ، من عتاة البشرية وطواغيتها ، ما بين صليبيين ، واستعماريين ، وماسونيين ، وصهيونيين ، كل أولئك قد تمالأوا على الإسلام والمسلمين ، لاغتصاب فلسطين المسلمة من أهلها ، وفي طليعتها القدس .

ولئن أفلح هؤلاء الخصوم العتاة اللّد في اغتصاب فلسطين والقدس ؛ فإن طوفان الإسلام الهادر آت لا محالة ، ليطحطح عن هذه الأرض المباركة كابوس الفساد والشر ، ولينسف قواعد الكفر والإباحية والعدوان نسفا . وحينئذ تعود البلاد المغتصبة لحظيرة الإسلام والمسلمين ، حيث الوضع السليم الذي كتبه الله في قرآنه لفلسطين والقدس .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنيره من آياتنا إنه هو السميع البصير } ( سبحان ) ، اسم علم للتسبيح . سبحت الله تسبيحا وسبحانا ؛ فالتسبيح هو المصدر . و ( سبحان ) اسم علم للتسبيح . وسبحان الله ، معناه تنزيه الله تعالى من كل سوء{[2635]} .

قوله : ( أسرى بعبده ليلا ) سرى وأسرى ، من الإسراء وهو السير ليلا .

والمراد بعبده محمد ( ص ) ؛ فقد أسرى الله به ليلا ، بلفظ التنكير ، لقلة المدة التي وقع فيها الحدث القدسي الهائل ؛ إذ أسرى الله برسوله الكريم ( ص ) في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، في عرف السابقين من ذلك الزمان وكان ذلك قبل الهجرة بعدة أعوام . وسمي بالأقصى لبعد المسافة بين المسجدين ؛ ولأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد .

وهل وقع الإسراء بالروح وحده ، أو بالروح والجسد معا ؟ فقد ذهب معظم العلماء من السلف والخلف من المسلمين إلى أن النبي ( ص ) قد أسري بروحه وجسده معا ، وأنه ركب البراق بمكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ، ثم عرج بجسده من ثم إلى السموات . ويدل على ذلك : أن الحدث في ذاته معجزة هائلة . وهي دليل الوقوع بالروح والجسد مجتمعين . ولو كان الإسراء بالروح دون الجسد كالرؤيا في المنام لما كان في ذلك آية ولا معجزة ولما كان مدعاة للدهش والعجب ، ولا معنى للبدء بتنزيه الله نفسه بقوله : ( سبحان ) لا جرم أن البداية بهذا التعبير يكشف عن خبر مذهل وجلل قد تحقق في عملية الإسراء . ولا يكون ذلك بمجرد الروح .

وهو أمر غير عجيب ولا مثير ؛ بل إن ما حصل كان معجزة ضخمة لا تعني غير الإسراء بالروح والجسد مجتمعين . ويعزز ذلك ويؤيده ما ورد في هذه المسألة من أخبار كثيرة ، منها ما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : " لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فظعت{[2636]} وعرفت أن الناس مكذبي ، فقعدت معتزلا حزينا فمرّ به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ : هل كان من شيء ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " نعم " قال : وما هو ؟ قال : " إني أسري بي الليلة " قال إلى أين ؟ قال : " إلى بيت المقدس " قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : " نعم " فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه . فقال : أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " نعم " فقال : يا معشر بني كعب بن لؤي . قال : فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما . قال : حدث قومك بما حدثني . قال رسول الله ( ص ) : " إني أسري بي الليلة " فقالوا : إلى أين ؟ قال : " إلى بيت المقدس " قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ . قال : " نعم " قال : فمن بين مصفق ، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا . قالوا : ونستطيع أن تنعت لنا المسجد ؟ - وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد- فقال رسول الله ( ص ) : " فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه " فقال القوم : أما النعت فوالله لقد أصاب فيه .

ويستفاد من شدة تكذيب القوم واستنكارهم أن هذا الحدث العظيم ما كان ليحصل إلا بالروح والجسد ؛ فإنه ما كان لمثل هذا الدهش الذي طغى على المشركين ليكون لو أن حدث الإسراء حصل بالروح دون الجسد ؛ فرؤيا المنام لا مدعاة فيها لعجب أو إثارة ؛ لكن القوم قد أخذهم الذهول أخذا لإدراكهم أن المراد من الإسراء هو تحققه بالروح والجسد معا .

قوله : ( الذي باركنا حوله ) والمراد بركات الدين والدنيا . أما الدين : فبيت المقدس متعبد الأنبياء ومهبط الوحي ، وقد دفن حوله من الأنبياء والصالحين كثيرون . أما الدنيا : فقد جعل الله البركة لساكنيه في معايشهم وأرزاقهم وحروثهم وثمراتهم .

قوله : ( لنريه من آياتنا ) لقد أراه الله في طريقه إلى بيت المقدس وبعد مصيره إليه وصعوده في السماوات من العجائب والمشاهد والعبر ما لا يطيق رؤيته غير أولي العزم من النبيين كرسول الله ( ص ) . لقد أراه الله البيت المعمور وسدرة المنتهى ، ولقي في صعوده بعض النبيين المرسلين وبعض الملائكة العظام .

قوله : ( إنه هو السميع البصير ) الله سميع لما يقوله المشركون والمرتابون والمكذبون من تخريص عن الإسراء . وهو كذلك بصير بأعمالهم وما " يجنونه من منكرات الأفعال كصدهم عن دين الإسلام وإثارتهم من حوله الشبهات والأباطيل .


[2635]:- تفسير الرازي جـ20 ص 146 ومختار الصحاح ص 282 والموجز في قواعد اللغة العربية للأستاذ سعيد الأفغاني ص 260
[2636]:- فظعت: أخسست بلفظاعة